الهدف الحقيقي للمصالحة المطروحة من المالكي

بقلم: امجد الكاتب

برؤية متأنية احاول جاهدا قراءة قرارات رئيس الوزراء العراقي وتوجهاته السياسية. ولقد توصلت الى نتيجة مفادها ان المالكي ليس في نيته مصالحة احد. وهنا انا لا اهاجم الرجل بل اقرأ سياساته. ولقد توصلت الى هذه النتيجة بعد تحليل وقراءة مواقف المالكي من موضوع المصالحة، ولكي تكون النتيجة التي توصلت اليها منطقية فلقد توقفت امام قرارات توجهات المالكي ولعل بداية الموضوع هو تشكيل مجالس الصحوة من قبل الاميركيين لمحاربة القاعدة، فلقد عارضها المالكي بشدة ولكن الاميركيين جعلوا الامر حقيقة واقعة. ولما تحققت المكاسب العسكرية تحول المالكي ظاهريا الى داعم لهذه المجالس.
وبالنسبة لموضوع المصالحة مع البعثيين فلقد ففي بداية هذا الموضوع كان من اشد معارضي موضوع المصالحة مع البعثيين. ثم اعلن مبادرته الشهيرة ابان زيارة عمرو موسى للمصالحة مع البعثيين وعاد ليتراجع عنها امام ردود فعل حلفاءه السياسيين في الحكومة، ثم وصل به الامر الى ان يعلن ان المصالحة مع البعثيين تتعارض مع الدستور. فلم طرحها اصلا ان كانت تتعارض مع الدستور؟
وفي موضوع ثان شكل المالكي ما اسماه مجالس العشائر الوسط والجنوب العراقي والتي دعمها ماليا من خزينة الحكومة وسط رفض صاخب وعارم من قبل حليفه رئيس المجلس الاعلى، وشكل تحالفا مع التيار الصدري وجناحه المسلح جيش المهدي في الانتخابات البلدية الاخيرة، وصعد من ازمة الثقة مع حلفاءه الاكراد محركا عددا من المقربين منه للادلاء بتصريحات تأزم العلاقة بين الطرفين، واعلن بشكل ظاهري رفضه لتولي كردي من الاتحاد الاسلامي الكردستاني وزارة العدل خوفا من تأثير علاقته بالحزب الاسلامي الكردي فاتحا جبهة جديدة مع الحليف السني توجت بعرقلة موضوع رئاسة البرلمان الى اقصى فترة ممكنة. وانقلب مؤخرا على مجالس الصحوة وافتعل حادثا لاعتقال شخص مغمور لا قيمة له وحصلت معركة شوارع طاحنة بين قوات المالكي الحكومية ومجلس صحوة الفضل، ووصل الموضوع الى الاعلان غير مرة من اشخاص مقربين من المالكي او ان يتم اعلان من قبل مسؤول حكومي دونما ردة فعل من المالكي مما يدلل على موافقته الضمنية حول ضرورة حل ونزع اسلحة مجالس الصحوة، وتغاضى مؤخرا كذلك عن قرار المحكمة الخاصة العراقية وهي محكمة تخضع الى معايير سياسية عن موضوع اتهام وزير الاعلام السابق محمد سعيد الصحاف بقتل والد النائبة صفيه سهيل، بالرغم من كون جميع الشواهد تبين ان الرجل لا علاقة له بالموضوع لا من قريب ولا من بعيد.
فالصحاف بغض النظر عن موقفنا تجاهه لا علاقة له بهذا الموضوع تحديدا، لان من نفذ عملية الاغتيال هم عناصر المخابرات في السفارة العراقية في لبنان وليس لكادر وزارة الخارجية في فترة صدام اي ارتباط أو اشراف او حتى معرفة بعمل محطات المخابرات العراقية الموجودة في السفارات والتي تملك ايضا ميزانية مالية مستقلة.
اما موضوع المصالحة مع البعثيين فهو كلام هدفه كان ومازال هو كسب اصوات الناخبين المؤيدين تقليديا لاياد علاوي بصفته عراب موضوع المصالحة ولصالح المطلك بوصفه الداعم الرئيس لهذا الموضوع. مجالس الصحوة نجحت ام فشلت فان المالكي لا ينوي الابقاء عليها وانما ينوي التعامل فقط مع بعض الرموز السياسية لها كالشيخ ابو ريشه وتحويله لحزب سياسي قادر على ضرب الحليف السني السابق الحزب الاسلامي، والجماعات المسلحة بمختلف مشاربها سواء كانت تستهدف الاميركيين ام القوات العراقية لا نية للمالكي لمصالحتها، وايفاد وزير الدولة للحوار الوطني السيد الحكيم الى القاهرة كان نموذجا على عدم نية المالكي للمصالحة، اذ ان الوزير ذهب خالي الوفاض من اية رؤية للمصالحة، والاهم خاليا من اية صلاحيات، وظهر الامر كأنه اشبه بمحاولة استدراج للمعنيين للعودة للعراق، اما كيف سيتم التعامل معهم؟ من يضمن امنهم؟ هل سيكون لديهم دور سياسي مستقبلي؟ اسئلة وجهتها للوزير الجهات التي تفاوض معها فلم يملك الرجل اية اجوبة نهائيا وظهر الفشل الفوري لمهمته، الحليف الكردي السابق وبعد كل حل لازمة يدفع المالكي باتجاه ظهور ازمة جديدة معه.
حتى تحالفه مع التيار الصدري هو في واقع الامر تم سرا في بدايته لكي لا يستثار الناخب العراقي وعندما ظهر للعلن فان المالكي يبذل جهده للتعتيم على الموضوع لكي لا تحدث ضجة تجاه "تحالف دولة القانون" وهو الاسم الذي اطلقه المالكي على قائمته مع "الخارجين عن القانون" الاسم الذي اطلقه المالكي على التيار الصدري وجناحه المسلح.
وموضوع الصحاف الاخير هو في واقع الامر محاولة لاظهار نية المالكي بعدم رغبته بالمصالح مع البعثيين سواء من تلطخت ايدهم بدماء العراقيين او ممن لم تتطلخ ايديهم. فمن يجرأ على العودة الى العراق من البعثيين ومن سيصدق اية دعوة من الحكومة بعد اثارة هذه القضية ضد الصحاف، علما ان المالكي يعرف جيدا ان الامارات لن تسلم الصحاف بهذه القضية او بغيرها، فالرجل قُبل لاجئا بشروط ان يلتزم بالابتعاد عن العمل السياسي، وقد التزم واختفى من المشهد السياسي والاعلامي، لذا لا يتوقع احد ان ينكث شيوخ الامارات عهدهم له، وهذه حقيقة يعرفها المالكي، فالموضوع هو ليس استجلاب الصحاف لان الصحاف لن يسلم. ولكن الموضوع رسالة الى من يهمه الامر، فالمصالحة في منظور المالكي هي ورقة سياسية تحرك حيثما حصل احتياج سياسي لها. وشخصيا كنت اتوقع ان تفشل المصالحة حتى لو كانت هناك نية حقيقية من المالكي اذ ان قاعدة المصالحة لم تترسخ وهناك نسبة كبيرة من القوى السياسية ترفض رفضا قاطعا المصالحة مع البعثيين لذلك فمن البديهي ان تفشل هذه المصالحة، اذ لو كانت نية المالكي جديه لها لفتح حوارا مع حلفاءه السياسيين الرافضين للمصالحة للوصول الى ارضية مشتركة يتم وفقا لها فتح الحوار مع البعثيين او غيرهم، ولكن هذا لم يحصل. فالموضوع ورقة من ضمن اوراق يحركها المالكي وفقا لرؤيته لمصالحه الانتخابية، ولكن لكل فعل رد فعل، فكما للمالكي اوراقه فان للفاعلين السياسيين الاخرين اوراقهم ولذا فان سياسة الصدمة والترويع على الطريقة الاميركية قد لا تجدي نفعا معهم، خصوصا والانتخابات البرلمانية تدق باب العراق. ولذا فان معظم الاوراق التي بيد المالكي قد تصبح بلا قيمة اذا ما توافقت الاطراف السياسية الاخرى على ابعاده وعزله سياسياً. أمجد الكاتب