بمناسبة زيارة اوباما للسعودية.. محاولة للفهم

بقلم: إبراهيم الهطلاني

يعتقد بعض الكتّاب والمحللين العرب أن الولايات المتحدة الأميركية تتجه نحو التفكك، ومن منطلق معتقداتهم القومية أو الثورية أو الدينية يؤكد أصحاب هذه النظرية إن الظروف التي مهدت أو تسببت في تفكك الاتحاد السوفيتي سابقا سواء في الديموغرافيا الداخلية أو العسكرية الخارجية تشبه إلى حد بعيد الظروف الحالية التي تمر بها الولايات المتحدة الأميركية.

في المقابل رأي آخر يرفض هذه المقارنة ويقول باختلاف واضح في المكون البنيوي الداخلي بمختلف أبعاده إضافة إلى البون الشاسع في الأصول الجغرافية والثقافية بين النظامين الشمولي في الاتحاد السوفيتي سابقا وبين الأصول السياسية والجغرافية والاقتصادية التي اعتمد عليها النموذج الأميركي منذ تأسيسه وحتى الآن، وان كنت اعتقد أن الغالب في هذه التحليلات والكتابات إنما يعبر عن أماني وتطلعات لنهاية مأساوية للنموذج الأميركي الذي يُحمله القوميون واليساريون والدينيون مسؤولية هزائمهم وانهيار أو فشل مشاريعهم، أكثر من تعبيرها عن معطيات سياسية واقعية ودراسات موضوعية.
ورغم يقيني بتفرد النموذج الأميركي الداخلي وقوة مكوناته الجغرافية والسياسية ومقاومته للتفكك إلا أن الوقائع تؤكد أن ثمة تراجع واضح في السياسة الخارجية لواشنطن وانحسار نفوذها وتأثيرها في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا في الأجزاء التي تعيش نزاعا سياسيا أو عسكريا أو في الدول المحكومة أو المخترقة من قبل الأنظمة والحركات الراديكالية.

وهذا الارتداد السياسي الذي بدأت معالمه في أواخر حكم إدارة بوش ناقصة الصلاحيات آنذاك، تأكد حاليا وأصبح منهجا سياسيا بارزا للإدارة الأميركية الجديدة، وإذا ما استمر الرئيس اوباما في البيت الأبيض أو على الأقل إذا ما استمر تدفق الرسائل السياسية الضعيفة للخارج أو التي يمكن أن يفهمها الآخرون على أنها رايات بيضاء وعلامات ضعف للقوة العسكرية والاقتصادية الأولى في العالم، فان المنطقة ستشهد تناميا وبروزا للتيارات الأصولية في كل الديانات والمذاهب خاصة في مناطق التسامح الديني والاعتدال السياسي كما ستشهد مزيدا من تمدد وسيطرة أنظمة التطرف والاستبداد القائمة أصلا.

إن الرسائل السياسية التي يبعثها اوباما للعالم الثالث خاصة منطقة الشرق الأوسط تسببت في مسلسل من التراجعات في مجال الحريات العامة والديمقراطية خاصة في الدول العربية وإيران لأنها فُهمت من قِبل أنظمة الحكم في المنطقة والحركات المسلحة على أنها مؤشرات ضعف وانكفاء للقوة الأميركية وتنازل عن مسؤولياتها وشعاراتها المعلنة وهنا تكمن الخطورة.

ولغياب أي قوة دولية بديلة قادرة على تحمل مسؤولية النظام الدولي إضافة إلى الانكفاء الأميركي المحتمل سيؤدي حتما إلى فراغ يغري مليشيا وأحزاب أصولية مسلحة وبعض الأنظمة العقائدية الطامحة في التوسع وحكم المنطقة و على التحرك بحرية وفرض أجندتها وثقافتها بقوة، فان الخاسر الأكبر في هذه المستجدات هي الشعوب العربية المحكومة بأنظمة فاسدة وفي ذات الوقت محصورة بين مشروعين توسعيين هما إسرائيل وإيران.

إن الانفتاح المتسرع الذي بدأته إدارة اوباما الجديدة خلال الشهور الماضية مع الحكومات القديمة في منطقة الشرق الأوسط أدى إلى إثارة مخاوف وقلق الناشطين في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، ففي كل مرة يفتح اوباما ذراعيه لأي زعيم في المنطقة العربية التي تعاني من سيطرة ثقافة وممارسة النهج ألاستئثاري فيها على السلطة والثروة، وفي مقابل كل معتقل أميركي خارجي تغلقه الإدارة الجديدة " وهذا يحسب لصالح اوباما " تفتح تلك الحكومات عشرات المعتقلات المحلية، كل ذلك يعكس انطباعا وواقعا بوجود دعم أميركي بشكل ما لاستمرارية نظم سياسية لا تمت لشعوبها بعلاقة شرعية ولا تهتم بمصالح مواطنيها، وحمايتها من أي تأثير أو تغيير محتمل.

وإذا كانت السياسة الخارجية للرئيس السابق جورج بوش تعاملت مع الأصدقاء قبل الأعداء بمبدأ رفع العصا في وجه حكومات العالم الثالث وخاصة العربية، فان سياسة الرئيس الحالي باراك اوباما اعتمدت سياسة مهادنة مع الأعداء قبل الأصدقاء، مما أثار مخاوف الشخصيات والهيئات الحقوقية والمعارضين السياسيين لأنها سلمت تلك العصا ليد نفس الحكومات متجاوزة تاريخها وسجلاتها وسمعتها السيئة في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة، وهذا يعني أن السياسة الأميركية الجديدة تدعم بشكل ما أو تغض الطرف عن استخدام العصا ضد كل الأصوات الوطنية المطالبة بالإصلاح الحقيقي الضامن للحرية والعدالة.

ولمن أراد معرفة الفرق بين السياسة الخارجية الخشنة لإدارة بوش السابقة وبين السياسة الناعمة الحالية التي ينتهجها اوباما وكذلك الفرق بين مواقف وسلوك الحكومات المعتدلة أو المتطرفة تجاه الإدارتين الأميركيتين فليحاول معنا مناقشة أو قراءة بعض الأحداث أو المواقف التي وقعت خلال الخمسة أشهر السابقة وهي عمر الإدارة الجديدة في واشنطن، ومن أبرز تلك المواقف انحناءة الرئيس اوباما أمام الملك عبدالله بن عبدالعزيز عندما التقى به وصافحه على هامش قمة العشرين التي انعقدت في لندن خلال شهر ابريل الماضي.

هذا السلوك أو المبادرة من قِبل رئيس اكبر دولة في العالم لزعيم عربي لدولة تعتبر من العالم الثالث يستحق منا قراءة متأنية على أساس أنها رسالة يمكن فهمها بعدة لغات مختلفة وفي الغالب تكون متضاربة ومتناقضة بحسب عقلية واهتمام وثقافة كل قارئ، آخذين في الاعتبار: أولا - طريقة تعامل الإدارة الأميركية السابقة مع الزعماء العرب لا أقول على مستوى الرئيس بوش أو نائبه بل على مستوى وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس التي كانت تتنقل من دولة لأخرى لتناقش زعماءها في قضايا داخلية كحقوق المرأة والطفل والأقليات وحريات الصحافة والمعتقلين السياسيين، بل إنها كانت تصرح في الرياض والقاهرة بدعواتها وتوجيهاتها وأحيانا كثيرة تملي رغبات واشنطن المباشرة لحكومات اكبر الدول العربية للقيام بخطوات اكبر في مجال الديمقراطية والإصلاح.

ثانيا - تصريح وزير الداخلية في شهر مارس/آذار بعدم وجود حاجه لتمثيل المرأة في مجلس الشورى، وقرار مجلس الوزراء السعودي الذي صدر في منتصف شهر مايو/ايار بتأجيل الانتخابات البلدية عامين بعد أن كانت مقررة في هذا العام 2009، مع التذكير أن التجربة الأولى للانتخابات البلدية أجريت عام 2005 وفي العام التالي 2006صدر تصريح لوزير الداخلية بوجود دراسة لمشاركة المرأة في الانتخابات المقبلة أي 2009 انتخابا وترشيحا.

وبمناسبة زيارة الرئيس الأميركي باراك اوباما المقررة في يوم الثالث من يونيو إلى الرياض ثم إلى القاهرة إضافة إلى ما سبق عرضه من مواقف وتوجهات للإدارتين السابقة واللاحقة في واشنطن في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة في منطقة الشرق الأوسط،ولكل الأحداث والتطورات الدولية بداية من كوريا الشمالية واستئناف تجاربها النووية، واستمرار التحدي النووي الإيراني، وإعادة الاتصالات الأميركية مع النظام السوري رغم استمراره في سياسة اللعب بأوراق التنظيمات والأحزاب المسلحة في دول الجوار، والمواقف المتعنتة لحكومة البشير في الخرطوم فيما يتعلق بقرارات المحكمة الجنائية، وحتى إعادة اعتقال المعارضة البورمية اونغ سان سو تشي (63 عاما) الفائزة بجائزة نوبل للسلام، وفي خضم هذا المشهد المتأزم والتراجعات الخطيرة في كثير من ملفات المنطقة العربية والأسيوية المهمة خاصة فيما يتعلق بقضايا الحقوق والحريات والانتهاكات الإنسانية، كيف يمكننا فهم أو تفسير الرسائل التي تطلقها واشنطن فيما يتعلق بالسياسة الخارجية وهل العيب في خيارات باراك وتوجهاته الخارجية أم في طريقة طرحها، أم أن الخلل في سوء فهم وتفسير النظم السياسية في العالم الثالث للرسائل الجديدة التي يطلقها الرئيس باراك اوباما.

إبراهيم الهطلاني Hemah99@hotmail.com