سنة ايران وشيعة السعودية: القمع مقابل الاحتواء

اعداد: شاكر الرفايعة
العصا من المنتصف

في بلدين شرق اوسطيين مؤثرين يقولان انهما ينتهجان الشريعة الاسلامية في الحكم، فرق شاسع في تعامل السلطة مع الاقلية المذهبية في كل منهما.
والاقليات في جميع الدول تشكو دائما من التهميش او الاضطهاد، لكن الصورة في ايران مختلفة، حيث لم تستطع السلطات في الجمهورية الاسلامية ذات الأغلبية الشيعية استيعاب الاحتقان الطائفي منذ الثورة الاسلامية التي قادت رجال الدين الشيعة الى حكم البلاد قبل ثلاثين عاما.
وظهرت تيارات سنية في ايران أخذت على عاتقها العمل المسلح لاسماع صوتها خلال السنوات الاخيرة حين تأكدت بأن لا آذان حكومية تصغي لمطالبها ولا مجال للحوار بين الجانبين، فاصبح العنف ينفجر بين الحين والاخر على شكل عمليات مسلحة ضد الشرطة وهجمات على المساجد الشيعية.
وكان آخر هذه الهجمات حريق متعمد في مبنى تابع لاحدى الشركات في مدينة زاهدان، وهي كبرى مدن اقليم سيستان بلوشتان، اودى بحياة خمسة في اعقاب ما شهدته المدينة من اضطرابات واعتقالات على خلفية سقوط 25 قتيلا و125 جريحا بتفجير في مسجد شيعي.
وبعد يوم واحد فقط، شنق ثلاثة اشخاص اثر ادانتهم بالتواطؤ في تنفيذ الاعتداء على المسجد الذي نسب الى مجموعة سنية متمردة تدعى "جند الله".
في مارس/آذار الماضي، أطلق احد ابرز رجال الدين الشيعة في السعودية تصريحات نارية لم تشهدها البلاد التي يتبع 90 من مواطنيها المذهب السني، وكان أدناها "مواجهة الظلم" واعلاها "الدعوة الى الانفصال".
واعرب الشيخ نمر باقر النمر عن استعداده لدخول السجن وتحمل قسوة التعذيب وحتى القتل، قائلا انه يرفض المساس بكرامة المواطنين الشيعة، وقال انه يقف "على خط مواجهة الظلم والطغيان التي بدونها لا تُنال الحقوق، ولا تؤسس العدالة، ولا يعيش المواطنون أحراراً".
وحذّر قائلا "إذا حال الوضع بيننا وبين كرامتنا، سندعو الى الإنفصال عن هذا البلد. سندعو الى الإنفصال، وليكن ما يكون. كرامتنا أغلى من وحدة هذه الأرض".
وكان النمر يتحدث عن صدامات وقعت في المدينة المنورة في فبراير/شباط الماضي بين الشرطة السعودية وزوار شيعة.
ولم تشهد السعودية اعتداءات على مساجد او اية مواجهات دامية بخلفيات مذهبية، بل امسكت بالعصا من المنتصف، وشددت على معاني "المواطنة"، حسبما أكد وزير الداخلية الامير نايف بن عبد العزيز في اعقاب احداث المدينة المنورة.
وحينها قال الامير نايف "نحن نرفض رفضا باتا وقاطعا صراع المذاهب في بلادنا ونعتبر أن للمواطن حقوقا وعليه واجبات تتماثل في كل شيء وأن لا يتم التعرض بأي حال من الأحوال لنهج الأمة (في السعودية) وهو النهج السني السلفي".

ووسط مشاعر الريبة المتزايدة في العالم العربي من تعاظم النفوذ الايراني في المنطقة، لم تصدر عن الرياض اية اشارات تلمح الى التدخل في الشأن الداخلي لدولة مثل ايران تنتهج قمع الاقلية السنية.
لكن، وعلى الجانب الاخر، صدرت تصريحات من مسؤولين ايرانيين كبار تنطوي على اطماع في المنطقة العربية وتتفاخر بنفوذها في بلدان مثل العراق ولبنان وفلسطين.

وفي مارس/آذار ايضا، اعلن اثنان من مستشاري الزعيم الايراني آية الله علي خامنئي ان البحرين هي "المحافظة الايرانية الرابعة عشر" وان للجمهورية الاسلامية "تأثيرا كبيرا" في مناطق مختلفة من العالم العربي، فضلا عن التوتر القائم اصلا حول الجزر الامارتية (ابو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى) التي تحتلها ايران.

ويرى البعض ان تعاطي الحكومة السعودية بهدوء مع قضايا الاقلية الشيعية يأتي في سياق تلافي الانتقادات الحقوقية الدولية لا سيما من قبل الولايات المتحدة، بيد أن الاسلوب السعودي اثبت نجاحه حتى الان في تجنيب البلاد أية أعمال عنف ناجمة عن التوتر المذهبي.
أما في ايران، فإن الجمهورية الاسلامية تتهم دائما واشنطن في اية أحداث عنف مذهبية تندلع على اراضيها، كي تتملص (ولو في محاولة يائسة) من مسؤولية التغاضي عن الهيمنة السياسية الكاملة للشيعة على البلاد.