أيها السينمائيون اذهبوا قليلا إلى المكتبة

بقلم: عبدالرحيم العطري
متى يتصالح السينمائيون مع الأدب المغربي؟

وأخيرا انكتبت المشاهدة، ويا ليتها لم تنكتب، لأنني كنت قبلا، متواطئا مع قبيلة السينمائيين، ومعتبرا إياهم مخرجين فوق العادة، وأنهم يعانون أكثر في الزمن المغربي الذي تتعالى فيه الكثير من الحروب القيمية وفق أجندة سياسية معلومة، لكن بعد المشاهدة التي تأتت بخمسة دراهم فقط لقاء نسخة مقرصنة، وليس بثمن خيالي في "المارشي نوار" كما حدث بالرباط والدار البيضاء للعديد من عشاق الشاشة الكبرى، لكن بعد هذه المشاهدة وجدتني أصرخ عاليا: أيها السينمائيون المغاربة اذهبوا قليلا إلى المكتبة، على عكس ما صاح به الشاعر جلال الحكماوي يوما في انشقاق شعري مائز "اذهبوا قليلا إلى السينما."
حاولت في البدء مشاهدة الفيلم بعيدا عن الكتابات التي أمطرته، إما بالاحتفاء أو التبخيس، أملا في الخروج بقراءة موضوعية، تقطع مع "الخطاب التمجيدي الساخن أو النقد التعميمي البارد"، فكانت هذه الورقة وهذه الصيحة التي نتمناها ألا تكون في واد كما المثل العربي "أيها السينمائيون اذهبوا قليلا إلى المكتبة."
لنعترف في البدء بأن فيلم "كازا نيكرا" مائز جدا على مستوى الإخراج، ثمة إبداع حقيقي يلوح في التصوير والموسيقى واختيار الممثلين وإدارتهم، فالفيلم في مستواه التقني يؤشر على حرفية عالية راكمها المخرج نور الدين لخماري، الذي يعد ابنا شرعيا للفن السابع، وليس طارئا عليه كما العديد من المخرجين الذين لا تربطهم بالسينما إلا كعكة الدعم.
من جهة ثانية فالفيلم يكشف جانبا من انمساخ العلاقات الاجتماعية، وتفسخ القيم وسيادة منطق السوق والاستهلاك والاستغلال، فالبيضاء ما عادت بيضاء، إنها تستحيل قاتمة وفجائعية، يموت فيها الإنسان ويسقط عميقا، في استعادة ممكنة لما ذهب إليه نتشه يوما وهو يصدح عاليا "هل مات فينا الإنسان؟".
الفكرة المؤسسة للعمل، كفكرة فارقة تطرح تيمة موت الإنسان وانمساخ الأحلام وانسحاق الفرد، ولا يمكن لمشاهد الفيلم إلا أن ينتصر لها وأن يصفق بحرارة لصاحبها، مما يدل على أننا أمام مخرج منشغل بما يجري حوله من تغيرات تبصم مسار الأنساق السوسيوسياسية.
لكن بالنظر إلى اللغة التي اعتمدها السيناريست في التعبير عن هذا المسخ والانهيار، فإن الأمر يطرح أكثر من علامة استفهام حول المقصد من اعتماد قاموس بذيء للتعبير عن كل هذه الاختلالات، فهل من الضروري فعلا أن نستعيد لغة الشارع البذيئة لكي نعبر عن العنف والعنف المضاد؟ هل من الضروري أن نصور الممثل إدريس الروخ وهو يمارس العادة السرية لنكشف عطبه النفسي؟ هل من الضروري أن يمطرنا كل الممثلين المشاركين في الفيلم (باستثناء من يحترمون أنفسهم) بكل تلك الكلمات النابية كلما آن دورهم؟
إن الجرأة على مستوى الكلام النابي تستحيل وقاحة والحالة هذه، والدليل أن لا أحد من المشاركين في الفيلم، ممن يحترمون أنفسهم، بمقدوره التفرج على الفيلم برفقة عائلته، كما أن الجرأة لا تكون دوما في الاشتغال على تيمة الجنس أو العنف، بل يمكنها أن تكون جرأة في حالة معانقة المسكوت عنه في شأن التدبير السلطوي بعيدا عن كليشيهات سينما سنوات الجمر والرصاص، بل عن الواقع الراهن الذي لم يستطع فيه ما يسمى بـ "الانتقال الديمقراطي" الخروج من عنق الزجاجة، بما يدل على أن مخزن اليوم ما هو إلا نسخة مزيدة وغير منقحة لمخزن الأمس. فهل بمقدور سينمائيي الجرأة المفتوحة على الجنس والكلام النابي الاقتراب من هكذا مواضيع؟
لو كان الكثيرون من آل السينما بالمغرب ينفتحون على الأدب المغربي، لاكتشفوا نصوصا بهية تستحق فعلا أن تستحيل أفلاما سينمائية رائعة، ولاكتشفوا أن مبدعا رائعا مثل الحبيب الدائم ربي استعاض عن عبارة "ينعل ديـ..." بأخرى أكثر جمالية وأقل إيذاءا وهي "يلعن ذيل أم الكلاب"، ولو كانوا ينفقون وقتا أطول في مرافقة خير جليس، لأتاهم الخبر اليقين بأن الرائع عبدالكريم برشيد في احتفاله المسرحي "يوميات صعلوك متشرد: احتفال مسرحي في اليوم الثامن من الأسبوع الخامس من الشهر الثالث عشر"، كان يصف على لسان صعلوكه واقعا من الزيف والانهيار، أكثر مما يكشفه فيلم "كازا نيكرا"، بلغة رشيقة لا تخدش حياء ولا تغرق في الاستعراض الفج لعنف اللحظة. كان صعلوكه يقول "يا أولاد الفاعلة" ولم يكن يردد ما فاجأنا به عدد من الممثلين المغاربة الذين نكن لهم فائق التقدير.
لا بد وأن السينمائيين المغاربة يعرفون ممثلا شهيرا إسمه توم هانكس، ولا بد أنهم يعرفون فيلمه التحفة terminal، فهل في هذا الفيلم كلمة نابية واحدة؟ ومع ذلك فإن الفيلم حقق أعلى الإيرادات وتحصل على أهم الجوائز، فالألق العالمي لا يكون بسبب كلام بذيء أو لقطة جنسية فضائحية، بل يكون بالإبداعية نصا وتمثيلا وإخراجا فضلا عن باقي المؤثرات الأخرى. ليس الجنس ما يصنع النجومية، ولو كانت أرقام الشباك مرتفعة، فما يبقى ويستمر في العمق هو الاشتغال الذكي على الفكرة.
لهذا تنزاح العبارة تلو العبارة، وتنكشف الحاجة إلى القراءة لدى كثير من السينمائيين المغاربة، ليس بمعنى أنهم أميون، ولكن بمعنى أنهم لا يريدون إقامة صلح مع الأدب المغربي، وهذا ما يعبر عنه القاص والروائي نور الدين وحيد، وهو الذي رفع أخيرا دعوى قضائية متعلقة بحقوق تأليف سيناريوه "وليدات كازا"، وذلك ضد شركة "سيني سين أنترناسيونال"، لصاحبها المخرج عبدالكريم الدرقاوي.
يقول وحيد في هذا الصدد "فمنذ ما ينيف عن عقدين من الزمان، والكل يردد أن السينما المغربية تعاني أزمة نص، وكأن محمد شكري ليس كاتبا، مع أن جلهم لا يسعى إلى الخروج من معطفه، وكأن جارات أبي موسى (لأحمد التوفيق) ليست نصا أدبيا، مع أنها من أجود ما كتب المغاربة."، مضيفا أنه "آن الآوان للإقرار بأن السينما المغربية لا تعاني أزمة نص، ولكن أزمة إخراج، والإقرار بهذه الحقيقة سيحيل وجوها كثيرة على تقاعد، قد لا يكون مريحا."
فلماذا يخاصم السينمائيون المغاربة الأدب المغربي؟ ولماذا يستمر الطلاق بين السينما والأدب هنا والآن؟ ولماذا ستظل لازمة المخرج السوبرمان، والذي يخرج ويؤلف ويمثل ويولف و....حاضرة باستمرار في أجندة اشتغال اللاهثين وراء الدعم؟ وأليست هناك حاجة إلى مدقق أنثروبولوجي، لن نتحدث عن المدقق اللغوي، لتصحيح الكثير من الأخطاء البدائية التي يقع فيها مخرجونا على مستوى اللباس واللهجة والأكسسوارات؟
إنها أسئلة لا تنطرح إلا قليلا في اشتغال "النقد" السينمائي المغربي، وتلكم طامة أخرى. عبدالرحيم العطري
كاتب وباحث سوسيولوجي