ضرورة الحرب الفكرية على الاستبداد

بقلم: محمد الصادق

معرفة نقاط ضعف النظام المستبد. وبالتالي فان محاولة الضغط عليها أو حتى ضرب المنطقة الرخوة التي لا يستطيع الاستبداد التأثير عليها أو حمايتها بشكل كامل سيجعل الاستبداد منهكا. لذا نحن بحاجة الى تعبئةٍ وتحشيدٍ تشن من خلالهما حرب فكرية ضد الاستبداد أشبه بحرب عصابات يمارس فيها الفكر المتنور عملية الكر والفر وصولاً لاستنزاف قوى الاستبداد حتى وفاته.
لو قدر للكواكبي المتوفى قبل قرن من الزمان صاحب كتاب (طبائع الاستبداد) أن يُبعث من جديد كما يعتقد المسيحيون ببعثة النبي عيسى عليه السلام لأصيب بإحباط شديد نتيجة ما وصلت إليه الأمة العربية على مستوى الاستبداد وهو الذي أفنى 30 عاما من عمره لتشخيص داء الاستبداد. وقد يصاب بالدهشة أيضاً لمقدرة الاستبداد الفائقة على التكيف والتأقلم مع متغيرات العصر وتطور قدرته على استخدام التكنولوجيا الحديثة بما تملكه من قوة لترسيخ استبداده. للأسف الشديد استطاع الاستبداد في الأمة العربية أن يتحول الى وحش أسطوري حيث يعي جميع الناس خطورته وتأثيره على حياتهم اليومية ولكنهم عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم تجاه بطشه وجبروته أو حتى مقاومته بالطريقة المثلى.
المثير والمخيف في ذات الوقت أن المستبد يستطيع الاستفادة بشكل كبير من كل شيء بداية من السياسة مرورا بالدين والاقتصاد وصولاً للثقافة للإمعان في الاستبداد ولترسيخه وتثبيت جذوره في المجتمع، كل هذا وكأنه قدر محتوم لا نستطيع الفكاك منه.
إذاً هناك وحش كاسر على شكل سلطة وشعب مكسور، سلطة تستبد وشعب مستبد به تربطهما علاقة عكسية نفسية، تهيئ هذه العلاقة الشعب إلى المدى الذي قد يصل له المستبد في جوره وطغيانه حتى يتسنى للمستبد إدامة الاستبداد أطول فترة ممكنة دون أي حراك يزعجه، فليست هناك مواصفات محددة للمستبد ولا للشعب المستبد به ولا يوجد استبداد ثابت فكلاهما يعتمد على عقلية وسلوك الطرفين، عقلية وسلوك المستبد والأدوات التي يستخدمها لممارسة الاستبداد وعلى عقلية وسلوك الشعب المستبد به والأدوات التي يتعاطى من خلالها مع ذلك الاستبداد. لذا كان الاستبداد دوماً جاهزا ومتيقظا لسلوك الشعب كونه يملك الإمكانيات المادية والبشرية التي تجعله على علم بنفسية الشعب وتوقع تحركه مقدماً إما عن طريق المستشارين المحترفين المحليين واما الأجانب ممن يمتلكون دهاءً وخبثا قد لا يتمتع به المستبد نفسه. لكن هذا لا يعني عدم مقدرة الشعب على تلافي الاستبداد فارتفاع وانتشار حركة الوعي لدى الشعب سوف تؤدي حتماً لانخفاض الاستبداد، فهي كما ذكرنا علاقة عكسية، لذا ينبغي السعي لإيجاد حركة وعي جمعي؛ حركة تقوم بتعقب فتات وشتات الوعي وتجميعه وتركيب أجزائه حتى يتكون هذا الوعي الجمعي. حركة الوعي الجمعي التي نفترض استحداثها يوماً تعي خطورة وفتك الاستبداد ومن ثم القيام بعملية التفكير في كيفية محاربته بعقل جمعي شأنه شأن الكوارث والأزمات التي تؤثر على معيشة الإنسان ومحاولة ابتكار الحلول لتلافي الأخطار. محمد الصادق Mohamed.alsadiq@gmail.com