الاستثمار في 'قطاع الجهل'!

بقلم: محمد كركوتي

"إذا كنت تعتقد أن التعليم مكلف.. جرب الجهل"، الرئيس السابق لجامعة "هارفرد" الأميركية ديريك بوك

في سنوات أوج قوته السياسية الداخلية – وحتى الخارجية - في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين، أطلق رئيس الوزراء البريطاني العمالي السابق توني بلير شعارا جماهيريا وانتخابيا، عزز فيه هذه القوة، ليس فقط في مرحلتها آنذاك، بل في المراحل التي تلتها. كان الشعار بسيطا، لكنه تميز بأعلى درجة من البلاغة الإستراتيجية والتنموية والإنتاجية.. لا التعبيرية. شعار ألهب المشاعر، وحفز الهمم. ماذا كان؟. كان ببساطة: "التعليم.. التعليم.. التعليم".
عرف بلير وقتذاك، أنه باحتضانه لهذا الشعار الجماهيري المستنير (لا التعبوي)، سيحتضنه الشعار نفسه، ويوفر له الدعم الذي يسعى إليه أي سياسي في السلطة، لاسيما في البلدان الراشدة. وقد جنى بلير وحزبه وحكومته، سلالا من ثمار الشعار، خصوصا بعد أن تسببت حكومة حزب المحافظين السابقة، التي حكمت البلاد أكثر من 17 سنة متواصلة، بأعمق حالة من الإرباك في مجال دعم التعليم، وفي التعاطي مع القضايا المرتبطة به.
ولأن الشعار حقق النتائج المطلوبة (أو غالبيتها)، فقد استنسخت العديد من الحكومات "توجه توني بلير"، وعززت بصورة أو بأخرى مكانتها السياسية في بلدانها، بالرغم من وجود بعض الفجوات، في مجال الاهتمام بالتعليم في هذه الدولة أو تلك. وخصصت هذه الحكومات ميزانيات كبيرة، ليس فقط للقطاع التعليمي، بل للبحث العلمي، فلا يمكن فصل الاثنين عن بعضهما البعض، لأن البحث العلمي، هو نتاج طبيعي للتحصيل العلمي المتطور.
في هذه الأجواء، انقضت الأزمة الاقتصادية العالمية على التعليم، ووضعته في قائمة "الثانويات"، لا الأساسيات. وهددت غالبية المشروعات الهادفة، إلى تطوير التعليم، ونالت من بعضها بصورة مخيفة. من تصدر قائمة الأساسيات؟. المصارف الغارقة، والشركات المتهاوية، والمؤسسات المضطربة، والقطاعات الصناعية والتجارية والخدمية الخاسرة. صحيح أن إنقاذ هذه المؤسسات والقطاعات يمثل ضرورة حتمية، لإخراج الاقتصاد العالمي من طرقه المجهولة، ووضعه على السكة المعلومة، لكن الصحيح أيضا، أن التركيز عليها، وانتشال الغارق منها فقط، سيؤدي حتما إلى تردي القطاعات التي لا تتمتع بأولوية الإنقاذ، لاسيما التعليم، الذي لا يقل أهمية عن أية مؤسسة كمحرك للاقتصاد، ومطور له. في أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2008، لاحظ "المنتدى العالمي حول التعليم"، الذي عقد في باريس التناقض الظاهري بين الحاجة المتزايدة للتعليم وبداية ضعف الاستثمار فيه. فقد قالت باربرا ايشينغر مديرة "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"، المعروفة اختصارا بـ "أو إي سي دي" OECD، وهي تقدم خطتها في المنتدى حول "التعليم المستمر": "إننا نعاني من أزمة مالية تحد من قدرة الحكومات والمنظمات غير الحكومية على المساعدة". لقد كان الهدف من هذا المنتدى، هو التحقق من الأنظمة التعليمية والتدريبية. والمنطق ورائها، يكمن في صلب نقاش عالمي. ومن هنا يمكن إيجاد العديد من الفوائد الاقتصادية الـ "لا مرئية" في التعليم، ومن الأهمية بمكان، تأكيد دور التعليم ومساهمته في التطور الاقتصادي والتنمية المستدامة. لكن المشكلة، هي أنه على الرغم حالة هذا العالم "المعولم"، المعتمد على بعضه البعض، هناك حالات من الـ "لا مساواة"، تتسع الفروق بينها، وتزداد مخاطر الإقصاء الناتجة عن التبدلات الاقتصادية، والتي ظهر بوضوح أهمية التعليم في رحلة البحث عن فرص العمل، وبرامج التأهيل وحتى مشروعات إعادة التأهيل.
وعلى هذا الأساس، فإن قيام الحكومات بخفض ميزانيات التعليم هو في الواقع مغامرة بمستقبل الشعوب كلها، ومجازفة بالصيغ المثلى التي يجب أن تقوم عليها المجتمعات. فمن الواجب الاستمرار في تشجيع التدريب والتأهيل للحيلولة دون تهميش البشر. إن التعليم والتأهيل والبحث العلمي، آليات إستراتيجية – بل ومصيرية – يمكنها المساعدة ليس فقط في بناء المجتمع، بل أيضا في تقليل التفاوت الموجود حاليا في الجسم التعليمي. من البديهي أن التعليم ليس عاملا لمحو الأمية فقط، هو ببساطة محرك للتطور والتنمية والازدهار وبناء الإنسان، إلى جانب كونه عاملا أساسيا للمنافسة بين الدول. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تستحضر سياسة عالمية تعليمية – بوجود أزمة أم بغيابها – تكون للجميع، وأن يكون التعليم بمتناول الجميع. لقد أثبتت العولمة "الحميدة" (هناك عولمة غير حميدة)، أن السياسات الوطنية الخاصة بالتعليم تحتاج بالتأكيد إلى الاستجابة لحاجات الأمم كلها، ويجب أن تكون قادرة على التحدي على مستوى عالمي "عولمي". فالأمم كلها ينبغي أن تتعاون في هذا المجال، ومسؤولية الدول الكبرى، يجب أن تكون بحجم كتلتها، وبمستوى هاماتها. وفوق هذا وذاك، يجب أن تعرف، أن الاستثمار المتردي في التعليم، هو في الواقع استثمار في "قطاع الجهل"، الذي يكبح عادة أكبر قوة تنموية مهما بلغ بأسها.
وعلى الرغم من هذه الحقائق، التي لا تحتاج لخبراء لكشفها، ظل التعليم في قائمة " الثانويات" في خضم الأزمة الاقتصادية العالمية. وقد بدأت المؤشرات تظهر بصورة واضحة، على صعيد البحث العلمي. فمع قيام المنظمات الدولية المختصة في هذا المجال، بوضع ميزانياتها العامة للعام 2009، ظهرت تداعيات الأزمة، في هذا القطاع. وقد تراجع حجم الهبات التي تتلقاها مراكز البحوث العلمية على مستوى العالم، في الوقت الذي تحتاج فيه الكثير من العلوم، إلى الدعم المالي لتطويرها، ليس لمجرد التطوير، بل لنشر الفائدة على العالم أجمع. ويعني هذا بكل بساطة.. أن المخططات العلمية للعامين 2009 – 2010 ستشهد تدهورا كبيرا، بينما يرى الأكاديميون أن آثار الأزمة العالمية ستكون مدمرة على المدى المنظور في هذا المجال.
مهلا.. الأزمة لا تقف عند هذه الحدود، فهناك نموذج مخيف على الساحة. مع اندلاع الأزمة قدمت جامعة "هارفرد" الأميركية – وهي أغنى جامعات العالم – للعاملين فيها، فرصة "التقاعد المبكر"، وجمدت زيادة الرواتب، وأوقفت عمليات بناء مجمعها الجديد. ماذا فعلت أيضا؟. رفعت مصاريف الدراسة فيها. وبعد أسابيع من اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، أعلنت "هارفرد"، أن أوقافها التي تقدر بأكثر من 36.9 مليار دولار أميركي، خسرت 22 بالمئة من قيمتها، أو قرابة 8 مليارات دولار في الأربعة أشهر الأولى من السنة المالية التي بدأت في يوليو/تموز، من العام 2008، كما توقعت أن تصل خسائر "هذه الأوقاف" في العام المالي 2008 – 2009 إلى أكثر من 30 بالمئة. الأمر نفسه انتشر في الجامعات الأميركية والعالمية الكبرى. بل أن جامعة "برانديز" الأميركية، قامت ببيع قطع فنية تملكها لجمع الأموال، من أجل مواجهة الأزمة.
هذا نموذج عن التعليم العالي والأزمة. ولكن ماذا عن التعليم الأدنى؟. في العالم الآن أكثر من 75 مليون طفل خارج المدارس – إحصاء العام 2005 حسب حركة "التعليم للجميع" الدولية- منخفضا من 103 مليون طفل في العام 1999. ويبدو واضحا أن عدد هؤلاء انخفض بصورة كبيرة في غضون ست سنوات تقريبا. لكن هل سيواصل الانخفاض في ظل الأزمة؟. الجواب ببساطة هو: لا، لأن هذه القضية الخطيرة، لم توضع – كما التعليم العالي – ضمن أولويات الإنقاذ في مواجهة الأزمة الاقتصادية. وإذا كان التعليم العالي والبحث العلمي يواجهان وسيواجهان في غضون عامين كارثة كبيرة، فإن المشروع الدولي للنهوض بالتعليم، الذي حدد ستة أهداف لتحقيقها في بحلول العام 2015 في "منتدى التعليم العالمي" في العاصمة السنغالية داكار، في العام 2000، سيواجه كارثة أكبر، إذا لم يتم وضعه ضمن نطاق الأهمية في عمليات الإنقاذ. والواضح أن أحدا من كبار " المنقذين"، لم يتناول هذه القضية. فلا يزال هؤلاء ينظرون إلى الكارثة العالمية، من خلال أزمة شركة هنا، وأخرى هناك. ومن خلال مصيبة مؤسسة هنا وأخرى هناك، ومن خلال غرق مصرف هنا وآخر هنا. لا يزالون ضمن نطاق " الحل الظرفي"، لا الاستراتيجي.
إن خسارة الشركات والمؤسسات والمصارف يمكن أن تعوض، بل إن فقدان الناس لمنازلهم – على بشاعتها – هي خسارة يمكن تعويضها. لكن هل من تعويض في هذه الدنيا، لخسارة المستقبل. محمد كركوتي m@karkouti.net