صحافتنا مصابة بـ 'أنفلونزا الرقابة الذاتية'!

بقلم: جواد البشيتي

عندما يغيب "المجتمع الحُر"، يغيب "الصحافي الحُر"؛ وعندما يغيب "الصحافي الحُر"، تغيب "الصحافة الحرُة"؛ فهل لدينا "صحافة حُرة"؟
الجواب يكمن في جُمْلة واحدة، وردت في "تقرير الحرِّيات السنوي" لـ "مركز حماية وحرِّية الصحافيين"، في الأردن، هي "94 في المئة من الصحافيين والإعلاميين يُخْضِعون أنفسهم لرقابة ذاتية"؛ ولكَ بعد ذلك أن تجيب، إيجاباً أو سلباً، بما يوافِق هذه "الحقيقة".
المجيبون بالإيجاب قد يستذرعون بـ "الحرِّية المسؤولة"، متَّخِذين من "الرقابة الذاتية" مرادِفاً لـ "الحرِّية المسؤولة"!
وعملاً بـ "منطق أرسطو"، بعد مسخهم له، ربَّما يقولون: "الحرِّية المسؤولة" تتضمَّن "رقابة ذاتية"؛ وعليه، "الرقابة الذاتية" هي ذاتها "الحرِّية المسؤولة".
وهذا إنَّما يشبه أن تقول: الحيوانات تتضمَّن الكلاب؛ وعليه، كل الحيوانات كلاب!
كل الدول الديمقراطية في صحافتها وصحافييها تخلو ممَّا يسمَّى "قسم الرقابة"؛ ولكن ليس كل دولة تخلو من هذا القسم يجب أن تكون ديمقراطية في حياتها الصحافية، فثمَّة دول تنتفي لديها الحاجة إلى "قسم الرقابة"، فتلغيه؛ وهذه الحاجة تنتفي عندما يصبح الرقيب الحكومي ذاته مقيماً في داخل كل صحافي، يأمره تارةً، وينهاه طوراً، فوظيفة "قُلْ ولا تَقُلْ" تصبح عادة مهنية يومية لدى الصحافي!

الصحافي في عمله ومهنته إنَّما هو الصراع اليومي والدائم بينه، أو بين ما بقي فيه من ميل إلى الحرِّية، أو من وجود لـ "الصحافي الحُر"، وبين ذلك "الرقيب الداخلي الكامن المستتر"، فكلَّما زيَّنت له نفسه "الأمَّارة بالسوء" أن يكتب بما يوافِق "حُبه للحقيقة"، ولو غضب أفلاطون، نهاه ذلك "الرقيب الخفي"، وهدَّده وتوعَّده؛ وينتهي هذا الصراع، على وجه العموم، إلى غلبة وانتصار هذا الرقيب.

ذات يوم، وصف رئيس الوزراء الأردني الأسبق عبد الرؤوف الروابدة الإعلام لدينا بأنَّه "مرعوب"، متَّخِذاً من "الإعلام المرعوب" سبباً يَنِسِب إليه كثيراً من "النتائج السلبية"، ضارباً صفحاً عن حقيقة أنَّ هذا "السبب" يمكن ويجب النظر إليه، وفهمه، على أنَّه "نتيجة"، فالصحافي أو الإعلامي "المرعوب" لا يُوْلَد "مرعوباً" وإنَّما "يصبح" كذلك؛ وكفانا الله جميعاً شرَّ السؤال "لماذا إعلامنا مرعوب؟".

الصحافي عندنا، أو كاتب مقالة الرأي على وجه الخصوص، يكتب وكأنَّه يزحف في حقلٍ من الألغام، فهو، أوَّلاً، ينأى بقلمه عن "المحرَّمات"، أو كل قضية يمكن أن يُنْظَر إلى تناولها على أنَّه تجاوز لـ "خطٍّ أحمر". و"قائمة المحرَّمات" تشمل مواضيع وقضايا هي في منزلة "الأصول"؛ ويكفي أن يتقيَّد بها الكاتب حتى لا يبقى لديه من أمر يستطيع الكتابة فيه إلاَّ ما يشبه "حبوب منع الحمل"، و"كيفية الوقاية من مرض أنفلونزا الخنازير"، وكأنَّ خير موضوع يمكن أن يستنفد فيه جهده ووقته ومداده هو ذاك الذي يملك "خواص الماء الصالح للشرب".

يَكْتُب وهو يَعْلَم أنَّ القارئ لا يبحث عن مواضيع بخواص الماء الصالح للشرب، وإنَّما عن مواضيع تشبه "ماء البحر"، كلَّما شرب منها أكثر ازداد عطشاً!

لقد استفحلت في الصحافي والكاتب، قلماً ولساناً، "الرقابة الذاتية"، فَلِم يبقَ لديه من وسيلة للعيش (مع أن الكاتب الحُر هو الذي يعيش من أجل أن يكتب، ولا يكتب من أجل أن يعيش) سوى تلك المواضيع والقضايا التي يبحث من خلالها في "رائحة الشيء"، وليس في "الشيء ذاته"، فيرتفع في صحافتنا منسوب المقالات التي لا تضر ولا تنفع، وينخفض، في الوقت نفسه، وبالقدر نفسه، منسوب القراءة، وكأنَّ صحافتنا تعاني "أزمة فيض في الإنتاج"، فهي تُنْتِج، وتُكْثِر من الإنتاج؛ ولكن لـ "سوق" تكاد أن تخلو من "المستهلكين"!

أهي المأساة أم المهزلة.. أم هي اجتماع الاثنتين؟!

هناك "مدٌّ"، وهنا "جَزْرٌ"، فـ "الصحافة"، صُحفاً يومية وأسبوعية ومجلات وصحافيين وإعلاميين وكتَّاب..، في "مَدٍّ متزايد"؛ أمَّا القراءة، والقرَّاء، ففي "جَزْرٍ متزايد". و"الأحزاب السياسية" عندنا هي أيضاً في "مَدٍّ متزايد"، مع أنَّ الحكومة تدعو لها، أو تدعو عليها، بـ "الاختصار" و"التركُّز"؛ أمَّا "الحزبيون" من مواطنينا، و"الحياة الحزبية" التي ترجح فيها "كفَّة الحياة" على "كفَّة الموت"، ففي "جَزْرٍ متزايدٍ".

الصحافي، أو الكاتب، عندنا يحفظ عن ظهر قلب تلك "القائمة الحمراء"، فإنْ نسي، أو تناسى، ذكَّره بها يومياً هذا الرقيب، قائلاً له أُكْتُب في كل شيء إلاَّ في: ما يختص بـ "الأمن"، أصولاً وفروعاً، والقضايا الدينية، وزعماء العشائر، وزعماء الدول الشقيقة والصديقة وما أكثرهم، والقضايا الجنسية، وكل ما يمكن أن يتسبَّب بتوجيه تهمة "القدح والذم" إليك، وإنَّها تهمة، لو تعلمون، عظيمة.

وحتى يظل الصحافي في مأمن من هذه التهمة، أمر رئيس الحكومة نادر الذهبي كل موظَّف حكومي بعدم الاتَّصال بالصحافة، أو إيصال أي معلومة إليها في شأن تجاوز مالي أو إداري في داخل الدوائر الحكومية، فحَجْب معلومات من هذا القبيل عن الصحافي يمكن أن يقيه من شرِّ أنْ يُتَّهم بتهمة "القدح والذم"!

والصحافي يحمد الله كثيراً على نعمة الصراع بين مراكز القوى الحكومية، وغير الحكومية، فلولا هذا الصراع لظلَّ كثير من المعلومات في جوف "الثقب الحكومي الأسود"، لا يصل إلى الصحافة، ولا تستطيع الصحافة الوصول إليه. إنَّنا ننتظر دائماً أن تجري رياح مصالح مسؤولين حكوميين، أو مصالح مراكز قوى، بما تشتهي سفينة الصحافة، فإذا ظلت "الروح الحكومية الأُسرية" هي السائدة، لا تتسرَّب إلى الصحافة أي معلومة ذات شأن.

ومع أنَّ هذا الصراع ليس من النوع الذي له وزن إذا ما قيس بميزان مصالح المواطنين واحتياجاتهم فإنَّه يمكن أن يكون مفيداً في إظهاره الصحيفة التي حظيت بامتياز نشر "المعلومة المسرَّبة" على أنَّها وثيقة الصلة بمصادر المعلومات، وبمراكز صُنْع القرار!

على أنَّ هذا الصراع بين مراكز القوى ليس كله خيراً بالنسبة إلى صحافتنا، فشرُّه كثير، وقد يفوق خيره، فبعض صحافيينا وإعلاميينا تروق له "اللعبة"، وينتفع كثيراً من المشاركة (الإعلامية) فيها، فيصبح، في آخر المطاف، "جندياً إعلامياً" في هذا الصراع، الذي يشبه، لجهة أهميته بالنسبة إلى المجتمع، الصراع بين الفنانين!

بعض من "الصحافيين الجنود والضباط" ينضم إعلامياً إلى هذا "المطبخ"، وبعضهم ينضم إلى ذاك، طابخاً من "المعلومات المُغْرِضة" التي يزوِّدونه بها مقالةً أو تقريراً؛ وإنَّني لستُ، من حيث المبدأ، ضدَّ هذه الصلة التي تحتاج إليها الصحافة، على أن يجيد الصحافي، أو الكاتب، "اللعبة"، فشتَّان ما بين الصحافي اللصيق بـ "الرأس" والصحافي اللصيق بـ "الذيل"، فالتذيُّل لـ "الرأس" أفضل ألف مرَّة من التذيُّل لـ "الذيل"!

ولست ضد حرص الجريدة على مكانتها، وعلى تعزيز مكانتها، الإعلانية، فـ "الإعلان التجاري"، على ما علَّمتنا تجربة صحافتنا اليومية، أهم من المقالة والرأي..، فالتجارة جزء من الصحافة؛ ولكنَّها يجب ألاَّ تَعْدِل الصحافة، وإلاَّ أصبحت صحافتنا مستخذية حتى سياسياً لـ "المُعْلنين" وشركاتهم. ولقد أكَّد نحو 86 في المئة من الإعلاميين أنَّ لشركات الإعلان تأثيراً كبيراً في سياسة المؤسسات الإعلامية.

94 في المئة من صحافيينا وإعلاميينا يمارسون "الرقابة الذاتية" التي هي أشدُّ وطأة من الرقابة الحكومية المباشرة والصريحة، فيا معشر الصحافيين والإعلاميين، إنْ استطعتم أن تنفذوا من الرقابة الحكومية، فانفذوا لا تنفذوا إلاَّ بالرقابة الذاتية، وبمزيدٍ منها! جواد البشيتي