انتفاضة قصيدة النثر في مصر

كتب ـ أحمد فضل شبلول
تنسيق بين المجلتين

هل من قبيل المصادفة أن تصدر مجلتان ثقافيتان في مصر ـ في وقت واحد ـ ملفين كبيرين عن قصيدة النثر وشعرائها الذين عارضوا ملتقى الشعر الأخير الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة في الفترة من 15 ـ 18 مارس/آذار الماضي، فنظموا هم ملتقاهم بحجة أن ملتقى المجلس لم يهتم بشعراء قصيدة النثر؟ ولم يتم دعوتهم للمشاركة في أعمال الملتقى؟
والمحير في الأمر أن المجلتين اللتين أصدرتا الملفين مجلتان حكوميتان أو تنتسبان لجهات حكومية، الأولى مجلة "الشعر" وتصدر عن اتحاد الإذاعة والتلفزيون، ويرأس تحريرها أحد رموز قصيدة النثر في مصر وهو فارس خضر، والثانية مجلة "الثقافة الجديدة" التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة المصرية، ويرأس تحريرها الكاتب الصحفي الشاب طارق الطاهر.
لم تكتف مجلة الشعر بنشر قصائد شعراء قصيدة النثر فحسب (25 نصا)، ولكن نشرت بعض ملاحظات هؤلاء الشعراء على ملتقى القاهرة الثاني للشعر، فكتب أشرف عويس عن غياب الشعر في هذا الملتقى وحضور الجوائز، ورأى عمر شهريار أن قصيدة النثر تواجه الشعر الرسمي، معتبرا أن ما قدم في ملتقى القاهرة للشعر، هو الشعر الرسمي، بينما كان الحوار المطول الذي أجراه أحد شعراء قصيدة النثر وهو البهاء حسين، مع أحد رموز قصيدة النثر في مصر وهو الشاعر محمود قرني الذي قال في غضب إننا لسنا في حاجة إلى شعراء الوحي والإلهام، وأن قصيدة النثر تدافع عن الإنسان أيا كان موقعه.
وتحت عنوان "قصيدة النثر نيران لا تنطفئ" جاء ملف مجلة "الثقافة الجديدة" الذي أعده الشعراء: عبدالعزيز موافي وفتحي عبدالله وعبدالنبي فرج، وتنوع ما بين الدراسات والشهادات والنصوص، وفيه يقدم شعبان يوسف "قراءة في المقدمات التاريخية لقصيدة النثر"، ويكتب محمود الأزهري عن اللحظة الشعرية الراهنة، ويتحدث د. أحمد الصغير عن الجمال الضائع في صراع الشيوخ والشباب، حيث يرى أن قصيدة النثر هي مجرد حالة من الحالات الشعورية التي تمتزج بالتوهج والإيجاز والمجانية المطلقة في التعبير.
ويتوقف عمر شهريار عند شعرية اللعب قائلا "نحن بإزاء قصيدة تجدد ذاتها باستمرار ولديها قدرة خاصة على التمدد والتوسع الجمالي والدلالي".
ويرى د. عبدالمنعم تليمة أن قصيدة النثر آخر تجليات مشروع النهضة، ويقدم شهادته حول تلك القصيدة كل من الشعراء: محمد آدم، ورفعت سلام، وطاهر البربري، وفريد أبو سعدة، وأسامة الحداد، ويسري حسان، وعماد غزالي، وعاطف عبدالعزيز، وعزت إبراهيم، وهبة عصام، ومؤمن سمير، وحسن خضر، وسمير درويش، وعزت عامر، وصبحي موسى.
وتنشر "الثقافة الجديدة" أحد عشر نصا من نصوص قصيدة النثر، إلى جانب دراسات للدكتور محمد عبدالمطلب وفتحي عبدالله، وحوار مع ياسر الزيات أجراه أحمد الفخراني.
وهكذا نرى انتفاضة لشعراء قصيدة النثر في مصر من خلال ملفي المجلتين "الشعر" و"الثقافة الجديدة"، بل أن مجلة "الشعر" تصف هذه الانتفاضة بأنها ثورة شعراء قصيدة النثر.
ويبدو أنه كان هناك حالة من التنسيق بين المجلتين، رغم أن "الشعر" فصلية، و"الثقافة الجديدة" شهرية، إلا أنه إزاء تلك الثورة أو الانتقاضة خرجت المجلتان في توقيت متقارب، ولا نجد تكرارا للأسماء فيهما سوى لمحمد الحمامصي، وسمير دوريش.
وأعتقد أنه لو جمعت الدراسات والنصوص والشهادات من كلا المجلتين ونشرت في كتاب واحد عن قصيدة النثر لجاء معبرا عن الحالة الشعرية التي تمر بها قصيدة النثر في مصر الآن، وأصبح مرجعا في هذا المجال.
من حق شعراء قصيدة النثر، التي يعترض البعض على مسماها حتى الآن، أن يعبروا عن آرائهم ورؤيتهم للشعر والفن والحياة والناس والمرأة والسلطة وكل شيء يقع تحت أعينهم، ولكن ليس من حقهم نفي الآخر وإعلان وفاة القصيدة العمودية أو قصيدة التفعيلة، وهم في ذلك يذكروننا ببعض الذين أعلنوا وفاة القصيدة العمودية عندما ظهرت إلى الوجود بقوة قصيدة التفعيلة، ومن هؤلاء الشاعر الفلسطيني الراحل معين بسيسو.
وعلى الرغم من ذلك فمازلنا حتى الآن نجد ومضات جيدة في بعض القصائد العمودية، بل يفاجئنا بعض الشباب بقصائد عمودية جيدة وبها من الحداثة ما لم نجده أحيانا في "قصيدة النثر".
وأعتقد مخلصا أن العيب ليس في الجهات التي تنظم تلك الملتقيات والمؤتمرات والندوات الشعرية، ولكن العيب في الشعراء المنظمين أنفسهم الذين يملكون سلطة دعوة بعض الشعراء ومنع غيرهم، لتغليب تيار على تيار، والخاسر في النهاية هو "الشعر" نفسه. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية