صفحات من كتاب الأحياء والموتى

قصص قصيرة جدا بقلم: مصطفى نصر
لحظات انتظار

لحظات انتظار اقترب الرجل المسن من حفار القبور، مد له يده فصافحه مبتسما.
يعرفه حفار القبور منذ سنوات بعيدة جدا، قال الرجل:
- أريدك أن تفتح المقبرة.
تغيرت سحنة الحفار، تعوّد هذه الطريقة مع عملائه، عندما يعلنون عن رغبتهم في فتح المقبرة؛ يتظاهر بالحزن؛ وهو سعيد لأن رزقا آت إليه.
نظر حوله باحثا عن مساعديه ليقوموا باللازم. فأمسك الرجل المسن يده قائلا بصوت خافت:
- افتحها يوم الثلاثاء القادم.
- اليوم السبت، ستأتي الجثة من بلد بعيد؟
- لا، أخي محكوم عليه بالإعدام. لقاء كان ينام بجوار زوجته شاردا، المرأة تطلق غطيطها العالي وهو يفكر. في الغد سيلتقي بابنته التي أوحشته كثيرا؛ فسوف يفتحون المقبرة ليدفنوا الحاجة صبحية. ابنته ماتت منذ شهور قليلة، سيفتحون المقبرة المدفون فيها ابنته؛ ابنة التاسعة، سخنت وماتت خلال أيام قليلة. سوف ينزل المقبرة مع اللحادين، ويكشف الغطاء ليرى وجهها.
أراد أن يوقظ زوجته ليحدثها عن ذلك، لكن المرأة أصدرت صوتا عاليا وانتقلت بجسدها الممتلئ للناحية الأخرى.
***
عندما جاء الرجال استعدادا لنقل جثة الحاجة صبحية إلى المدافن؛ كان يفكر في هذا اللقاء. صافحه الرجال المعزون، فلامس بيده أياديهم آليا دون قول.
وقف أمام المقبرة، نزل اللحاد ومساعدوه لإكمال الإجراءات فصمم أن ينزل معهم، ظن الناس أن هذا بسبب شدة حبه للحاجة صبيحة.
ترك الجميع يعملون، ومد يديه، وأمسك كفن ابنته الذي يعرفه جيدا، رفع الكيان الممتد أمامه بصعوبة، كان يهتز، عظام تصنع صوتا، أحد اللحادين، لامه لذلك، تحركت العظام بين يديه، وكادت تخترق الكفن المهترئ وتقع. فاهتز جسده كله وأحس بالخوف، اللحادون تركوا عملهم وحملوا الكفن عنه.
كاد يقع على الأرض، فحملوه ورفعوه لأعلى، أرتمى على الأرض الترابية فاقدا للوعي.
ظل نائما في بيته لثلاثة أيام، شاردا، وتائها عن الحياة حتى مات. إحباط عانده النوم، قال لزوجته التي تنام وحدها على السرير المجاور: نمتِ؟
فهمت مقصده، فقالت في ضيق: إنني متعبة.
لم يجبها، أحس بالأسى والإحباط؛ وتمنى النوم، رأى المرأة التي علمته العشق، هي أكبر منه بسنوات كثيرة، كان في بيتها المزدحم بالناس، ربما هناك مناسبة، زواج بنت من بناتها، أو عيد ميلاد ابن من أبنائها، أخذته في حجرة خالية، بعيدا عن زوجها الذي يحادث الضيوف في حجرة أخرى، وكشفت عن ساقيها، وأعطته نفسها.
صحا من نومه سعيدا منتشيا، لكن الأسي والإحباط عاوداه بعد أن تذكر أنها ماتت منذ أكثر من عشر سنوات.

مصطفى نصر ـ الإسكندرية