'حزب الله'... أم حزب علماني؟

بقلم: خيرالله خيرالله

من يقرأ البرنامج الانتخابي لـ"حزب الله" يتبادر الى ذهنه، أول ما يتبادر، أن الحزب تحول الى حزب علماني أصلاحي أقرب ما يكون الى حزب اشتراكي في بلد أوروبي. أمامنا حزب مذهبي من الدرجة الأولى يطالب بإلغاء الطائفية السياسية. لا يمكن في هذه الحال ألا الترحيب بهذا الطرح حتى لو كان كلاما للاستهلاك الانتخابي ليس إلا. نعم، لا يمكن إلا الترحيب بالبرنامج على الرغم من تجاهله المشكلة الأساسية التي يعاني منها لبنان والمتمثلة في سلاح الحزب. أنه سلاح موجه الى صدور اللبنانيين وقد ثبت ذلك مجددا في السابع من أيار/مايو الماضي لدى حصول "غزوة بيروت" التي عمقت الشرخ المذهبي في البلد على نحو لا سابق له. أوليس التخلص من سلاح الحزب عن طريق الحوار بين اللبنانيين خطوة أولى على درب إلغاء الطائفية السياسية تنفيذا لاتفاق الطائف الذي نادى بحل الميليشيات، كل الميليشيات؟
لا فائدة من برنامج انتخابي لا يذهب الى لب المشكلة التي يعاني منها لبنان. لب المشكلة وجود سلاح تستخدمه ميليشيا تابعة لحزب مذهبي قحّ في عملية انقلابية هدفها النهائي تحويل لبنان الى مستعمرة إيرانية، كما حال الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة إيرانيا منذ العام 1971. ولذلك، لا فائدة أيضا من الحديث عن تنمية واقتصاد منتج، ما دام المطلوب أن تكون هناك دولة داخل الدولة اللبنانية، دولة تمتلك سلاحا خاصا بها، وجيشا خاصا بها، وأيديولوجية خاصة بها لا علاقة لها بالتنوع اللبناني، ودورة اقتصادية خاصة بها، إضافة بالطبع الى نظرة خاصة ومحددة الى المجتمع اللبناني والى ما يجب أن يكون عليه هذا المجتمع حيث فصل للرجال عن النساء على الطريقة "الثورية" الإيرانية. هل من دولة في العالم لا تمتلك حق حصر السلاح بها؟ هل من دولة تستحق تسمية دولة لا تمتلك قرار الحرب والسلم؟
بدل تقديم برنامج انتخابي يتحدث عن "إعادة الالتزام بلبنان الوطن وليس بلبنان الساحة"، وبدل وضع كل اللوم على القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يدعي النائب ميشال عون، ولا يزال، أنه كان له الدور الأساسي في استصداره، وبدل الحديث عن "الانتصار" الذي تحقق صيف العام 2006، وهو انتصار ساحق ماحق على لبنان، كان الأجدر بالحزب القيام بعملية نقد للذات أوّلا. نعم لبنان "ساحة". أنه "ساحة" بفضل "حزب الله" أوّلا. لو لم يكن الأمر كذلك، لكان أول ما بادر أليه الحزب إعلان التزامه القرار الرقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن نتيجة حرب صيف العام 2006. هل من قرار أفضل من هذا القرار لحماية لبنان، خصوصا الجنوب؟ بعد أسابع قليلة، ستمر ثلاث سنوات على حرب الصيف التي أفتعلها "حزب الله" لتمكين إسرائيل من تدمير جزء من البنية التحتية اللبنانية وإعادة البلد سنوات الى خلف. من يريد بالفعل خدمة لبنان والسعي الى تنشيط الاقتصاد فيه، يبادر الى الاعتراف بأن حرب صيف العام 2006 ألحقت بلبنان ضررا فادحا. لا تزال هناك آلاف المنازل والبنايات التي لم تستكمل عملية أعادة بنائها، خصوصا في الجنوب. ألم يعد "حزب الله" بالتعويض على اللبنانيين المتضررين من حرب الصيف مستخدما الدولار "الطاهر" الذي يأتيه من إيران وغير إيران؟ أين صار الدولار "الطاهر"، لماذا لا يستخدم في عملية أعادة بناء المنازل التي تضرر أصحابها في بنت جبيل وغيرها من البلدات المنكوبة... أم أن المطلوب المزايدة على حكومة فؤاد السنيورة من أجل إحراجها وإرباك الدولة اللبنانية خدمة للمشروع الانقلابي لـ"حزب الله" والذين يسيرونه من خارج؟
يندرج البرنامج الانتخابي لـ"حزب الله" في سياق العملية الانقلابية التي تستهدف تكريس لبنان رأس حربة للمحور الإيراني- السوري. كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري حلقة محورية في هذه العملية. كانت سلسلة الاغتيالات والتفجيرات التي تلتها جزءا لا يتجزأ من العملية، كذلك استخدام النائب ميشال عون بهدف تأمين غطاء مسيحي للعملية المستمرة.
يفترض باللبنانيين ألا تخدعهم اللهجة التصالحية التي أعتمدها "حزب الله" في برنامجه الانتخابي. يفترض بهم التساؤل لماذا لا أشارة في البرنامج الى التزام القرار 1701. هل لأن القرار يحمي لبنان والجنوب ويغلق لبنان أمام الذين يسعون الى تحويله "ساحة"؟ يفترض باللبنانيين أن يعوا أن انتخابات السابع من حزيران/يونيو المقبل انتخابات مصيرية. ما يسعى أليه "حزب الله" هو تطويع البلد تمهيدا للاستيلاء عليه. يريد تكرار تجربته الناجحة مع الطائفة الشيعية التي صارت رهينة لديه. يريد الآن خطف لبنان. الانتخابات المقبلة ستكون نقطة تحول في هذا الاتجاه أذا لم يتنبه اللبنانيون للأمر قبل فوات الأوان. الخيار واضح أنه بين دولة لبنان العربية الحرة المستقلة ولبنان التابع حيث لا مكان سوى للمزايدات والمزايدين والشعارات التي تمجد ثقافة الموت... والتبعية لإيران.
في النهاية، ليس لدى "حزب الله" ما يقدمه للبنانيين سوى النموذج الإيراني. كل ما نجح فيه هذا النموذج هو تهجير أفضل الإيرانيين من بلدهم وحرمان إيران من أحسن عقولها واعتماد اقتصاد البلد على عائدات النفط أكثر من أي وقت وتحول اقتصاده أسيرا لها!
ولكن ما العمل مع حزب يعتقد أن كل شيء مبرر من أجل تحقيق أهدافه، حتى لو أضطره ذلك الى غزو بيروت او الى الإعلان عن برنامج انتخابي لا علاقة له بأيديولوجية "ولاية الفقيه" التي هي أيديولوجيته الحقيقية والتي لا ولاء لديه لغيرها! خيرالله خيرالله