عبد الوهاب: ألحان اليوم ألحان أنابيب

بقلم: محمد الحمامصي
'الغناء كالعملة، كانت ذهبا فصارت ورقا'

آراء المطرب والموسيقار الكبير الراحل محمد عبد الوهاب التي تضمنها كتابه الذي أعده وقدم له الشاعر فاروق جويدة وصدر أخيرا عن دار الشروق بعنوان "رحلتي.. الأوراق الخاصة جدا"، لن تختلف كثيرا إن لم تكن تنطبق على أحوالنا اليوم.
وكأن عبد الوهاب الراحل عنا منذ 1991 يعيش بيننا الآن، فهو يرى أن الفن "باظ"، والحياة "فسدت"، ولا شيء هناك يمثل قيمة مضافة أو يسعى لأن يمثل قيمة، ولنقرأ معا هذه السطور لنكتشف حجم الخسارة التي خسرناها ولا نزال نخسرها في ظل لامبالاة تترسخ يوما بعد يوم بين أهل الصفوة منا والجماهير العريضة.

تجارة الشنطة يعلن عبد الوهاب: أستطيع أن أسمي الفن اليوم فن تجارة الشنطة، فالفن اليوم يشبه أسلوب تجارة الشنطة، فهناك نفر من اللصوص يسرقون الفن من الإذاعات والتسجيلات الأصلية على كاسيتات ثم يضعونها في شنط ثم يذهبون بها إلى بائعي الأرصفة ويبيعونها لهم وهم بدورهم يبيعونها للمارة علي الأرصفة.
يا للحسرة.. المؤلفون على الأرض.. والملحنون على الأرض.. والمؤدون والعازفون على الأرض.. وربما كان هذا الجزاء الطبيعي لما وصل إليه الفن من انحدار.
لقد كان الفنان في السابق يخرج بهوايته الصافية فنا يستمتع به المثقفون.. وإذا استمتع المثقفون بفن فلا بد أن تستمتع الجماهير غير المثقفة ولو بعد حين، وربما تأخر تقديرهم لهذا الفن، ولكنهم في وقت ما يتلذذون به.
وأما الفن الذي يخرج للجماهير غير المثقفة فلا يصل إلى إعجاب المثقفين في الغالب، أي أننا إذا شبهنا الجماهير كشكل هرمي، المثقفون في القمة وغير المثقفين في السفح، فإن الفن يخرج مباشرة إلى القمة أي إلى المثقفين ثم يهبط رويدا إلى السفح أي إلى غير المثقفين، وأما الآن فالفن يخرج إلى السفح أولا وهيهات له أن يصعد إلى القمة.

مطربجست هذا الزمان

يتساءل عبد الوهاب: لماذا اندثر المونولوج؟ الذي كان يتزعمه إسماعيل يس وقبله حسين المليجي وثريا حلمي، ويجيب قائلا: كان المونولوجست في السابق يعتمد على رشاقته وخفة ظله والحركة والنقد المعبر واللحن البسيط الذي يحفظه الجمهور بسرعة.

وكان بين المونولوجست والمطربين فارق كبير جدا، فلا شك أنه يوجد فرق كبير بين قدرات أم كلثوم الصوتية وثريا حلمي، لا الأسلوب اللحني هو الأسلوب، ولا القفلة هي القفلة، ولا النبرات هي النبرات.
أما الآن فالمطربون والمطربات يغنون ألحانا كألحان المونولوج من حيث الأسلوب اللحني، جمل بسيطة أي إنسان يمكن أن يؤديها لأنها لا تحتاج إلى قدرة صوتية، كل الفرق أن المونولوج به كلمات ناقدة مثلا أو كلام يثير الضحك، والمطرب يغني على هذا الأسلوب اللحني كلمات عاطفية، أي أن المطربين هم الآن مونولوجست فعلا، فلا داعي لوجود مونولوجست اسما، لذا أقترح أن يسمي المطرب نفسه الآن "مطرجست" أو "مطربجست"، وبمعنى بسيط أصبح المطربون الآن يغنون بالأسلوب اللحني للمونولوج وبقدرات المونولوجست بكلام عاطفي.
لماذا استغنى الجمهور بمطرب اليوم عن مونولوجست أمس، ونعود للسؤال: لماذا انقرض المونولوج؟ والجواب لأن مطربي اليوم هم مونولوجست لحنا وصوتا وحركة.

ألحان وأخلاق العرب يرى عبد الوهاب أن الألحان العربية منبثقة من أخلاق العرب، ويقول: الخلق العربي ليس له خطوط واضحة، فالأخلاق العربية تعتمد على المجاملة الكثيرة ذات اللف والدوران والزخرفة الكلامية والفهلوة وسرعة الخاطر وخفة الدم والحس المادي وكل هذا يتجلى في ألحاننا، الزخرفة الصوتية المستمرة وزخرفة العازف، خصوصا العزف المنفرد حيث نلاحظ في عزفه "الرغي" المستمر في الجمل اللحنية، ومخاطبة الحس المادي ومخاطبة الحس الجسدي بتصفيق الأيدي وضرب الأرجل والصفير والزعيق، بعكس الألحان الغربية فإنها تحاكي أخلاقهم، الخطوط المضيئة، الأعمدة الواضحة، الاعتماد على أسس واضحة من التفاصيل، إنها تشدك إلي التفكير البعيد أكثر مما تشدك إلى متعة اللحظة الحاضرة، وأعترف أننا بدأنا ولكن أمامنا الكثير لنغير أخلاقنا فتتغير موسيقانا.

آخر "بَوَظان" يقول عبد الوهاب في أوراقه الخاصة أن الحياة في مصر آخر "بوظان"، فالمرافق بايظة والشوارع بايظة والكهرباء بايظة والمياه بايظة والتليفونات بايظة وموظفو الحكومة بايظين كل شيء بايظ.
حاولت الحكومة إيجاد علاج وكونت لجانا متخصصة وندوات وكتبت الجرائد في العلاج عن طريق العلماء والمتخصصين ولم ينصلح شيء، لأن البوظان بوظان بشري أولا.
على كل حال ما دامت الحكومة عملت اللي عليها جزاها الله كل خير وإن لم تتمكن من الإصلاح، يخيل لي بعد أن استنفدت جميع الوسائل، فالوسيلة الوحيدة التي بقيت أمامنا الآن للإصلاح هي الدعاء، فلنبتهل بالدعاء فلعل في الدعاء ما هو أنفع من المجهودات الجبارة التي قام بها العلماء فلم يبق إلا دعوات المؤمنين.
لقد شاهدت مسؤولا بالتليفزيون يدلي بأخبار ويحيط به الفضوليون بالميكروفونات، ورأيت ميكروفونا نحو فمه، وآخر إلى خده، وثالث إلى بطنه، ورابع أدخله إلى حلقه، حتى وصل إلى اللوَز.
والمصريون ينطبق عليهم المثل الذي يقول"عاوزين جنازة ويشبعوا فيها لطم" فجنازة أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ لم تذهب الجماهير أو أغلبها لتبكيهم ولكن ذهبت الجماهير لتبكي نفسها.

عبد الوهاب: علمتني الحياة - فن الغناء كالعملة، كانت في السابق ذهبا، وفي الحاضر صارت ورقا.
- أعط الفن كل شيء تأخذ منه كل شيء.
- كان الجمهور في الماضي يستمع للغناء بآذانه وأما في الحاضر فيستمع إلى الغناء بيديه ورجليه.
- الموهبة تخلق الاستمرارية ولكن الاستمرارية لا تخلق الموهبة.
- ألحان هذه الأيام ألحان أنابيب.
- في هذا الزمان تغني الراقصات وترقص المغنيات!
- المطرب العظيم والمستمع العظيم يقومان بمجهود متساو، الأول حينما يغني والثاني حينما يسمع.
- إذا أرضى الفنان فنه أولا قبل إرضائه الجمهور فإن عمله يعيش وهو ميت، وإذا أرضى الفنان جمهوره أولا قبل فنه فإنه يعيش وفنه يموت.