أرامل غزة، من مرارة الفقد إلى ظلم ذوي القربى

غزة ـ من ميرفت أبو جامع
كانت الحياة في وجوده أهون كثيراً علي

فقدت أم محمد من شمال قطاع غزة والبالغة من العمر 23 عاماً، زوجها خلال الحرب على غزة في ديسمبر الماضي، ومع مرور أكثر من شهرين على وفاته تشعر بالحزن والأسى على فقده، وقد تركها تكمل المشوار وحدها.
وتقول " كانت الحياة في وجوده أهون كثيراً علي، لم أكن أتوقع أن افقده، ولكن الحرب المجنونة خطفته منا".
وتضيف بعيون دامعة "لدي طفل صغير لم يتجاوز عمره العام سيعيش العمر يتيماً بلا أب".
أم محمد التي يمر هذه الأيام على زواجها عام واحد، أصبحت تعاني اليوم من وضع نفسي قاسٍ حيث افتقدت المعيل الرئيسي لأسرتها والذي بحسب قولها كان يشكل لها حماية وصمام أمان.
وفضلت أم محمد أن تقضي مدة العدة في بيت أهلها خاصة عندما عرض عليها احد أسلافها الزواج، وتقول "هناك ضغوطات كبيرة علي لان أتزوج من سلفي وهو يكبرني بـ15 عاماً ولديه 6 أطفال".
وتضيف "أنا كنت اعتبره طيلة الوقت كأخ لي، كما أني احتفظ بعلاقات جيدة مع زوجته، فلا استطيع أن أصبح زوجة ثانية لزوجها، لان هذا سيجعل العلاقات داخل البيت متوترة دوماً".
أم محمد إحدى النساء اللواتي أصبحن أرامل خلال الفترة الأخيرة خاصة بعد الحرب على غزة لينضممن إلى قافلة لا تنتهي من النساء الفلسطينيات اللواتي فقدن أزواجهن خلال الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي تجاوز عمره الستين عاماً.
وتحصل أم محمد على مساعدات مالية من مؤسسات خيرية في قطاع غزة، وقد حصلت بعد استشهاد زوجها على 1000 يورو من الحكومة المقالة بغزة، وتعتقد أن هذا السبب دفع سلفها للتفكير في الزواج منها.
وتشكو أم محمد من الضغوط التي تمارس عليها ومساومتها من قبل أهل زوجها، من اجل أن تتنازل عن ابنها أو أن تتزوج سلفها، وتعتقد بان سلفها العاطل عن العمل والمعيل لستة أطفال، لا يريد أن يتزوجها، إلا بسبب المساعدات التي قد تحصل عليها مستقبلاً كباقي اسر الشهداء بغزة.
وزادت الأزمات التي يمر بها قطاع غزة في السنوات الماضية عدد الأرامل خاصة مع استشهاد نحو 1434 فلسطينياً خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الذي استمر لمدة اثنين وعشرين يوماً، الغالبية العظمى منهم من المدنيين أي نحو960 مدنياً فلسطينياً.
وتقوم مؤسسات خيرية وتنظيمات سياسية بتقديم دعم لذوي الشهداء من أجل مساعدتهم على مواصلة حياتهم وإعانتهم على ظروف الحياة القاسية في غزة، ولا توجد إحصائية رسمية لعدد الأرامل في قطاع غزة إلا أن الأعداد تزايدت في الآونة الأخيرة باطراد مع تزايد الانتهاكات بحق القطاع.
أما أم محمود 32 عاماً من جنوب قطاع غزة، فلم يختلف وضعها كثيراً عن سابقتها، فقد استشهد زوجها خلال العام الماضي جراء الاجتياحات الإسرائيلية لمدينتها، وترك لها ثلاثة من الأبناء وتصف حالها بعد فقده قائلة "كان زوجي يحميني، لم أكن اشعر أنني ضعيفة وهو معي، ولكن ومنذ استشهاده اختلفت الأمور تماماً وانقلبت الحياة رأساً على عقب، فقد بدأت اشعر أنني وأبنائي وحيدون في هذا العالم بعد مضايقات أسرته لي وتحكمهم في خروجي ودخولي للبيت".
وترفض أم محمود فكرة الزواج من شخص آخر غير زوجها مؤملة أن تلقاه في الجنة على حد قولها وتضيف "طلب مني أهل زوجي أن أتزوج من أحد أشقائه وكلهم متزوجون ولكنني ارفض الزواج واعتبر أن هذا هو نصيبي أريد أن أعيش لأجل تربية أبناءي وفاءً لزوجي".
وتوضح أم محمود والدموع تملأ عيونها، دوماً أذهب للمقبرة واقف طويلاً عند قبره وابكي وأشكو له حالنا وأطفالي من بعده، وتقول "كم أتمنى أن أراه لو لمرة واحدة، الحياة قاسية جداً من بعده".
وتعيش الأرامل اليوم أوضاعاً مأساوية فلم يفقدن عمود البيت فقط وإنما فقدنا البيت ذاته، إذ وجدن أنفسهن أمام مسؤولية كبيرة، تربية الأبناء من ناحية، وتدبير أمورهن المعيشية، خاصة في وضع اقتصادي متردٍ، ومجتمع لا تشعر المرأة باستقلالية فيه، فضلاً عن أن بيوت الكثيرات منهم تهدمت بالحرب وبتن يعشن في خيام أو في بيوت بالإيجار أو لدى احد الأقارب في انتظار إعادة اعمار ما هدمته الحرب وهذا صعب في الوقت الحالي بسبب الحصار ومنع إسرائيل دخول مواد البناء.
وتؤكد سمية حبيب الأخصائية النفسية بالمركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات الذي ينشط في قضايا حماية النساء والأطفال من العنف في قطاع غزة، إلى أن المرأة في حال فقدها المعيل الأول في أسرتها تعاني من ضغوط نفسية شديدة؛ منها قلق نفسي وحرمان عاطفي وتجد نفسها أمام مسؤولية كبيرة، حيث لا يوجد بيت مستقل وتبقى علاقتها مع العائلة متوترة دوماً.
وتزيد رغم جهود المؤسسات في تقديم الدعم لأرامل الشهداء، إلا أن ذلك أحياناً يزيد الضغط النفسي عليهن حيث تجبر الكثير من النساء على الزواج من احد أسلافهن وقد لا يكون بينهم توافق عمري ولا فكري، وذلك بحجة الحفاظ على الأطفال الأيتام ولكن السبب هو المساعدات المالية التي يحصلون عليها.
وتضرب حبيب مثلا بكثير من النساء اللواتي تزوجن داخل العائلة بعد وفاة أزواجهن وتعرضن لضغوطات ونجمت مشاكل في الأسرة واستبدلت من أرملة وزوجة الشهيد تحترم إلى مطلقة في مجتمع لا يرحم.
ولفتت حبيب أن عدد الأرامل يزيد باطراد خاصة في ظل الأزمات العديدة التي يمر بها قطاع غزة في رحلة صراعة المستمر مع إسرائيل.
وتقول "يومياً تصلنا شكاوي من النساء الأرامل وخاصة من يتلقين مساعدات مباشرة من المؤسسات بإجبارهن على الزواج من أسلافهن ومساومتهن بالتنازل عن الأولاد والمساعدات المقدمة".
أما غادة الباحثة الاجتماعية في مؤسسة خيرية إسلامية تشير إلى أن الأرامل يعانين من مشاكل نفسية معقدة، وبيوتهن تشهد صراعات متتالية تهدد النسيج الاجتماعي للبيوت الفلسطينية التي تعاني من تداعيات الحصار والانقسام ولا تحتمل المزيد.
وأشارت إلى أن أعداد الأرامل يزداد بشكل كبير يفوق إمكانيات المؤسسة التي تقدم فقط دعم مالي لهن وهو كفالة بشكل شهري تقدم لكل طفل من أطفالهن، وتقر بأن ذلك وحده لا يكفي ولا يسد حاجة الأسر التي حرمت من معيلها".
ودعت إلى ضرورة التوجه بتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهن ولأسرهن، وإشراكهن في مشاريع إنتاجية تدر الدخل على أسرهن لحمايتهن من الفقر والفراغ القاتل الذي يعانين منه.
وتحلم غادة في ناد لتقديم الدعم الاجتماعي والاقتصادي والنفسي للنساء الأرامل ولأسر الأيتام بغزة، ومشاركتهم في مشاريع اقتصادية لتدر عليهم دخلاً وتحميهم من الفقر والعوز، إلا أنها تؤكد أنها صاغت مشروع لذلك وهو حبيس الأدراج ينتظر التمويل وتوفير الإمكانيات.
وباتت الأرامل تشكل مشكلة كبيرة في قطاع غزة المحاصر ومحدود الموارد والإمكانيات وسعت مؤسسات في غزة إلى مشاريع لتزويج أرامل الشهداء عبر تقديم هدية لكل من يريد الزواج من واحدة منهن وهو عبارة عن مبلغ من المال كما قيدت الأمر بعدة شروط منها الاقتدار المالي وتوفير مسكن خاص للزوجة والتعهد برعاية وتربية أولادها وان يكون ملتزم دينياً.
وذلك من اجل التخفيف من أزمة الأرامل، خاصة في وضع منهار اقتصادياً وترتفع فيه نسبة الفقر والبطالة، وضع لا يتحمله الرجال فما بالنا بالنساء.
وكثيرات من الأرامل يفضلن البقاء دون زوج وتربية أولادهن ورعايتهم، وذلك وفاء لأزواجهن خاصة من الشهداء.
وتقول أم محمود "اشعر وكأن زوجي مسافر وسوف يعود ذات يوم، متسائلة فكيف له أن يعود ويجدني قد تزوجت من غيره، لقد عاهدته أن أبقى له وفيه؟".
وتشير حبيب إلى أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يضغط على النساء من أجل الزواج أو مساومتهن بالأولاد، لا بدَّ أن يترك لهن الخيار في تحديد مستقبلهن ومستقبل أولادهن.