تركيا، دور إقليمي متنامٍ في الشرق الأوسط

تركيا خير من يقوم بدور القيام بدور 'الوسيط النزيه'

واشنطن ـ اختار الرئيس الأميركي باراك أوباما أنقرة لتكون أول عاصمة إسلامية يزورها.
وإذا كان اختيار أوباما هذا يعكس ـ في جانب منه ـ رغبته في تحسين علاقاته مع العالم الإسلامي، فإن أحد أهم أهداف الزيارة هو محاولة إصلاح العلاقات الأميركية ـ التركية التي تضررت كثيرا في عهد الرئيس بوش، خاصة في ظل الحاجة الأميركية للدور التركي لحل كثيرٍ من القضايا التي تعترض واشنطن في منطقة الشرق الأوسط.
وفي هذا الصدد نشر موقع مجلس العلاقات الخارجية في اليوم الثاني من إبريل/نيسان الجاري مقالاً لستيفن كوك، المتخصص في دراسات الشرق الأوسط، تحت عنوان "الدور التركي المتنامي في دبلوماسية السلام بالشرق الأوسط".
وتبدأ كوك مقالها بأن الحكومة التركية متطلعة للعب دور مؤثر في الشرق الأوسط، ومع أن تركيا قد قدمت إسهامات هامة في المنطقة في السنوات الأخيرة، فإن النشاط التركي كان موضع جدل كبير في واشنطن، وهو الجدل الذي تصاعد بعد خروج رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان غاضباً من حلقة نقاشية حول أزمة غزة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير/كانون الثاني من العام الجاري 2009.
فقد أفرزت هذه الحادثة سيلاً من الانتقادات من بعض صناع القرار والمحللين والصحفيين الأميركيين، الذين اعتبروا الضجة التي صنعها أردوغان في دافوس دليلاً دامغاً على أن تركيا، تحت قيادة حزب العدالة والتنمية الذي ترجع جذوره إلى الحركة الإسلامية التركية، قد حلقت بعيدا عن الغرب، وذلك لصالح "المتطرفين" من الشرق الأوسط.بل ودفع سلوك أردوغان في دافوس، ومباركته لحركة حماس أثناء الهجوم الإسرائيلي على غزة، وانتقاداته الشديدة لإسرائيل، والتي انحرفت في بعض الأحيان إلى معاداة السامية، بالمراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت تركيا ستستمر في لعب دور بناء في الشرق الأوسط.
ومنذ مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في أواخر عام 2002، انتهجت أنقرة استراتيجية واعية لإعادة العلاقات مع الفضاءات العثمانية السابقة في الجنوب والشرق.
ومع أن تركيا كان لها دوماً مهمات وبعثات دبلوماسية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، فإنه بالنظر إلى توجه السياسة الخارجية التركية، والذي كان يعطي أولوية للعلاقات مع الغرب والعلمانية الرسمية للجمهورية، لم تزد تركيا، في أحسن الأحوال، عن كونها لاعباً هامشياً في الشرق الأوسط.
وتبنت حكومة حزب العدالة والتنمية، في البداية تحت رئاسة عبد الله غول ثم أردوغان منذ مطلع عام 2003، سياسة خارجية طموحة، جنباً إلى جنب مع برنامج داخلي للإصلاح السياسي يهدف إلى تأمين محاولة تركيا لتصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت ذاته تنمية العلاقات مع القاهرة ودمشق وبغداد والرياض وطهران.
وكان توجه تركيا شبه المقتصر على أوروبا والولايات المتحدة مناسباً خلال الحرب الباردة، عندما كانت عضويتها في منظمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" حقيقة لها الأولوية القصوى في سياستها الخارجية، أما مصالح تركيا الآن فتتطلب سياسة خارجية متعددة الأبعاد.

وقوبل نهج حزب العدالة والتنمية الجديد على الفور بالشكوك من قبل واشنطن.
وأدت المفاوضات العصيبة بين واشنطن وأنقرة في أواخر عام 2002 وبداية عام 2003 بشأن استخدام الأراضي التركية لغزو محتمل للعراق، ثم عدم قدرة البرلمان التركي بعد ذلك على سن تشريع يمكن القوات الأميركية من شن هجوم على العراق من الأراضي التركية، إلى إغضاب الولايات المتحدة.
لكن الخلاف حول العراق لم يكن سوى البداية لسلسلة من التوترات جعلت كل من أنقرة وواشنطن على طرفي نقيض في الشرق الأوسط.
ففي عام 2005، وعلى سبيل المثال، وفي ظل سعي الولايات المتحدة لعزل سوريا اعتمادا على زعم تورطها في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ودورها المركزي في تسريب الجهاديين إلى العراق، واصلت الحكومة التركية سياسة تعميق علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع السوريين.
وبعد فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية في يناير/كانون الثاني 2006، استضاف وزير الخارجية التركي عبد الله غول وغيره من المسؤولين في وزارة الخارجية التركية، الزعيم الخارجي لحركة حماس، خالد مشعل، وذلك في مقر حزب العدالة والتنمية في أنقرة.
وجاءت هذه التطورات على خلفية تحسن العلاقات بين أنقرة وطهران، ولهجة رئيس الوزراء أردوغان المتشددة التي اعتبر فيها أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية بمثابة "إرهاب الدولة".
وأثارت تلك التطورات تساؤلات جدية حول توجه السياسة الخارجية لتركيا.
ودفع هذا التوجه التركي المتناقض مع الإجماع الغربي إلى استنتاجات خاطئة لدى صناع القرار وغيرهم من المراقبين، مفادها أن تركيا لم تعد تعتبر شريكاً يعتمد عليه، أو أن بوسعها القيام بدور "الوسيط النزيه" في النزاعات في الشرق الأوسط كما كان يطمع المسئولون الأتراك.
وكانت استضافة خالد مشعل ـ المسؤول عن مقتل عدد لا بأس به من الإسرائيليين، والفلسطينيين ـ خطأً واضحاً.
ولم يكتف قائد حماس برفض طلب المسئولين الأتراك الاعتراف بإسرائيل ونبذ الكفاح المسلح، بل تسببت المقابلة في إغضاب كل من واشنطن وتل أبيب، التي تجمعهما علاقة استراتيجية مع أنقرة.
ومع ذلك، من المهم أن نلاحظ أنه مع كل الأسئلة عمن "فقد" تركيا وما إذا كانت تركيا "تميل" باتجاه الشرق، فلا يوجد شيء غير مألوف حول توجه أنقرة تجاه منطقة الشرق الأوسط.
فعلى خلفية انتهاء الحرب الباردة والتوتر الذي أصاب علاقة تركيا مع الاتحاد الأوروبي، والمعضلة الأمنية الناجمة عن غزو العراق، فإن أي حكومة تركية كانت ستتبع سياسة خارجية مماثلة لتلك التي اتبعها حزب العدالة والتنمية.
وإن تمت تنحية واقعة حماس جانباً، فإن من الواضح كلية أن سياسة تركيا الشرق أوسطية تتفق مع المصالح القومية لتركيا.
وعلى صعيد مجموعة من القضايا المهمة في الشرق الأوسط ابتداء من العراق ومرورا بإيران وانتهاء بإحلال السلام في الشرق الأوسط، فإن السياسات التركية تتفق بشكل عام مع سياسات الولايات المتحدة.
فقد دعمت تركيا لفترة طويلة تكوين عراق فيدرالي مستقر.
كما أن ازدهار العلاقات بين أنقرة وأربيل، وتكوين حكومة إقليمية كردية، بالتكامل مع انخراط تركي معتبر في شمال العراق، من شأنه أن يزيل أحد العقبات المهمة أمام سياسة واشنطن تجاه العراق.
ورغم أن الوضع في كركوك، والعنف الذي يمارسه حزب العمال الكردستاني، يظلان من أهم نقاط التوتر مع تركيا، فإن زيادة التقارب بين كل من تركيا وأكراد العراق من شأنه أن يؤدي إلى تضاءل حجم هذه المشكلات، ومن ثم يحبط أحد أشد السيناريوهات تشاؤماً والمتعلق بتدخل عسكري تركي، وهو التداخل الذي قد يقوض التقدم الذي حصل في العراق على مدى الثمانية عشر شهراً الماضية.
وفي سياق تحسين علاقات تركيا مع أكراد العراق، فقد دعا الرئيس العراقي جلال طاللباني، الإرهابيين المنتمين إلى حزب العمال الكردستاني إلى إلقاء السلاح أو مغادرة العراق.
وبالتالي لم تصبح تركيا بالنسبة للولايات المتحدة الطرف الحاقد في لعبة استقرار العراق.
ومن وجهة النظر الأميركية، تُعتبر علاقات تركيا مع كل من سوريا وإيران الأكثر إثارة للجدل في علاقات أنقرة الشرق أوسطية.
ومع أنه كثيراً ما يستخدم نقاد تركيا هذه العلاقات باعتبارها مؤشرات واضحة للأجندة الإسلامية لحزب العدالة والتنمية، فإن علاقات أنقرة مع كل من دمشق وطهران تعود لنهاية التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة، أي قبل مجيء حزب العدالة والتنمية.
وتدعم القيادة التركية جهود إدارة أوباما لإقامة حوار مع طهران.
ومن وجهة النظر التركية فإن إقامة علاقات ثنائية جيدة مع إيران وتحقيق الاستقرار الإقليمي هما أمران شديدا الأهمية، ليس لأسباب أيديولوجية، ولكن نظراً للحسابات الاقتصادية، فإيران هي أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى تركيا بعد روسيا.
ومع أن الأتراك يريدون تنويع إمداداتهم من الطاقة، ولديهم أيضا خطط للاستثمار الواسع في برامج الطاقة المتجددة، غير أنه في المديين القصير والمتوسط، ستبذل تركيا كل ما في وسعها لضمان أن تظل علاقاتها مع كل من طهران وموسكو ودية وتعاونية.
ورغم أن علاقات تركيا مع سوريا لا ترتبط بمقتضيات إمدادات الطاقة تلك، فإن هناك مكونا اقتصادياً قوياً لهذه العلاقة.
فالمناطق المفتقرة للتنمية في جنوب شرق تركيا هي أقرب إلى دمشق منها إلى مدن كايسيري وأنقرة وإسطنبول التركية.
ويعتقد الأتراك أن زيادة حجم التجارة الثنائية يخدم غرضين رئيسين؛ أولهما: تعزيز التنمية في مناطق تركية مثل سيزر، غازينتيب وديار بكر، وثانيهما: أنه يقدم دفعة للاقتصاد السوري.
ويجادل مهندسو السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية في أنه في حالة ازدهار الدول المجاورة لتركيا، فإنها ستصبح أكثر سلمية، ما سينعكس إيجاباً على الأمن القومي التركي ويوفر بيئة إقليمية أكثر ملاءمة للسلام.
وتخدم علاقات تركيا مع سوريا مصلحة جيواستراتيجية أخرى، ففي الفترة بين عامي 2006- 2007، كان محللو السياسة الخارجية التركية على اقتناع بأن دمشق يمكن أن يتم إبعادها عن العلاقة الاستراتيجية مع إيران.
ورغم أنه من غير المرجح أن تتخلى دمشق بسهولة عن علاقاتها مع طهران، فإن بوسع تركيا أن تؤدي دوراً مهماً في توفير بديل جذاب لنظام بشار الأسد بدلاً من إيران.
ومن المؤكد أنه من الأفضل لواشنطن أن يدخل الأتراك في حوار مع السوريين، بدلاً من أن يظل الأسد معزولاً، يتحدث فقط مع زعيم حزب الله حسن نصر الله والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد.
وأنتجت علاقات تركيا مع سوريا ثمارها في الشرق الأوسط، فقد رعت أنقرة محادثات غير مباشرة بين الإسرائيليين والسوريين في عام 2008.
ورغم أن تلك المفاوضات لم تسفر عن اتفاق، وتم تجميدها نتيجة غزو إسرائيل لقطاع غزة في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2008 أوائل يناير/كانون الثاني من العام الحالي 2009، لكن بكل المقاييس فقد حقق السوريون والإسرائيليون تقدما بفضل الوساطة التركية.
تعد العلاقات التركية الإسرائيلية الأكثر تعقيدا في الشرق الأوسط، فبينما يحتفظ البلدان بعلاقات عسكرية واقتصادية وثيقة، فقد اتسمت العلاقة بينهما بالتوتر والاضطراب.
فمنذ البداية، أدرك الإسرائيليون ميل سياسة حزب العدالة والتنمية تجاه منطقة الشرق الأوسط إلى صالح الفلسطينيين، وأبدوا قلقهم من علاقات أنقرة مع طهران.
وفي الوقت ذاته كان لدى الإسرائيليين كامل الثقة في جهود رئيس الوزراء أردوغان المتعلقة بالوساطة بين إسرائيل وسوريا.
ومن جانبهم، شعر الأتراك بالقلق من التقارير التي تفيد أن الإسرائيليين يطورون علاقاتهم مع كل من أكراد العراق ومنظمة "حزب من أجل حياة حرة" في كردستان، والتي لها صلة بحزب العمال الكردستاني.
وجادلت تركيا بأن الإجراءات الإسرائيلية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة تقوض جهودها وجهود الآخرين للتوصل إلى السلام.

وتدهورت العلاقات بين البلدين خلال الهجوم الإسرائيلي الأخير على غزة، غير أن التقارير الأخيرة التي تفيد بأن الإسرائيليين قد أرسلوا مسئولا في وزارة الخارجية إلى أنقرة، قد تدل على أن كلاّ من الحكومتين تبحثان عن طريقة لإعادة الثقة بينهما.
وإذا انصب اهتمام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على التوصل إلى اتفاق مع سوريا، كما يتوقع كثيرون، فقد تلعب تركيا دورا بارزا في التقريب بين الطرفين والتوسط في المفاوضات.
وأخيراً، فإن التحدي الذي تواجهه تركيا يكمن أولا: فيما إذا كان لديها القدرة على مواصلة دور ناشط في هذه المنطقة دون تقويض أولويات أخرى، وثانياً: في مدى قبول القوى الإقليمية الأخرى للدور الذي تعتزم تركيا القيام به.(تقرير واشنطن)