الخليج: مسرح للمهرجانات لا مهرجانات للمسرح

بقلم: د. حمدي الجابري
محطة مختلفة

إنتهت عروض الفرق المسرحية الخليجية المشاركة في مهرجان المسرح الخليجي العاشر الذي يقام للمرة الثالثة في الكويت بنجاح يحسب لبدر الرفاعي رئيس المجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب.
وتحمل الكثير من أجل الوصول بالمهرجان إلى بر الأمان وسط المنافسة المتكررة دون جدوى للحصول على الجوائز التي يقنع بها أصحابها دون أن يكون لها أى رصيد على مستوى الواقع المسرحي الخليجي الذي وصل إلى درجة أثارت دهشة الجميع، فطالبوا في هذا المهرجان وفي غيره بإعادة النظر في واقع المسرح الخليجي بل وفي جدوى وأهمية المهرجانات المسرحية نفسها مادام الحال المسرحى قد وصل إلى الإعتراف بأن المهرجانات المسرحية لا تعبر عن الواقع المسرحي "المريض".
وتنافست في مهرجان المسرح الخليجي العاشر الدول الست بمسرحيات نورة (قطر)، اللوال (الإمارات)، المحمل (البحرين)، موت مؤلف (السعودية) والمزار لعمان، وفاز العرض الإماراتي بنصيب الأسد في جوائز المهرجان.
كما تم تقديم التكريم التقليدي لعدد من المبدعين الخليجيين وهم هذا العام فالح فايز (قطر)، محمد آل علي (الإمارات)، خليفة العريفي (البحرين)، ابراهيم الحمران (السعودية) ومن الكويت محمد المنصور وأحمد الصالح وإبراهيم الصلال.
ومع ذلك فإن مجموعة من المكرمين أنفسهم كانوا آخر من طالب بإعادة دراسة واقع المسرح الخليجي لعدم رضاهم عن الحالة التي وصل إليها!
أما الندوات الرئيسية والتطبيقية للمهرجان، فيبدو أن أصحاب المهرجانات قد أصابهم اليأس من جدواها فقرروا أن تكون الندوة الرئيسية عن "المهرجانات المسرحية" على أمل أن ترشدهم إلى حقيقة المهرجانات المسرحية وهو أمر أيضا بعيد المنال بسبب "زبائن المهرجانات" الذين يتنقلون بينها حتى أطلق بعضهم عليهم أنهم قد أصبحوا "كائنات مهرجانية" يتقافزون بين المهرجان وفنادق الخمس نجوم ولا مانع من مشاركة "علماء الرصيف المسرحي" في التنظير للرقي بالحركة المسرحية العربية التي ساهموا هم أنفسهم في إفسادها منذ سنوات طويلة.
الحقيقة أنه وسط فوضى المهرجانات المسرحية في العالم العربي التي أصبحت من أهم معالم المسرح العربي وربما أكثر شهرة من الإبداع المسرحي نفسه، يظل المهرجان الخليجي من المهرجانات الراسخة الجديرة بالتقدير بين المهرجانات الوهمية التي تقيمها جمعية خاصة هنا أو هناك أو فرد مسؤول في بلد ما يبحث عن بعض الشهرة فيسخر إمكانيات موقعه الرسمي لإقامة مهرجان للمسرح يُعقد وينتهي دون أن يعرف أحد حقيقة ما إذا كان ذلك لخدمة الحركة المسرحية العربية أم لخدمة صاحب المال.
الغريب بالفعل أن بعض الدول الخليجية التي لا يوجد لديها مسرح أساسا تسارع لإقامة مهرجان للمسرح مثل مهرجان المونودراما الإماراتي، والأغرب أن معظم هذه الدول لا تشكل ليالي العرض الفعلية لمسرحياتها طول العام عدد أيام المهرجان الخليجي نفسه، ومع ذلك تمتلئ الصحف بأخبار هذا المسرح الوهمي الغائب ومهرجاناته !!
هذا ومن المنطقي أن يكون المهرجان، أي مهرجان، التتويج النهائي لمجمل الإنتاج المسرحي في العام أو الموسم المسرحي الذي مات تقريبا في الخليج، ومع ذلك لم يخطر على البال حتى اليوم مجرد تقديم بيان حقيقي لعدد ليالي العرض الفعلية للمسرحية أمام جمهور بلدها قبل خروجها لتمثيل وطنها في الخارج.
الحقيقة هي أن مهرجانات المسرح العربية ليس لها من إسمها نصيب لأنها مجرد مسرحيات يتم إنتاجها وتقديمها لأول مرة في المهرجانات وبالتالي يمكن أن يكون إسم المهرجانات المسرحية المناسب والحقيقى "مسرح للمهرجانات" وليس "مهرجان للمسرحيات" يتم فيه الاحتفاء بالمسرحيات التي تم عرضها في الموسم المسرحي بالفعل.

وبالطبع لن نستثني مصر من ذلك بعد أن استسلمت وزارة الثقافة لجمعية فرق الهواة التي أقامت مهرجانها الخاص رغم أنف الحكومة.
تبقى الإشارة إلى حقيقة أخيرة: المهرجان تنظمه منذ إنشائه لأول مرة لجنة تابعة لمجلس التعاون الخليجي. ونفس اللجنة مستمرة في نفس العمل منذ المهرجان الخليجي الأول في الكويت عام 1988.
وبالتالي فمن المنطقي ان يكون للمهرجان نفس السمات والأفكار والأساليب وكذلك الأهداف البراقة المعلنة رغم عدم تحققها.. أيضا منذ المهرجان الأول. وإذا كان تداول الأفكار والمراكز أمر محمود تطالب به التجمعات الثقافية والأفراد فمن الأولى ان يعيد مجلس التعاون الخليجي النظر في الأمر وهو ما لن يتحقق ببساطة لأن المجلس نفسه لا يعترف حقيقة بالمسرح ومهرجانه الخليجي الأول أو العاشر.
والدليل أن موقع المجلس على النت لا يسجل أى نشاط للجنة التابعة له بل وحتى إسمها لا وجود له. والأكثر أنه بالبحث في الموقع عن اللجنة ونشاطاتها ومطبوعاتها لا يعترف الموقع بعدم وجودها ويكتفي بتأكيد أن ذلك موجود في مكان يحدده.
وسرعان ما يكتشف المرء أنه مجرد إرشاد مضلل. فهل يحق لنا بعد ذلك أيضا أن نأمل في وجود مهرجان ومسرح خليجي حقيقي في ظل هذا الوضع الغريب؟