تونس والاستهداف: منافقون بلا حدود

لندن- من علي الصراف
قيادة انجازات ونتائج

اعتراف رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون بوجود "استهداف" ضد تونس من جانب بعض منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، يكفي شهادة على أن هذا البلد ظل يتعرض لحملة تضليل خارجية لأسباب لا علاقة لها بحقوق الإنسان.
الاعتراف نفسه يكفي شهادة أيضا على أن تلك المنظمات تتخذ من مزاعم الدفاع عن حقوق الإنسان ستارا لأغراض سياسية، صغيرة، وهزيلة، ولكن منافقة أيضا.
التضخيم بلا حدود، والمبالغات بلا حدود، والنفاق بلا حدود كان هو جل ما تقدمه تلك المنظمات عن تجربة بناء وتنمية اجتماعية واقتصادية وسياسية تقف على صرح شاهق من القيم والقواعد والقوانين التي تحكم عمل المؤسسة السياسية وأحزابها في تونس.
والإرث التونسي في مجال حماية حقوق الإنسان من الضخامة بحيث صار يتطلب موّثقين لسرده.
هناك لا يُنظر الى حقوق الإنسان من منظار أحادي الجانب أو ضيق. إنها منظومة يتكامل فيها السياسي بالاقتصادي بالاجتماعي، وبالأمني أيضا.
البناء الذي أمكن إعلاؤه لا يقتصر على ميدان واحد. وكان من الخطأ أن يقتصر على ميدان واحد.
أولا، هناك دولة قانون. هذا هو الأساس الأول. ولدولة القانون في تونس بنية مؤسساتية عريقة، قضاؤها مستقل، ومحامو هذا القضاء هم الأكثر نشاطا قياسا بأي دولة عربية.
طبعا، يمكن إعلاء الصراخ على اعتقال أي احد ارتكب مخالفة قانونية والزعم أن هناك "انتهاكات خطيرة" لحقوق الإنسان. إلا أن ذلك لا يغير شيئا من الحقائق. فالقانون قانون. والصراخ سرعان ما يخبو كالزبد الذي يذهب جفاء ليبقى القانون ولتعلو سلطته.
هل لا تحصل أخطاء في إطار تطبيق القانون؟
بلى تحصل، كما تحصل في أي بلد متحضر آخر. ولكن، وكأي بلد متحضر آخر، تعتمد تونس تشريعا لتعويض ضحايا الأخطاء التي ترتكب في إطار تطبيق القانون والاعتذار لهم. ولعلها البلد العربي الوحيد في هذا.
ثانيا، هناك قيم مساواة. واحد من أول أوجه حقوق الإنسان هو المساواة. وسجل تونس في هذا المجال صار محرابا للمصلين من اجل الدفاع عن حقوق وحريات ومساواة المرأة. وثمة وراء هذا المحراب سجل ثقافي طويل. أي انه لم يكن بدعة ولا كان مجرد افتراض نظري لنوايا حسنة. المساواة بين الجنسين جزء لا يتجزأ من ثقافة المجتمع. وهذا ما كان ليحصل بمجرد صدور تشريعات. انه جزء من دستور القيم السياسية والثقافية التي لم يعد يجرؤ أحد على الخروج عنه.
بدأ الطاهر الحداد وغيره من كبار مثقفي تونس ومفكريها وروادها بمعالجة القضية. وأرسى الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الأساس التشريعي والدستوري لتلك الحقوق. ووضع الرئيس زين العابدين بن علي، فوق ذلك الأساس، ما يكاد يبدو جبلا من التشريعات التي تستهدف ليس مساواة المرأة بالرجل فحسب، بل والارتقاء بمكانتها، وحماية حقوقها، وتوفير الضمانات لها في البيت وفي ميدان العمل، وفي الشارع أيضا.
ثالثا، هناك قاعدة اقتصادية لحقوق الإنسان. أول حقوق الفقير هو أن يجد لقمة عيش، في ظل نظام اقتصادي يوفر له السبيل للبحث عن فرص، ويقدم له الرعاية والدعم، ويحميه من التهميش. هذا حقٌ أول. والفقراء في تونس، مثل أغنيائها، هم شريحة اجتماعية صغيرة نسبيا قياسا بالطبقة الوسطى.
المجتمع التونسي، بامتياز، هو مجتمع الطبقة الوسطى الوحيد في العالم العربي.
هذه الحقيقة، إن لم يكن المرء قادرا على أن يراها، فلن يرى أي شيء.
رابعا، هناك إطار سياسي ودستوري، طويل عريض، لحماية حقوق الإنسان. ويكاد لا يمر موسم تشريعي من دون إضافات جديدة لتعزيز الحقوق والحريات المدنية.
وهذه تساهم بفعالية ملموسة في تحويل حقوق الإنسان الى ثقافة سياسية واجتماعية راسخة، مثلها مثل ثقافة المساواة التي لم يعد يجادل فيها أحد.
وإذا كانت التعددية السياسية هي أحد أهم أركان ذلك الإطار الدستوري، فان حرية الصحافة والإعلام ركن آخر لا يقل أهمية.
ومثلما أن هناك أحزاب معارضة شرعية تحتل موقعا (يحظى بالحماية) في البرلمان، فهناك من المئات من الصحف والمجلات التي يجري تداولها في تونس.
خامسا، هناك مجتمع مدني حقيقي في تونس. المئات من المؤسسات والجمعيات والمنظمات والنقابات تعمل بنشاط. وكل منها يقدم إسهاماته في تعزيز بنية ومكونات النظام السياسي. وكل منها يسعى في مجاله الخاص لتطوير وتعميق الحقوق والضمانات اللازمة لإبقاء عجلة البناء والتطوير والتغيير تدور بانتظام وهدوء.
سادسا، هناك أمن. عيب أن تكون هناك "حقوق إنسان" من دون أمن. (عيب أيضا ذكر أمثلة من بلدان أخرى على معنى غياب الأمن). فالذي لا يأمن على حقه بالحياة، والذي لا يأمن على حقه في التمتع بحماية القانون، ليس لرأيه السياسي أي قيمة، ولا لدوره أي معنى. فالحق بالأمن، سابق، طبيعيا، على كل حق آخر. انه مرتكز وجود.
ومع ذلك فللأمن في تونس معنى أفضل. انه جزء من مرتكزات التنمية الاقتصادية أيضا.
القلاقل والتفجيرات قد تكون مفيدة لأعمال الإثارة السينمائية، إلا أنها غير مفيدة لعيش الملايين ممن يعملون في مجالات السياحة والخدمات. كما أنها ليست جذابة للاستثمارات ولا لمشاريع البناء المدعومة من الخارج.
تونس تجمع أجزاء طائرات إيرباص، على سبيل المثال، ومن دون أمن، فان تلك الأجزاء هي التي ستطير. تلك هي طبيعة الأمور.
سابعا، يوجد حزب حاكم قوي ونافذ اجتماعيا، ولكنه لا ينوي فيما يبدو أن يتخلى عن السلطة.
طبعا، من المفهوم تماما أن يثير الضيق لدى المنافسين والمعارضين أن يكون حزب التجمع الدستوري الديمقراطي قويا وشعبيا بما يحول عمليا دون "تداول السلطة". ولكن هل يجوز لأي حزب أن يتخلى عن نفوذه وشعبيته من اجل أن يُرضي غرورا نظريا عن "تداول السلطة".
مثله مثل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (وقبله)، كان هذا الحزب هو حزب معركة الاستقلال، وهو حزب دولة الاستقلال، وهو اليوم حزب دولة البناء والتغيير. وهو الذي يدفع تونس الى مصاف النجاح لتضع أكتافها بين أكتاف الدول المتقدمة.
قل لي متى يتخلى حزب المؤتمر الوطني في جنوب افريقيا عن السلطة، أقول لك متى يتخلى التجمع الدستوري عن السلطة.
بنتائجها تقاس الأمور. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. الأحزاب قد تكون نواد ممتازة للكلام. ولكن المفتاح هو: تحقيق النتائج، إعلاء البناء. إرساء الأساس بعد الآخر للتقدم الاقتصادي والرخاء الاجتماعي والاستقرار السياسي.
هذه النتائج هي من بعض أهم مرتكزات حقوق الإنسان في تونس.
لماذا لا يراها أمثال "مراسلون بلا حدود"؟
لأنهم، ببساطة، منافقون بلا حدود.