'شمس' بشرى أبوشرار تقاوم أفول الحياة في غزة

بقلم: أحمد فضل شبلول
المقاومة بالإبداع

تواصل الكاتبة بشرى أبوشرار مشروعها السردي حول ذاكرة المكان الفلسطيني، وخاصة مدينة غزة التي ولدت ونشأت وترعرعت فيها، واحتلت المساحة الأكبر في إبداعها السردي سواء كان قصصيا أو روائيا، فمن "أنين المأسورين" إلى "القلادة" و"جبل النار" و"اقتلاع" في السرد القصصي، ومن "أعواد ثقاب" إلى "شهب في وادي رام" و"من هنا وهناك" في مشروعها الروائي.
ولعل عناوين أو عتبات إبداعها ونصوصها تدل على ذلك.
لقد أدركت بشرى أبوشرار منذ البداية أن الكتابة والأدب والسرد والفضفضة والبوح والاعتراف من الممكن أن يشكلوا معادلا موضوعيا لما يحدث على الأرض من تخريب ودمار وتصفية جسدية ومحو ذاكرة أمة وشعب يتعرض لأقسى أنواع الإبادة والدمار في التاريخ، ومن هنا قررت أن تقاوم بالكلمة المبدعة، تقاوم بالقصة والرواية فتقتفي أثر كتيبة الكتَّاب والشعراء والأدباء الفلسطينين الذين قاوموا بالكلمة من أمثال غسان كنفاني ومحمود درويش وعبدالرحيم محمود وفدوى طوقان وتوفيق زياد وسميح القاسم وغيرهم.
ولكن بشرى أبوشرار لها طريقة خاصة في مقاومتها بالإبداع فهي لا تزعق ولا تخطب ولا ترفع حنجرتها صارخة في وجه ظلاميها ومغتصبيها، وإنما هي تقبض على روح المكان الذي يكاد أن يندثر أو تضيع ملامحه بفعل الاحتلال أو الاستيطان.
ومن هنا تأتي قداسة الكتابة وقداسة القبض على اللحظة الإبداعية وقداسة تثبيت الزمان قدر الإمكان، مُقدمةً بذلك مقارنة جوهرية عميقة المعالم والأحاسيس ـ دون أن تعي بذلك أو ربما تعي ـ بين الآني والماضي، أو بين الماضي والحاضر.
وتكشف أحدث رواياتها التي اختارت لها عنوان "شمس" مدى الوعي المتجذر في أعماقها حول هذا المشروع الأدبي الذي يمدنا كل فترة برافد إبداعي جديد يرفد فنون الأدب العربي المعاصر بجواهر ولآلئ كانت مخبوءة في عمق التراب الفلسطيني، وفي أعماق الأرض العربية الأصيلة، واستطاعت الكاتبة أن تنقب عنها وتستكشفها وتستخرجها وتقدمها لنا في صورة عناقيد أدبية متشابكة، مثل عناقيد العنب ذات الألوان المختلفة، وصل عددها إلى 32 عنقودا تدلت في رواية "شمس" على حوائط أدبنا العربي المعاصر.
إن "شمس" هي ذاكرة الطفولة الفلسطينية النابضة بالحركة والحيوية والنشاط والمعرفة في غزة الحاضنة لكل معالمها وهندسة طرقها وجماليات مبانيها وتقاطع شوارعها قبل هزيمة 1967، إلى جانب كونها الشخصية المحورية في الرواية.
تقول الساردة عن شمس وعالمها:
"عالم شمس عالم متحرك، الصبية يجلسون قرب دارها، ينتظرون لحظةَ يلمحونها خارجة بدراجتها، يركضون نحوها، كل يطلب جولة صغيرة، ويعيدها إليها، مرات تحاول إرضاءهم، وأحيانا تطلب منهم أن يسيروا بجوارها والدراجة معا، يتحدثون، يركنون على أحد السوافي، فهناك قد تبدأ ألعاب أخرى. تبتعد دوما عن محيط دارها. تختفي تحت أسفل ثلة، تحت عريش عنب أو خيمة من البوص تذوب داخلها، تبدأ رحلة الخيال، وحياة ترسمها في حيز ضئيل تستمد منه سعادة طفولية."
هذا هو العالم الطفولي لشمس وأخواتها أو أصدقائها وجيرانها من البنين والبنات، ولعلنا لاحظنا أن الساردة في هذه الفقرة المنتقاة، وفي معظم فصول الرواية كذلك، تعتمد على الفعل المضارع الذي يفيد الاستمرار، وأن السرد بالفعل الماضي لا يأخذ إلا حيزا صغيرا، ولهذا تبريره في أن الساردة أو الكاتبة تريد أن تؤكد على استمرار وجود حلمها وأرضها وذكرياتها ولعبها ومكانها وبيتها ووطنها، وأنها تتشبث في ذلك وتتوسل، باللغة وجمالياتها في الكشف عن هذا التشبث، حتى عندما تتحدث الساردة عن الآخريات والآخرين خلافا لشمس، ولنأخذ أم نازك مثالا.
تقول الساردرة "أم نازك تقرقع الأواني في صحن الدار، تغسل صحاف الألومنيوم، تجلس القرفصاء على خطوط عريضة أسمنتية، تهرب من رمال صفراء ناعمة (...) تضم خصرها المنتفخ بشريط مطاطي ..الخ".
لقد اتخذت الكاتبة من الطفلة شمس بطلة روايتها، لتؤكد لنا على معنى بعيد الغور في مخططات العدو الإسرائيلي باستهدافه للأطفال في غاراته وحروبه.
وإذا أردنا أن نعرف لماذا يستهدف العدو الإسرائيلي أطفال المدارس، وأطفال الشعب الفلسطيني عموما في كل قصف صاروخي وكل طلعة جوية وكل طلقة بندقية، فلأن معظم أطفال الشعب الفلسطيني هم "شمس" الرواية و"شمس" الحياة.
وينبغي التخلص مبكرا من تلك الشمس الساطعة الشاهدة على الجرائم الإسرائيلية المتوالية.
وقد برر أحد القادة العسكريين الإسرائيليين قصفهم للأطفال الفلسطينيين ومدارسهم وملاعبهم بأن هؤلاء الأطفال هم الذين سيحاربوننا غدا، وينتقمون منا، فلنقضي عليهم قبل أن يشبوا عن الطوق. ولنأخذ من قتل الطفل الفلسطيني الشهيد محمد الدرة مثالا، ثم مئات الأطفال بعد ذلك أثناء الحرب الأخيرة على غزة. وبالإضافة إلى ذلك محاولات قلب المعادلة السكانية أو الديموجرافية لصالح الاحتلال.
على أن أجمل ما في رواية "شمس" لبشرى أبوشرار التي وقعت في 254 صفحة، هو ما لم تقله أو تنطقه الطفلة شمس أو ما لم تقله الساردة أو الكاتبة. إن كلمة "إسرائيل" لم ترد على الإطلاق في تلك الرواية، ما يدل على القدرة العجيبة على نفي هذا الاسم من ذاكرة الكاتبة قبل أن تنفيه من ذاكرة الساردة أو الطفلة.
إن كل ما تحاول الكاتبة القبض عليه وتثبته هو المكان الغزاوي والزمان أيضا قبل 67 في مقابل محاولات محو الهوية القائمة على قدم وساق في السنوات الأخيرة.
ومن ثم لا يعنيها في هذه الرواية الدخول في حوار مع الآخر المعتدي، وإدانة عدوانه واستنكاره ورفضه، وإن كانت في الوقت نفسه ترفضه وتستنكره وتدينه بطريقة أكثر عملية من مجرد تدبيج الكلمات أو رفع الشعارات، أو "بالروح والدم" لأنها بالفعل تقدم روحها وروح المكان في صورة إبداع حقيقي، وتُسيل دمَها كلماتٍ على الورق ليصل إلى كل مكان في العالم عبر قالب روائي شديد الاعتناء بالتفاصيل المكانية والمشاعر الإنسانية سردا وحوارا.
تقول الساردة "صوت طلمبة المياه يطن على صفحة البركة، بوابة البيارة عريضة، تدثر أرضها أشجار البرتقال، خلف سياج البيارة، بيت كريمة، وشمس ولعبها دور البطولة والقيادة لها مع صبية في مثل عمرها."
هنا اعتناء برسم التفاصيل الدقيقة لمكان البيارة، مع تقديم ملمح من ملامح شخصية شمس، وهو نزوعها إلى القيادة والبطولة أثناء لعبها.
وأعتقد أن طفلة تعيش بمثل هذه الملامح النفسية والجسدية التي رسمتها لنا الكاتبة في فلسطين أو غزة تصبح هدفا مؤكدا لرصاص الاحتلال، ولكن لحسن حظها وحظنا، لم تكن قوات الاحتلال بمثل هذا التوحش والإجرام قبل عام 1967 مثلما هو واقع الحال الآن.
لم تفارق الرواية روح الطفلة "شمس" التي أتصور أنها روح الكاتبة نفسها، ما يشير إلى أن الرواية قد تعد سيرة ذاتية على وجه من الوجوه، أو أدب سيرذاتي أحيانا.
ولكن على كل حال لا يجب علينا أن ننظر إلى "شمس" على أنها الكاتبة في طفولتها، ولكن علينا أن نبحث في جماليات الرواية وجماليات الكتابة غير آبهين أن شمس هي بشرى في طفولتها أم ليست هي، ومؤكدين في الوقت نفسه أن الرواية ليست عملا للأطفال، فهي وإن كانت عن الطفولة أو عن حياة طفلة اسمها "شمس" إلا أنها ليست موجهة للأطفال، وإن كنت أرى أن الكاتبة بشرى أبوشرار تستطيع أن تكتب للأطفال بسهولة ويسر لأنها قادرة على التعبير عن عالمهم الطفولي بطريقة جمالية تناسب سنهم، ولم أعرف هل مرت بهذه التجربة الكتابية أم لا.
تنقلنا الرواية إلى تفاصيل الحياة اليومية البسيطة والمركبة في الغرفة والبيت والحارة والشارع والحي الفلسطيني في مدينة غزة من خلال تشابك الأحداث والأجواء وتعدد الشخصيات والأماكن بطريقة لافتة، وكل ما يقع في عالم، أو تحت بصر، تلك الطفلة "شمس" التي لم تكبر إلا قليلا منذ بداية الرواية وحتى نهايتها.
وعلى ذلك لم يكن قصد الكاتبة ـ في تصوري ـ أن تقدم تسلسلا زمنيا للأحداث والوقائع والحياة الغزوية، بقدر ما كانت تريد أن تقدم المكان وتقبض عليه بكل تفاصيله لتظل متشبثة به وتقدمه للآخرين من القراء بهدف تثبيت هوية المكان، بعد محاولات نزع هويته أو تدمير جمالياته العربية الفلسطينية ليحل محلها مفردات شائهة تنسب لكيان آخر.
ومن هنا أعود مرة أخرى إلى القول بأن أحد أهداف العدوان الإسرائيلي المتكرر على الشعب الفلسطيني سواء في غزة أو غيرها هو محو المكان من الوجود، لاستنبات مكان جديد يحل محل القديم بعد أن يفقد هذا القديم كل جمالياته وتفاصيله وما تحمل تلك التفاصيل من وجدانيات ومعالم ربما تكون أثرية ودالة على وجود شعب وأمة فلسطينية انتزع منها المكان أو دمر إما حربا مثل الحرب على غزة أو سلما مثلما يحدث في القدس والمسجد الأقصى الآن.
وأعتقد أن نغمة "إعادة إعمار غزة" لن تعيد الهوية الضائعة للمكان مثلما كانت عليه، وإنما سنرى في عملية الإعمار بنايات جديدة ومنازل قد تكون حديثة، ولكنها فقدت الروح والجمال والبهاء والرائحة التي كانت عليها المباني أو المنازل القديمة بما فيها من أماكن لها قيمة تاريخية أو أثرية، كانت هدفا واعيا ومخططا له في العدوان الأخير على غزة.
إن ما قد يعيد الهوية الضائعة للمكان بعد "إعادة الإعمار" هو الأدب والعيون اللاقطة لما كان عليه المكان قبل الهدم والدمار، ومن هنا تأتي أهمية رواية مثل "شمس" التي أدعو مخرجينا السينمائيين الوطنيين إلى تحويلها إلى عمل درامي مرئي له رمزيته الكاشفة.
أدعو ـ على سبيل المثال ـ المخرج السينمائي الفلسطيني رشيد مشهراوي إلى الالتفات إلى هذا العمل الروائي الذي يسهل معالجته سينمائيا، مثلما قدم لنا من قبل شريط "عيد ميلاد ليلى" الذي يتحدث عن يوم في حياة مواطن فلسطيني مثقف كان يعمل قاضيا ثم اضطرته الظروف للعمل سائقا على تاكسي يجوب شوارع رام الله، أدعوه إلى "شمس" الطفولة الفلسطينية بعيدا عن الشعارات الجوفاء والألفاظ العقيمة.
لن أتحدث إذن عن رواية "شمس" باعتبارها شريطا سينمائيا، فلهذا الحديث جماليات أخرى، ولكن "شمس" باعتبارها عملا روائيا أعتقد أنه لا يُكتب إلا بقلم أنثوي مجرب، والدليل "دمعات بشيرة" ـ وبشيرة هي أم شمس ـ (ص 77 ـ 93) حيث بدايات ظهور أعراض الدورة الشهرية وما يصاحب ذلك من طقوس وخوف ومداراة عن الأهل، رغم أن هذا قد يفرح الأم والنساء القريبات سواء من الجارات أو الأهل واللاتي يتساءلن دائما هل جاءت الدورة للبنت فلانة، أم لم تجئ بعد؟ وإذا لم تجئ ما سر تأخرها، وإذا لم تجئ يبدأ الشك في أنوثة الفتاة، فربما كانت ولدا، وهو ما حدث بالفعل لدى عائلة أخرى في الرواية.
مثل هذه الأمور أعتقد أن الكاتب الرجل قد لا تشغله، أو لا يعرف تفاصيلها الدقيقة بقدر ما تشغل الكاتبة الأنثى وتعرف أدق تفاصيلها.
وقد تنقلنا هذه الجزئية الدالة إلى مناقشة قضية الأدب النسوي أو النسوية في الأدب المطروحة الآن على طاولة البحث الأدبي في ندواتنا ومؤتمراتنا الأدبية في الوطن العربي.
ولكن من الأفضل مناقشة هذه الزاوية من خلال علاقة "دمعات بشيرة" بالرواية باعتبارها رواية ذاكرة مكان تتكالب عليه أقسى ألوان القهر والتعذيب والتذويب (كما جاء على الغلاف الخلفي للرواية الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة 2008).
وأرى أن الكاتبة كانت صادقة جدا مع عملها هذا وعلى درجة عالية من الأمانة الفنية في نقل أو رصد أو تصوير تفاصيل الحياة في مجتمع نسائي شبه مغلق، كما هي عادات المجتمع النسائي في مجتمعاتنا العربية التقليدية. ومن ثم هذه العادات تطبع المكان بروحها وسلوكياتها، فيتلاحم هذا المشهد أو هذه المشاهد، بالحياة والمكان وشخوصه النابضة بالحركة.
لقد تنبأ الجد جاحظ العينين بأن تلك الصغيرة سيكون لها شأن بعد أن ظلت تشخص إليه دون أن يرف جفناها، وبالفعل نرى على طول الرواية شخصية طفلة لها من الوعي والإدراك والذكاء ما لم نره في كثيرات حولها ولا حتى لدى أخواتها الستة، وهذا يتماشى من كون الرواية رواية مقاومة بدرجة معينة.
فلو كانت شمس شخصية عادية غير متحركة في المكان والزمان، ولا مؤثرة على صديقاتها أو أخواتها من البنات، وفي مجتمعها المحيط بها، لما كانت تستطيع أن تتفاعل مع الأحداث التي مرت بالبلد، سواء كانت أحداثا اجتماعية أو سياسية. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية