'أنفلونزا الخنازير' أم 'أنفلونزا الرأسمالية'؟!

بقلم: جواد البشيتي

حتى الآن، والحمد لله، لم يُصَب أيُّ مواطِن عربي مقيم في دولة عربية بالمرض الفتَّاك المُعْدي، والذي لم يَحْظَ بِعْد بـ "تسمية إعلامية" مُرْضية عالمياً، فـ "اتِّهام" الخنزير قد يُغْضِب كثيراً من البشر؛ أمَّا أنْ تأتي تبرئته بلصق "التهمة" بالمكسيك فيُغْضِب الحكومة والشعب هناك؛ وقد يتوصَّل "ذوو المساعي الحميدة" إلى "تسمية إعلامية ثالثة"، فتَكِفُّ وسائل الإعلامية عن تسميته "مرض أنفلونزا الخنازير"، ويتضاءل ميل بعضها إلى تسميته "مرض المكسيك".

والبشر يختلفون في مواقفهم الدينية، أو شبه الدينية، من بعض أنواع الحيوان، فالهنود الذين يعاملون البقرة على أنَّها حيوان مقدَّس استشاطوا غضباً عندما رأوا الخوف من "مرض جنون البقر" يَحْمِل كثيراً من الناس والحكومات على ارتكاب "جرائم" في حقِّ البقر، فـ "الإبادة الجماعية" للبقر، ولو أفادت في درء مخاطر هذا المرض عن البشر، لم تكن، بحسب معتقدهم، بـ "الوسيلة الشرعية" لمكافحة "مرض جنون البقر".

وفي مصر، اشتدت الحاجة إلى وقاية المجتمع من مخاطِر سوء الفهم التي قد تترتَّب على سعي الحكومة إلى وقاية مواطنيها من مخاطر "مرض أنفلونزا الخنازير"؛ ولقد أحسن البابا شنودة الثالث صُنْعاً إذ سارع إلى وضع الأمور في نصابها، موضحاً موقف الكنيسة القبطية من "الخنزير"، ومن "التهمة" الموجَّهة إليه، ومن قرار الحكومة (الأمني الصحي) إعدام نحو 400 ألف خنزير، مع ما يترتَّب على هذا القرار من أضرار اقتصادية تلحق بأصحاب المزارع وغالبيتهم العظمى من الأقباط، الذين، على ما أوضح البابا وأكَّد، لا يأكلون لحم الخنزير "ليس لكونه حراماً، وإنَّما لما يسبِّبه من أضرار صحيَّة لآكليه".

ومنعاً لتعكير المياه، والاصطياد فيها من ثمَّ، رحبَّت القيادات الكنسية بقرار الحكومة إعدام الخنازير، قائلةً إنَّ "الخنزير ليس حيواناً مقدَّساً عند المسيحيين؛ والمسيحية لا تُوْجِب أكله، ولا تحرِّمه، ويمكن، بالتالي، إعدامه بعد ثبوت ضرره على الأمة".

إنَّه لخبر سار أن نذهب إلى الحرب على "مرض أنفلونزا الخنازير"، وعلى الخنزير ذاته، إذا ما ثبتت، أو بعد ثبوت، "التهمة" الموجَّهة إليه، ونحن متَّحدون، فثمَّة قوى، منها، إنْ لم يكن في مقدَّمها، إسرائيل، التي في حكومتها الجديدة من توعَّد مصر بتدمير سدها العالي، يمكن أن "تغتنم الفرصة"، فتُشْعِل فتيل نزاع من النمط العراقي في مصر، أو غيرها من دولنا العربية.

ولقد حاول بعض الصحافيين الإسرائيليين تصوير الحرب الحكومية الصحية المصرية على الخنزير، المتَّهم حتى تَثْبُت براءته، على أنَّها "حرب دينية"، أو "شبه دينية"، على هذا الحيوان.

مواطنو المكسيك ربَّما هم وحدهم الذين يستبد بهم الذعر من هذا المرض الفتَّاك المُعْدي بما يمنعهم من أن يستنفدوا ولو جزءاً ضئيلاً من وقتهم، ومن جهدهم الذهني، في تخيُّل الأسباب والمسبِّبات.. والأهداف والغايات.

حكومتهم استبدَّ بها الشعور بالعجز عن فهم حقيقة هذا المرض، وعن مكافحته والتصدي له، كما استبدَّ بها الشعور بالخوف من عواقبه الاقتصادية في زمن اقتصادي (عالمي ومكسيكي) رديء، والشعور بالسخط على "المجتمع الصحي الدولي"، الذي لم يفعل شيئاً لمساعدتها في محنتها، فقرَّرت، إذ استولت عليها تلك المشاعر، دعوة مواطنيها إلى ملازمة منازلهم خمسة أيام، وإلى التسلُّح بالكمَّامات، فتزامَن الاحتفال بيوم الصحافة العالمي، والذي يكثر فيه الحديث عادة عن تكميم الحكومات للأفواه الإعلامية، بشيوع ظاهرة التكميم الصحي للأفواه.

إنَّ الذهن البشري مجبول على كره "الفراغ المعرفي"، ولا رادع يردعه، بالتالي، عن ملء هذا الفراغ بأجوبة الوهم والخرافة (وما يشبهها) إذا لم يأتِه العِلْم، بمعناه الواسع، بالأجوبة الواقعية، فَمِنَ "الجهل"، الذي يمكن أن ترعاه مصالح لبعض البشر، تُوْلَد دائماً "الأجوبة المنافية للواقع الموضوعي" عن "الأسئلة الواقعية".

عندما تغيب "المعلومة"، أو تُحْجَب، يميل البشر إلى الأخذ بطريقة للتفسير والتعليل والتحليل والفهم، تقوم على ركنين: "النتائج"، التي يُنْظَر إليها عندئذٍ على أنَّها "الأهداف والغايات" التي كانت كامنة فظهرت، و"المصلحة"، التي يُتَرْجِمونها ذهنياً بالسؤال "مَنْ ذا الذي له مصلحة في حدوث ما حَدَث؟".

وبفضل تلك الطريقة، نتوصَّل إلى "أفكار"، يكفي أن يقول بعضنا بها حتى يُنْظَر إليه على أنَّه مُنْتِج، أو مسوِّق، أو مُسْتَهْلِك، لـ "نظرية المؤامرة". وأنا شخصياً أُؤمِن بـ "المؤامرة" على أنَّها جزء، وجزء فحسب، من التاريخ والعالم الواقعي للسياسة، فلا أنبذها نَبْذ مَنْ ينهاك عن الكذب حتى يسهل عليكَ تصديق كذبه، ولا أُحوِّل "الحبَّة" من وجودها الواقعي والحقيقي إلى "قُبَّة".

سَمِعْتُ أوَّل ما سَمِعْت أنَّ "مرض أنفلونزا الخنازير" كان "مؤامرة" للتخلُّص من الرئيس أوباما، نسج خيوطها المتضرِّرون، أو متضرِّرون، منه، ظاهرةً وحُكْماً وعهداً وسياسةً.

ظهر هذا "التفسير" إذ تناهى إلى أسمعاهم خبر مؤدَّاه أنَّ الرئيس أوباما مصاب بالمرض نفسه، وأنَّه قد أصيب به عندما زار المكسيك، والتقى هناك مصاباً بهذا المرض، توفي بعد بضعة أيام.

البيت الأبيض سارع إلى نفي الخبر؛ ولكن سرعان ما أُذيع خبر آخر مؤدَّاه أنَّ أحد أعضاء وفد الرئيس أوباما قد أصيب بالمرض في أثناء الزيارة.

لقد شُحِذَ الخيال، وتمخَّض هذا الشحذ عن "التفسير" الآتي: تقرَّر اغتيال الرئيس أوباما عَبْر قيام "المتآمرين" بنشر "الفيروس"، الذي توفَّروا على "خلقه" من قبل، في بعض أنحاء المكسيك، ممكِّنين هذا "الفيروس" من الوصول إلى تلك "الشخصية المكسيكية"، التي، على ما علموا، سيلتقيها الرئيس أوباما عند زيارته المكسيك، فإذا توفي الرئيس أوباما بعد، وبسبب، ذلك نُسِبَت وفاته إلى هذا "الفيروس" اللعين، ولو تسبَّبت هذه "المؤامرة" بانتشار "مرض أنفلونزا الخنازير" عالمياً، فالغاية تبرِّر الوسيلة.

المرض بدأ مكسيكياً، ثمَّ انتشر جزئياً في الولايات المتحدة، ثمَّ انتشر بما حَمَل على الاعتقاد بأنَّ ضحاياه لن يكونوا إلاَّ من آكلي لحم الخنزير، فولَّى محبُّو نظرية "المؤامرة" وجوههم شطر الشيخ أسامة بن لادن، الذي، على ما توهَّموا، نجحت "مختبراته البيولوجية" أخيراً في تسليحه بهذا السلاح الذي شنَّ به "غزوته الثالثة" في الغرب بعد "غزوتي نيويورك وواشنطن".

هذا التفسير لم يَرُقْ لخبير اقتصادي إسلامي تحدَّثْتُ معه في أمر هذا المرض؛ ولكنَّه قال لي: رُبَّ ضارةٍ نافعة، فانهيار "وول ستريت" جاء بما يفيد "الصيرفة الإسلامية"؛ وها هو هذا المرض المتأتي من الخنزير يأتي بفائدة ثانية.

بعضٌ من "أهل اليسار" كانت له مساهمته في "التفسير" الذي تُحبِّذه نظرية "المؤامرة"، فأسَّس لما يشبه "العلاقة السببية" بين "الأزمة المالية والاقتصادية (الرأسمالية) العالمية" و"مرض أنفلونزا الخنازير"، قائلاً إنَّ تلك الأزمة شرعت تُشْعِل (مع تعاظُم الركود الاقتصادي واستشراء الغلاء والبطالة) فتيل صراعٍ طبقي بين العمال (وسائر المتضرِّرين منها) والرأسماليين على النطاق العالمي، فكان لا بدَّ من إطفاء هذه النار ولو بنار "مرض أنفلونزا الخنازير"، فالناس، أو الفقراء، أو المفقرين، ما أن يتهدَّدهم خطر الموت الجماعي السريع من هذا المرض حتى يصبح صراعهم من أجل العمل، وضدَّ البطالة والغلاء، نسياً منسياً، فالتسبب بـ "مصيبة صحية" من هذا النمط يمكن أن يكون الدواء الناجع لداء "الأزمة الاقتصادية ـ الاجتماعية العالمية".

في البدء، وعلى ما يقولون في "تفسيرهم"، قضت مصالح فئوية ضيِّقة بإلباس عهد الرئيس بوش لبوس "الحرب على الإرهاب (الإسلامي)"، فهذه الحرب (التي بدت شرعية ومُحقَّة وضرورية ومفيدة بعد 11 أيلول 2001) مكَّنت ذوي تلك المصالح من "إقناع" المواطنين بضرورة وأهمية التنازل (عن طيب خاطر) عن كثير من حقوقهم الديمقراطية والمدنية، وكأنَّ هذه التنازل هو المساهمة الشعبية الضرورية في "المجهود الحربي"، الذي في الظاهر ليس إلاَّ كان يستهدف "الإرهابيين".

أمَّا عهد أوباما فهو عهد "تفاقم واشتداد الأزمة الاقتصادية العالمية التي شرعت عواقبها وتبعاتها تَصُبُّ الزيت على نار الصراع الطبقي"؛ ولا بدَّ، بالتالي، من اجتناب هذا الشر الاجتماعي المستطير بحربٍ تشبه "الحرب على الإرهاب" هي "الحرب على أنفلونزا الخنازير"، فكيف للعاطلين عن العمل، والجياع، والفقراء، والمفقرين، أن يتجمَّعوا ويحتشدوا في الصراع ضدَّ منتجي بؤسهم وفقرهم وشقائهم إذا ما كان هذا "الفيروس" هو ثالث اثنين مجتمعين؟!

حتى "الكمَّامات" لا تقي المتظاهرين من خطر هذا الموت الجماعي السريع؛ ولو كانت تقي لما دعت الحكومة المكسيكية مواطنيها "المُكمَّمين" إلى ملازمة منازلهم خمسة أيام. ويمكن إذا ما اشتدت الأزمة الاقتصادية العالمية وعَنُفَت أن تَعْظُم أكثر مخاطر "مرض أنفلونزا الخنازير"، فتحذو كثيرٌ من الحكومات حذو حكومة المكسيك، فتتَّسِع ظاهرة البشر المكمَّمين الذين ينبغي لهم ملازمة منازلهم.

عن قصد، أو عن غير قصد، ساهم جو بايدن نائب الرئيس أوباما في تعزيز "وجهة النظر اليسارية" تلك إذ دعا مواطنيه إلى "الامتناع عن السفر"، قائلاً إنَّه لن يسافر الآن، أو من الآن وصاعداً، بطائرة (عامة) إلى أي مكان، ولن يركب حتى مترو الأنفاق؛ لأنَّه مكان مغلَق، يمكن أن تنتشر فيه سريعاً عدوى هذا المرض إذا ما عطس أحد المصابين به.

"الرعب"، والذي هو في عصرنا "صناعة سياسية"، شرع يعمُّ وينتشر وكأنَّه يسابق المرض ذاته، حتى أنَّ 400 مواطِن نيوزيلندي قرَّروا الدخول في "عزلة طوعية"؛ أمَّا وزارة الصحة الفلسطينية فدعت المواطنين إلى أن يقلعوا، مؤقَّتاً، عن بعض العادات الاجتماعية، وأن يجتنبوا شرور "العناق والقبلات"، فهذا المرض الفتَّاك المُعْدي يَكْمُن للبشر على بُعْد بضعة أمتار من المسافة الهوائية بين كل اثنين من الناس؛ وقد ثَبْت وتأكَّد الآن أنَّه ينتقل بين البشر، ويمكن أن يكون قاتلاً سريعاً لهم؛ لأنْ لا علاج له حتى الآن؛ ولأنَّ هناك من له مصلحة، على ما يبدو، في منع العلاج الناجع من أن يكون في متناول الناس.

"التاريخ" أكبر وأعظم من أن تسيِّره وتقوده "مؤامرة" مهما علا شأنها، وشأن مدبِّريها؛ ولسوف يدوِّن في سجلِّه وكتابه أنَّ القرن الحادي والعشرين كان، في مستهله على الأقل، وعلى ما نرجو، قرناً كارثياً، فمنسوب الحرية والديمقراطية هبط عالمياً بدعوى "ضرورات الحرب على الإرهاب"، فنما "الأمن" إذ سُمِح لـ "وحشه" بافتراس مزيدٍ من الحقوق الديمقراطية والمدنية للبشر؛ ثمَّ ضُرِب الاقتصاد العالمي بما يشبه "القنابل الهيروشيمية"، فاشتد الميل (الطوباوي) لدى كثير من الدول إلى "الانعزال الاقتصادي"، فـ "العولمة الاقتصادية"، الرأسمالية القلب والقالب، ظهرت لها على أنَّها "الشيطان الاقتصادي الرجيم"؛ ثمَّ ظهرت للبشر كافة على أنَّها "الشيطان الصحي الرجيم"، فاشتد الميل لدى الناس إلى "الانعزال الصحي".

في "الحرب على الإرهاب" كُمِّمت الأفواه إعلامياً وسياسياً؛ ثمَّ تولَّت "الأزمة الاقتصادية العالمية" تجويع الأفواه المكمَّمة؛ ثمَّ زُجَّ بـ "الخنزير" في "معركة أسياد وأرباب العولمة"، فكُمِّمت الأفواه ذاتها صحيَّاً، وكأنْ ليس في مقدور النظام الرأسمالي العالمي، والغربي في المقام الأول، أن يرينا من "العولمة"، التي هي الخير والشر معاً، إلاَّ مزيداً من وجهها الوحشي الشرير؛ وليس "مرض أنفلونزا الخنازير"، في حقيقته وجذوره وأصوله، سوى "مرض أنفلونزا الرأسمالية المعولمة". جواد البشيتي