احذر، ثمة هاوية تحت قدميك

بقلم: علي الصراف

يحسن بالرئيس اليمني علي عبد الله صالح ان يكون على حذر في مواجهة الاضطرابات التي تندلع في الجنوب، وغيرها من الاضطرابات التي يخشى أن تندلع في الشمال أيضا.
"مجموعة الأزمات الدولية" التي تتخذ من بروكسل مقرا لها لم تكن تمزح عندما دعت المعنيين بالأزمة في اليمن إلى العمل على تفادي جولة جديدة من العنف في محافظة صعدة.
فتصاعد أعمال العنف والمواجهات في الجنوب يوفر أرضية هشة للغاية للسلام في الشمال.
وقالت المجموعة في تقرير بعنوان "اليمن: نزع فتيل قنبلة صعدة الموقوتة" انه بالرغم من وجود هدنة إلا انها قد لا تعمر طويلا.
وقال التقرير: "لا يوجد اتفاق واضح بين الأطراف، وما تزال المظالم المتراكمة دون معالجة إلى حد كبير، والتوترات الطائفية عالية، والمناوشات مستمرة، ويبدو أن الأطراف المتحاربة غير مستعدة للمساومة".
والرئيس صالح واحد من أكثر الذين لا يرغبون بـ"المساومة". فهو لم يلجأ الى لغة الحديد والنار إلا لأنه يؤمن أنها اللغة الوحيدة التي يستطيع الرهان عليها في مواجهة المظالم التي يراكمها نظامه على رؤوس مواطنيه في الشمال والجنوب.
ولكن يجب عليه أن يصغي للنصيحة.
الانتهاكات التي تمارسها القوات المسلحة تحت قيادته ضد المحتجين في الجنوب يمكن أن تؤدي في النهاية الى إثارة دعوات لملاحقته قضائيا.
ولا يستطيع الرئيس صالح ان يتنصل من المسؤولية عندما يأمر قادة وحداته بإطلاق النار على مدنيين.
المسألة في الجنوب ليست مسألة حرب أهلية كما هي الحال في السودان. فقوات الجيش اليمني تقتل أبرياء عزل، وتهاجم مدنيين في ظروف يبدو أنها تتسم بمقدار كبير من العشوائية.
ويخدم الرئيس صالح نفسه أكثر لو انه دفع قواته الى التخفيف من غلوائها المسلحة ضد المدنيين. فالوقت لم يعد يسمح لأي أحد بممارسة أعمال قمعية من دون أن يجد نفسه معرضا للمساءلة والحساب.
وهو يخدم نفسه أكثر لو انه تغلب على غلوائه هو بالإصغاء لصوت الحكمة والعقل والبدء بمسعى مخلص للمصالحة الوطنية، في الشمال والجنوب في آن معا.
فان لم يستطع، فربما يكون من الأفضل له أن يستقيل، قبل ان تنجر قدماه الى بركة دماء لن يكسب منها إلا المزيد من المشاكل والتوترات.
لا يحتاج الرئيس صالح الى أن يتحول الى بينوشيه يمني. وعليه أن يحذر من القوة التي بين يديه. فهي إغراء مدمر، ومن السهل أن ينقلب عليه.
من المفهوم تماما أن هناك من يحضه ويسهل عليه الاتجاه نحو سفك الدماء. ولكنه يجب أن يفهم أن ذلك يمكن ان يؤدي به هو نفسه الى التهلكة.
اليمنيون شعب طيب. ولكنهم إذا غضبوا، فانهم لن يتوقفوا عن ملاحقته.
مثل كل الإغراءات الأخرى، فان مشاعر القوة غالبا ما تعطي انطباعات مخادعة عن الواقع. وقد اثبت الرئيس صالح انه معزول عن الواقع، ويكاد لا يرى أين تقف قدماه.
ثمة هاوية، أيها السيد الرئيس. صحيح انك لا تراها، ولكن حفنة ضحايا جدد قد تكون كافية لتجعك تتزحلق حتى أبواب الجحيم.
فاحذر.
الوقت لم يعد كما كان. وأعمال القتل ضد الأبرياء والعزل لم تعد تمضي من دون حساب.
تستطيع أن تكابر، أيها السيد الرئيس. لا بأس. فعلها قبلك كثيرون. ولكن مع وجود مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية طاحنة، فان المكابرة ستكون هي بحد ذاتها كارثة.
إذا كنت عاجزا عن إيجاد سبيل لحل المشاكل الاقتصادية التي تعانيها البلاد، فالمصالحة الوطنية هي السبيل الوحيد للخروج من المأزق. على الأقل لأنها توفر الاستقرار الضروري لاستئناف عجلة النمو الاقتصادي.
ولكن من المستحيل المضي قدما بهذه المشاكل مع وجود أجواء عنف وصدامات. هذه هاوية يحسن تداركها.
استعراضاتك العسكرية تقول انك تزمع، بالأحرى، الاستمرار في الشيء الوحيد الذي تعرفه: المزيد من القمع. ولكن هذا لن يحل المشكلة. وفي النهاية ستجد نفسك أمام بركة دماء.
فاحذر. لن تستطيع أن ترمي المسؤولية على غيرك. أنت المسؤول.
كل بريء يقتل بأيدي قواتك يمكن أن يتحول الى قضية جنائية ضدك.
وقت القتل المجاني للأبرياء راح وانقضى. والسلطة لم تعد توفر حماية كافية للتغطية على الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية.
على الأقل، احذر. وعضلاتك وفرها.
كان يجب أن تكون جزءا من الحل. اليوم صرت جزءا من المشكلة. وبعد مجزرتين أو ثلاثة، ستكون أنت جل المشكلة.
فاحذر.
شعبك الجائع والمحروم والمعزول لا يحتاج أن تزيد عليه فقرا، وفوق الفقر قهرا.
هذا كثير على بلد كان يفترض أن تقوده الى الرخاء، وأن تحافظ على وحدته.
الكثير من أوجه الأزمات التي يواجهها اليمن كان يمكن تلافيها لو انك كنت تقود إدارة صالحة. ولكنك تركتها تفسد حتى نخرت عظام البلاد برمتها.
وعلى أي حال، فالمسؤولية مسؤوليتك. لقد قدت سفينة اليمن المتهالكة حتى أوصلتها الى شاطئ صخور. وآخر شيء تحتاجه هو أن تدفعها لترتطم. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com