ماذا وراء دعوة زقزوق لزيارة القدس

بقلم: حسن عبيد عيسى

ظهرت في وسائل الإعلام المصرية الخميس 23 أبريل/نيسان 2009 دعوة توجه بها السيد محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري إلى المسلمين لإغراق القدس بحشود بشرية مستمرة تتألف من مئات الألوف من المسلمين الذين عليهم أن يتوجهوا إلى القدس كما يذهبوا ليؤدوا فريضة الحج إلى مكة المكرمة، حتى ولو كان ذلك بتأشيرات سفر (إسرائيلية)،ف إننا سنثبت للعالم إسلامية القدس، وأنها قضية كل المسلمين.
المبدأ الذي سنعتمده في مناقشة تلك الدعوة هو حُسن نية السيد الوزير الذي يرعى الأوقاف في أكبر بلد عربي له الريادة والتقدم في العالم الإسلامي. فما هي النتائج المحتمل حصولها لو أن تلك الدعوة وجدت استجابة وقبولا يؤمّن تحقيقها.
لاشك إن مسألة التطبيع التي يستقتل الصهاينة من أجل تحقيقها منذ توقيع اتفاقات كامب ديفيد، فشلت وظلت تدور في مضمار القصور الحكومية ولا علاقة للشعوب بها، بل أنها تعاني من رفض شعبي حيثما أريد تطبيقها، وتلكم موريتانيا مثال على ذلك على الرغم من محاولات الصهاينة الظهور بمظهر المحب المساعد لأشقائنا في تلك البلاد العربية المسلمة.
إذن فمسألة التطبيع الشعبي ظلت حلما يراود الصهاينة ومن يتعامل معهم من الحكام العرب كونهم (أي الحكام) أصحاب التزام ووعد وهم عند وعودهم، ولكن الشعوب لا تفهم مصالحها كما يفهمها الحكام على ما يبدو!
ومن هنا فإن حشودا مليونية من المسلمين الذين يجب أن يذهبوا إلى القدس بحجة التعبد، وربما بتسهيلات مغرية هي الأمل المتبقي للحصول على هذا الهدف الهام الذي مازال بعيد المنال. ومن منطلق حسن النية فإن تلك العملية ستثبت للعالم إسلامية قضية القدس وهو بلا شك إنجاز نحن بحاجة إليه.
إن الصهيونية اعتمدت سياسة الأمر الواقع في تكوين كيانها على الأرض المقدسة المغتصبة، لذا فهي توصي أصدقاءها في كل الحركات الانفصالية في الوطن العربي لإتباع هذا النهج كونه الأكثر نجاحا. ولعل في إقبال ملايين المسلمين على طلب التأشيرة الصهيونية هو قبول بالأمر الواقع، فلا قدس شرقية ولا غربية، بل هي قدس واحدة عاصمة لإسرائيل ولا يتم دخولها إلا بتأشيرة صهيونية ولتذهب أحلام الفلسطينيين إلى الجحيم، فنحن نقبرها بأيدينا وأيدي الغاصبين الصهاينة.
ونحن نستحضر أن القطاع السياحي الصهيوني تعثر كثيرا جراء الانتفاضة الثانية وما تلاه من عدوان على لبنان في عام 2006. فالصهاينة يعولون على السياحة كثيرا في سبيل إنعاش اقتصادهم ورفع مستوى مجهودهم الحربي واستعدادهم القتالي المستمر، لذا فإننا سنقدم لهم أكبر مورد مالي في هذا المجال بحضور ملايين الزوار سنويا من مختلف أنحاء المعمورة ليزوروا البيت المقدس ويحظوا بأجر الصلاة فيه مما يعني إنفاق مليارات الدولارات لتحقيق هذا الهدف المنشود.
والشيء بالشيء يذكر فإنني تذكرت هنا تصريحا لمسؤول أردني في مجال السياحة عن الانفتاح السياحي بين الأردن والكيان الصهيوني، عندما ذكر أن السياح الغربيين القادمين إلى الأردن عن طريق إسرائيل، فهم في الواقع يقيمون في المدن الإسرائيلية ويسكنون فنادقها، ويتبضعون من أسواقها وينفقون ما معهم من دولارات هناك، ويأتوننا يحملون أغذية سفرية من إسرائيل ليزوروا مرافقنا السياحية ثم يرمون بزبالتهم وفضلاتهم هنا ويعودون إلى فنادقهم هناك دون أن ينفقوا شيئا. فلك أن تتصور حجم التعويل الإسرائيلي على خطوة إستراتيجية كهذه تجلب لها ملايين السياح المسلمين، ونكون نحن المبادرين إليها!
ثم هل نحن بحاجة إلى هذا التنازل الخطير لنعلم العالم بإسلامية القدس كما يدعونا سعادة الوزير؟ وهل هناك من يجهل أو يشكك بذلك؟ الم تحجم دول العالم قاطبة عن نقل سفاراتها إلى القدس المحتلة احتراما لمشاعر العرب والمسلمين إلى أن تخاذلنا وأرسلنا سفراءنا إلى هناك ففقدنا الحجة في إسلامية وعروبة القدس التي نريد من الناس البسطاء أن يثبتوها ألان وبعد خراب البصرة؟
الملاحظ أن الدين هو الذي بدأ يتحرك هذه الأيام باتجاه التطبيع مع غاصبي المقدسات، بدليل أن السيد وزير الأوقاف هو صاحب هذه الدعوة. ففضيلة الشيخ الأكبر محمد سيد طنطاوي مع كل احترامنا وتقديرنا لشخصه، لم يكتف بأنه صافح بطل جريمة قانا شمعون بيريز الذي أباد الحرث والنسل بقصفه المتعمد لمقرات للأمم المتحدة في قانا اللبنانية عندما لجأ إليها المستضعفون من الرجال والنساء والولدان. وعندما سُئل فضيلته عن إقدامه على تلك المصافحة فإنه قال "وفيها إيه لما واحد بصافح واحد؟ إتهدت فلسطين؟ ليه ما هم دولة إحنا معترفين بيها، بتسألني السؤال السخيف ده ليه؟ إيه يعني لما واحد يسلم على واحد؟".
ولنفترض أننا فكرنا بالقيام بتلك الزيارات، فكيف ستتم والصهاينة يمنعون أهل القدس أنفسهم من الصلاة بالحرم القدسي أيام الجمع والأعياد وهم ألوف فما معنى أن تسمح لمئات الألوف من القادمين من مختلف الحواضر الإسلامية بدخول أراضيها؟ والغرب المتأثر بالصهيونية يخاف من الموجات البشرية الإسلامية التي تعيش بين ظهراني شعوبه منذ عقود؟ أليست هي ترتيبات صهيونية تتضمن السيطرة على حركة الزائرين وأنفاسهم؟
فمن يحل لنا هذا اللغز المحير الذي وضعنا سعادة الوزير جزيل الاحترام في لجته مع إننا نسلم ونعترف بحسن نية سعادته، ولكننا نريد أن نستفهم ونستعلم عسى الله أن يكتبنا من زوار البيت المقدس التي تنبش إسرائيل تحت أسسه لينهار، كما لمح سعادة الوزير إلى ذلك في تصريحه المذكور. حسن عبيد عيسى