لبنان هو الخاسر وليس نسيب لحود!

بقلم: خيرالله خيرالله

الخاسر من انسحاب نسيب لحود من المعركة الانتخابية ليس نسيب لحود. أكان نائبا أو وزيرا، يبقى نسيب لحود ... نسيب لحود. نسيب لحود من السياسيين القلائل الذين يشرّفون الألقاب والمناصب في لبنان وحتى خارج لبنان. يبقى نسيب لحود رجلا لديه مكانته الخاصة عند اللبنانيين والعرب والأوساط الدولية، يبقى سياسيا ليس كسائر السياسيين اللبنانيين. أنه سياسي من طينة خاصة مختلفة قلما عرف لبنان واللبنانيون ما هو شبيه بها منذ الاستقلال.
لم يخسر نسيب لحود شيئا. لبنان خسر. المتن خسر. كل لبناني يمتلك حدا أدنى من الأخلاق والمبادئ خسر. الخسارة كبيرة لا تعوض. هناك رجل سياسي يتحلق حوله لبنانيون من كل الطوائف والمذاهب والمناطق. هناك رجل أعمال يبعد شركته، منذ اليوم الأول لتوليه منصبا رسميا، عن أي مشروع في الأراضي اللبنانية. هناك زعيم وطني ينادي بالأعتدال، لكنه في منتهى الصلابة متى تطلب الأمر ذلك، متى كانت مصلحة لبنان تقضي بذلك بعيدا عن أي تهور من أي نوع كان.
كان الأجدر بالرئيس أمين الجميل والنائب ميشال المر والدكتور سمير جعجع ألا يترددوا لحظة في أشراك نسيب لحود في تشكيل لائحة المتن بدل الاكتفاء بوضعه أمام الأمر الواقع، أي التصرف معه وكأنه مجرد سياسي من الدرجة الثانية أو الثالثة يسعى الى موقع نيابي. نسيب لحود شيء مختلف. يكفي احترام العرب المحترمين له وطريقة تعاطيهم معه كي يشعر اللبناني بالفخر والغزة.
كان وجود نسيب لحود من ضمن الأسماء التي في اللائحة المتنية دليلا على أن المسألة ليست مسألة أحجام بمقدار ما أنها معركة سياسية تحتاج أول ما تحتاج الى رجال قادرين على متابعة "ثورة الأرز" وحمايتها. عبّر نسيب لحود عن ذلك أفضل تعبير في المؤتمر الصحافي الذي عقده في الخامس عشر من الشهر الماضي وفي البيان الذي أعلن فيه بعد شهر من ذلك عن عزوفه عن الترشح.
أظهر نسيب لحود أنه ليس لاهثا خلف منصب. كان منصب رئاسة الجمهورية في متناوله في مرحلة ما لو قبل تقديم تنازلات والزحف في هذا الاتجاه أو ذاك كما فعل غيره. أي كما يفعل ذلك الجنرال التافه المستعد للتخلي عن كل شيء من أجل منصب أو موقع. كان نسيب لحود صادقا في كل كلمة يقولها. وعندما حاول السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري تحريف كلامه عندما زار الأخير بيروت والتقى سياسيين لبنانيين في المرحلة التي سبقت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، سارع نسيب لحود الى وضع النقاط على الحروف مؤكدا أن المطلوب الانسحاب السوري الكامل من لبنان وليس مجرد انسحاب جزئي أو شكلي.
فعل ذلك على الرغم من أن علاقة طيبة كانت تربطه بالمعلم عندما كان الأخير سفيرا في واشنطن في الفترة التي كان فيها نسيب لحود ممثلا للبنان في العاصمة الأميركية. كان في استطاعته مسايرة السوريين في تلك المرحلة وقبلها واسترضاءهم في حال كان يبحث عن مستقبل سياسي خارج المبادئ التي نادى وآمن بها وعمل من أجلها. لكنه لم يفعل. لم يحد قيد أنملة عن المبادئ التي تمسك بها منذ اليوم الأول لدخوله المعترك السياسي.
كان على الزعماء المسيحيين في الرابع عشر من آذار وغير الرابع عشر من آذار السعي الى ضم نسيب لحود الى لائحة المتن بصفة كونه شريكا وليس مجرد باحث عن مقعد نيابي. كان ذلك سيشرّف اللائحة وسيشرف الرابع عشر من آذار كما سيشرف الشخصيات التي تضع يدها في يده وتعمل من أجل استعادة رصيد أخلاقي ما افتقدته عندما خاضت المعركة ضد نسيب لحود في انتخابات العام 2005.
يكفي نسيب لحود شرفا الهجوم الذي شنه عليه أخيرا النائب ميشال عون. كان الهجوم دليلا على أهمية نسيب لحود واستقامته. ميشال عون لا يهاجم الا الشرفاء والأوادم ونظيفي الكف والبعيدين عن الفساد. لا يهاجم الا الذين يمتلكون رؤية سياسية مستقبلية وشجاعة كبيرة ولا يزحفون خلف المال "الطاهر". أنه لا يهاجم الا الناجحين، لا يهاجم الا أولئك الذين يمتلكون الصفات التي يفتقدها والتي لا يمت أليها بصلة من قريب أو بعيد. هل من وسام على صدر نسيب لحود أهم من هذا الوسام، هل من أثبات أهم من هذا الإثبات على أهميته ودوره في أطار "ثورة الأرز" التي طعنها عون في الظهر من أجل وعد بمنصب؟
أخيرا، كانت الطريقة التي أنسحب بها نسيب لحود تليق بنسيب لحود. لم يهاجم أحدا. بقي وفيا لمبادئه ومسيرته السياسية وخطه الواضح. بقي وفيا للبنان ولـ"ثورة الأرز". لم يفعل كما فعل بعض النواب الذين أوصلهم هذا الزعيم السياسي أو ذاك الى مجلس النواب، فإذا بأحدهم يظن أنه صار بديلا من وليد جنبلاط وزعامته...
الأكيد أن انسحاب نسيب لحود ضربة للرابع عشر من آذار. أنها ضربة لمسيحيي الرابع عشر من آذار أولا. نعم، هناك خوف على وطن لا مكان فيه لنسيب لحود، بل فيه أمكنة للتفاهة والتافهين على رأسهم تلك النكتة السمجة التي أسمها الجنرال وبضاعته الفاسدة... بضاعة هذا الزمن الرديء الرديء! خيرالله خيرالله