الانفتاح الأميركي على إيران: حصاد التجربة

بقلم: عياد البطنيجي

تثير الدعوة الجديدة إلى الحوار بين واشنطن وطهران تكهنات كثيرة فيما يتعلق بمستقبل العلاقات الأميركية ـ الإيرانية في ظل إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وبخاصة بعد خطابه الموجه إلى إيران عقب احتفالها بعيد النيروز، ودعوته لفتح حوار بين البلدين.
والدعوة إلى الحوار بين طهران وواشنطن ليست الأولى من نوعها، ففي العام 1998 أدلى الرئيس الأميركي آنذاك بيل كلينتون بتصريح أشبه باعتذار عن تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الإيرانية أبان الإطاحة بمحمد مصدق 1953، وقام خاتمي بالرد قائلا: "إن المبادرات الملموسة وليست الكلمات هي التي تدلل على صدق الولايات المتحدة"، وأعلن عن موافقته لفتح حوار مع إيران، ولكن على أساس الاحترام المتبادل والمساواة.
وفي العام 2000، طرحت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية مبادرة من أجل بدء علاقات جديدة مع طهران. ورغم هذه المبادرات الحوارية والأمل في تدشين علاقات جيدة، إلا أن ثمة قضايا عالقة بينهما، ترتبط بالميراث التاريخي والصورة النمطية التي يحملها كل طرف إزاء الآخر، فضلا عن تعارض المصالح الإستراتيجية الخاصة بكليهما.
وما تريده الولايات المتحدة من إيران هو وقف الجهود الإيرانية في حيازة السلاح النووي، والكف عن دعم ما تسميه واشنطن بالمنظمات الإرهابية، والتوقف عن معارضة العملية السلمية، بالإضافة إلى وقف دعمها للمنظمات العراقة.
وما تريده طهران من الولايات المتحدة، رفع الحظر الاقتصادي عنها، والاعتراف بدورها الإقليمي، والتخلي عن دعم المعارضة الإيرانية، ومعاملتها بشكل يوازي أهميتها الإقليمية والدولية وثقلها الاستراتيجي وتاريخها الطويل، واعتراف واشنطن بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، والحصول على ضمانات أمنية بعدم التعرض لإيران في المستقبل، والحصول على القدرات النووية دون تصنيع القنبلة النووية حاليا، وهي، أي إيران، تتحرك ببطء وبشكل منهجي للحصول على كل العناصر التي تحتاجها لإكمال برنامجها النووي دون أن تضع عمليا اللمسات الأخيرة عليه، ولكنها سوف تفعل ذلك إذا ما صدر قرارا رسميا من القيادة لجعل هذا البرنامج جاهزا، وذلك في حال شعرت طهران بتهديد إستراتيجي من أي قوة عظمى.
وفي هذا الصدد، يتعين على المرء أن يتساءل: ما هي حدود انفتاح الولايات المتحدة على إيران، وبخاصة المسألة النووية، في ظل دعوة الرئيس الأميركي باراك اوباما إلى الحوار مع طهران؟ وهل يصادر عبء التاريخ مستقبل الحوار؟
يحاجج بعض المحللين بأن الإرث التاريخي المثقل بين البلدين يؤثر في تشكيل السياسة الخارجية لكلا البلدين تجاه بعضهما بعضا، وهو ما يضع العراقيل أمام أي انفتاح أميركي على طهران؛ فلم ينس الإيرانيون التدخلات الأميركية في إيران أبان حكم الشاه، وقبل ذلك الإطاحة بمحمد مصدق 1953، وتحويل إيران إلى قاعدة عسكرية أميركية، وفي المقابل لم ينس الأميركيون أزمة الرهائن في السفارة الأميركية في طهران، والتي اعتبرها الإمام الخميني آنذاك بمثابة ثورة ثانية.
وفي ضوء ذلك، وأمام هذا العبء التاريخي المثقل بالآلام والجراح، والذي شكل صورة نمطية سلبية يحملها كل طرف عن الآخر، جعل هؤلاء المحللون يذهبون إلى القول: إن هناك عائقا بنيويا في كل من البلدين تمنع عودة العلاقات الطبيعية والحوار بينهما. ويمكن الرد على هؤلاء المتشائمين من خلال الملاحظتين التاليتين والمتعلقتين بالخبرة التاريخية للصراعات:
الملاحظة الأولى: المستقبل ليس تطورا خطيا للماضي والحاضر، بمعنى أن الخبرة التاريخية لا تصادر ممكنات المستقبل، وهو ما يعني أن صراعات الماضي وتناقضاته ليست ـ بالضرورة ـ مستمرة في المستقبل، ولا توجد حتمية لذلك، إلا بالقدر الذي تستمر فيه أسبابها ودواعيها والسياسات التي أدت إليها.
وبالتطبيق على العلاقات الأميركية ـ الإيرانية، فالحوار والانفتاح بين البلدين، وتعميق الاعتماد المتبادل، وإيجاد صيغ للتعاون فيما بينهما، كل ذلك قد يكون كفيلا بتحويل الخصومة إلى صداقة محتملة.
الملاحظة الثانية: ضرورة التمييز بين وجود تناقضات ومصادر للخلاف والصراع من جهة، وبين انفجار هذه التناقضات وتحولها إلى صراع عنيف أو مسلح أو حروب ومواجهات. وهو ما يعني ضرورة التمييز بين وجود أسباب وأسس لصراع محتمل، وبين نشوء الصراع وخروجه من حيز الكمون إلى حيز الوجود والفعل أو التحقق، وذلك إن الانتقال من حالة الاحتمال أو الكمون إلى حالة التحقق أو الفعل يتطلب التعامل مع مصادر الصراع وأسباب التناقضات بشكل يؤدي إلى انفجارها وتصعيدها، ومن هنا، ضرورة التعامل مع هذه الأسباب والمصادر بالشكل الذي يجعلها في حالة كمون وعدم تحققها في الواقع، وهو ما يؤدي تدريجيا وعلى مدى أطول إلى تسويتها.
وفي ضوء خبرة النزاع بين طهران وواشنطن، فالرصيد التاريخي يقول إن كلا الطرفين استطاع الحفاظ وبشكل كبير على عدم وصول التناقضات التي تكتنف العلاقات بينهما إلى حالة صراع عنيف أو مسلح برغم اللهجة البلاغية والمثيرة للشقاق من جانب الطرفين، وعلى الرغم من حالة العداء المستحكم التي تسيطر على مواقفهما إلا أن الحوار بين الدولتين ظل موجودا حتى في أشد الفترات بين الدوليتين توترا في حدود الاتفاق والاختلاف.
لا تزال إيران والولايات المتحدة مختلفتين بشأن سلسة من المسائل الهامة، التي يتعين على الجانبين التركيز عليها في أي حوار بينهما. لقد طرحت واشنطن لفترات طويلة إستراتيجية تغيير النظام الإيراني من داخل إيران، من خلال دعم أطراف داخلية، ولكن بعد فشل هذه الإستراتيجية، فضلا عن توصل الإدارة الأميركية إلى قناعة، مفادها أن مثل هذه الأنشطة سوف تضر أكثر مما تساعد على تحسن العلاقات بين الجانيين. ومن هنا، طرحت واشنطن هذا الهدف جانبا، وبالتالي ليس من أهدافها تغيير النظام الإيراني.
وفيما يخص قضية الإرهاب، فواشنطن تتهم إيران بدعمها لما تسميه بـ"المنظمات الإرهابية"، وشروع طهران على نطاق واسع في استخدام الإرهاب. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن واشنطن لم تتهم طهران بممارسة أنشطة إرهابية واسعة معادية للولايات المتحدة.
وبخصوص هذه القضية، من الممكن التوصل لشكل من التسوية بين الطرفين، وقد تعاون الطرفان في بعض القضايا المتعلقة بالإرهاب، فبعيد إحداث 11 سبتمبر سلمت طهران واشنطن معلومات استخباراتية عن تنظيم القاعدة.
أما بخصوص إسرائيل، ثمة موقف إيراني واضح إزاء إسرائيل، ألا وهو رفض ملالي طهران الاعتراف بدولة إسرائيل، فالاعتراف بهذه الأخيرة يتعارض بشكل قاطع مع الإيديولوجية الإيرانية. ولكن مقابل هذا الموقف الإيراني، قد لا تلح واشنطن على أن تعترف طهران بإسرائيل أو أن تؤيدها، أو أن تقدم طهران دعما نشطا لمفاوضات السلام العربية- الإسرائيلية، مقابل ذلك سوف تصر واشنطن على ألا توفر طهران أموالا وأسلحة وتدريبا للجماعات الفلسطينية المعارضة لاتفاق السلام مع إسرائيل.
وفي ضوء ذلك، مسموح لطهران أن تعبر بحرية عن موقفها الخاص الداعم للقضية الفلسطينية، ويمكن لها أن تنتقد إسرائيل. وفيما يخص أفغانستان والعراق، فقد تعاون الطرفان في هاتين القضيتين، حيث أوقفت طهران في بعض الفترات دعمها للمليشيات العراقية، ففي أواخر ديسمبر 2008، تعهد الرئيس الإيراني لرئيس الوزراء العراقي المالكي بالمساعدة في وقف نقل الأسلحة وتمويل ودعم الميليشيات وحركات التمرد الأخرى عبر الحدود الإيرانية.
وبالتالي، يمكن القول إن واشنطن وطهران لا يمكنها إحراز تقدم إلا إذا تمكنتا من التوصل لحل وسط بشأن العراق وأفغانستان. وتدرك طهران أنها لا يمكن إيجاد دولة عميلة لها في كلِ من العراق وأفغانستان، ولكن يمكن خلق دولة صديقة ومستقرة في كلا الدولتين. وكذلك الأمر مع واشنطن، فهي لا ترغب في إطالة أمد وجودها في العراق وأفغانستان، وترى أن الاستقرار الإقليمي أمر ضروري وهدفها الرئيسي. لذا، فمن مصلحة كلا الطرفين التعاون في سبيل ذلك. المسألة النووية
وأخيرا المسألة النووية الإيرانية، فهي لا تزال المسالة الأشد خطورة التي تؤثر على العلاقات الأميركية ـ الإيرانية، وما زال هذا الملف يتسم بحساسة شديدة, فهي القضية الوحيدة التي أشارت واشنطن أنها قد تستخدم تجاهها الخيار العسكري إذا ما فشل الخيار الدبلوماسي.
ولا نبالغ إن قلنا، إن الحوار الأميركي ـ الإيراني لا معنى له من دون التوصل إلى حل للمسألة النووية الإيرانية؛ لأن الحوار بين الجانبين لم ينقطع في القضايا التي أوردناها فما سبق، وبالتالي فإن دعوة اوباما للحوار مع طهران تتعلق بالمسألة النووية، والتوصل إلى حل مرضٍ لطرفي النزاع.
وحقيقةً، إن اللغة الدبلوماسية التي ينطق بها اوباما إزاء طهران، تشكل تحديا كبيرا لطهران، وإن شئنا الدقة، ستكون فترة إدارة اوباما مفصلية، فيما يتعلق بالمسألة النووية الإيرانية: إما التوصل إلى تسوية شاملة، وإما إلى مواجهة شاملة.
وأتصور أنه ليس من حنكة الطرفين الوصول للخيار الثاني؛ فقد أثبتت التطورات أن كلا الطرفين لم يدفع الطرف الآخر نحو حافة الهاوية، فإن شدت واشنطن رخت طهران.
ولعل المستقبل القريب يحمل تطورات هامة بخصوص العلاقة بين الجانبين في المسألة النووية، وبخاصة مع العقلية الجديدة التي يتعامل بها الرئيس أوباما مع طهران: عقلية الحوار والتشاور من دون شروط مسبقة، أضف إلى ذلك، أن اوباما يسعى بهذه اللغة الدبلوماسية لكسب الرأي الدولي إلى جانبه من خلال تشكيل تحالف دولي مؤيد لسياسته، وبخاصة محاولته في مغازلة وخطب ود روسيا لمنعها لمساعدة إيران في برنامجها النووي.
وهذا بالتحديد ما يشكل تحديا كبيرا لطهران، أي أن المكاسب الدولية التي قد يحققها اوباما، سوف تكون على حساب المكاسب الإيرانية، وهو ما يعني إحراج إيران وخسارتها للدعم الدولي.
ومع عدم التعاطي الإيراني بمقاربة جديدة لهذا التحدي، سوف تدفع النظام الدولي نحو المواجهة معها، ولا أتصور أن إيران من الغباء بأن تدفع بهذا الاتجاه، فقد عُرف عن قيادتها الحنكة والذكاء في إدارتها للأزمة النووية، وبالتالي فهي لا ترغب بخسارة جهود سنوات طويلة من العمل المضنِ فيما يخص المسألة النووية.
ولكن التساؤل الذي يثار في هذا السياق هو: ما حدود الاتفاق الذي يمكن أن يقبل به الطرفان بخصوص المسألة النووية؟
أولا، فيما يتعلق بالموقف الإيراني: إن الثابت الإيراني في هذه المسألة أنها لن تتخلى عن أنشطتها النووية، وإنها لن تعلق النشاطات النووية الحساسة مهما كلفها هذا، وإنها ترفض بشكل مطلق تخصيب اليورانيوم على أراضي غيرها، فهي لا تقبل بذلك إلا على أرضها، والاستمرار في تطوير تكنولوجيا نووية إيرانية لخدمة أغراض التنمية في المجتمع الإيراني، وهو ما تعتبره إيران احد الثوابت الهامة في سياستها الخارجية، وهذا الأمر متفق عليه من قِبل التيارين الرئيسيين في طهران، الإصلاحيين والمحافظين.
ثانيا، فيما يتعلق بالموقف الأميركي: ترفض واشنطن أن تمتلك طهران أسلحة نووية، هذا الثابت لا يمكن لواشنطن التنازل عنه والقبول بإيران نووية.
وأمام هذا التناقض بين الموقفين، ثمة موقف وسط يرضي الطرفين، وفي تصوري سيكون هو السيناريو الأنجع للتعامل مع هذا التناقض بين الطرفين، وهو أن طهران تقبل بمراقبة الوكالة الدولية على أنشطتها النووية داخل مواقعها النووية. وواشنطن تقبل بتخصيب اليوارنيوم داخل المواقع الإيرانية بغرض الاستخدامات السلمية، ولكن تحت إشراف ومراقبة دوليين، حتى لا تحول طهران هذا البرنامج إلى برنامج عسكري. وعليه، فإن إيران تبدو مرنة فيما يتعلق بالإشراف على مشروعها النووي، ما دام هذا لن يمنع حصولها على التقنية النووية.
هذا السيناريو يحقق مصالح الطرفين. فمن جانب طهران استطاعت بذلك أن تخصب اليورانيوم على أرضها، وهو إنجاز يرضي طموحها النووي في ظل الواقع الدولي الراهن. أضف إلى ذلك إنها حالت دون تشكيل جبهة دولية ضدها بقيادة اوباما، وبالتالي تخلصت من الضغوط الدولية التي لا يمكن التخلص منها إلا بهذه الطريقة، أي بالإشراف ومراقبة مفاعلها النووي، وبالتالي فهي حافظت على انجازاتها النووية.
ومن جانب واشنطن، فإنها استطاعت أن تشكل تحالفا دوليا يحول دون سعي إيران إلى تحويل برنامجها إلى برنامج عسكري، وذلك من خلال المراقبة والإشراف الدوليين، وهو ما يعني تكبيل إيران باتفاقيات ـ بموافقة روسيا والصين وتحت إشرافهما ـ تمنعها من التحول إلى قوة نووية عسكرية، لأن ذلك سوف يدفع النظام الدولي، بجانب روسيا والصين، إلى اتخاذ خطوات إجرائية قاسية ضد طهران.
لذا، فإن هذا التصور حول الحوار الأميركي ـ الإيراني، وبخاصة في شأن المسألة النووية، واحتمال تشكل ترتيبات جديدة في المنطقة، والسماح لإيران بدور فاعل في المنطقة، هو السيناريو الأقرب إلى التحقق، وليس شرطا أن يكون ذلك من خلال التوصل لحل جذري للخلاف فيما بينهما، بل في الحفاظ على التناقضات في حالة كمون، والتركيز على النقاط التي يمكن التوصل إلى اتفاق بشأنها. عياد البطنيجي
باحث في الشؤون السياسية albutniji.maktoobblog.com