مبارزة لبنانية مصيرية حقا

بقلم: فيصل جلول

يدور خلاف بين اللبنانيين حول توصيف انتخاباتهم التشريعية في يونيو/حزيران المقبل. إذ يصفها فريق الموالاة بـ"المصيرية" في حين تقول المعارضة ان ما بعد الانتخابات لن ينطوي على تغيير جوهري لناحية الثوابت اللبنانية وبالتالي فان مصير لبنان سيبقى كما هو اليوم وكما كان بالامس القريب. والواضح ان الموالاة تراهن على الفوز بالغالبية النيابية لتشكيل حكومة تحكم باسمها حصرا وتطبق برنامجها السياسي وهي تعلن صراحة انها لن تعطي المعارضة حصة وزارية توازي "الثلث الضامن" فهذه الحصة تعني في المستقبل كما تعني اليوم كبح جماح الاغلبية البرلمانية وتقييد حركتها في تعديل او تغيير او الضغط على ما تعتبره المعارضة ثوابت وطنية وفي طليعتها الحق في ردع اسرائيل سواء عبر تحالف او تفاهم بين الجيش والمقاومة كما هو واقع اليوم او عبر انضواء المقاومة في الجيش الوطني بصيغة من الصيغ لكن بعد الاتفاق على استراتيجية دفاعية تحول هذا الجيش من جيش ثانوي في الصراع مع العدو الى جيش مقاوم يملك القدرة على ردع الدولة العبرية وبالتالي اجبارها على الانسحاب من الاراضي اللبنانية المحتلة والامتناع عن استباحة الاجواء والمياه الاقليمية اللبنانية فضلا عن توفير الحماية اللازمة لاستثمار الموارد المائية والافادة منها بما يتناسب مع المصالح الوطنية وليس الاسرائيلية.... الخ.
وتريد الموالاة استخدام نتائج الانتخابات من اجل الضغط باتجاه نقل لبنان من موقع سياسي ملتبس يغلب مصالح المقاومة وحلفائها من خلال سياسة خارجية ملائمة وغير بعيدة عن محور الممانعة الممتد من سوريا الى ايران وصولا الى فنزويلا ومرورا بغزة الى موقع مختلف تغلب فيه العلاقات الجيدة مع ما يعرف بدول الاعتدال العربي ومن بينها دولتين وقعتا معاهدات سلام مع اسرائيل وترغب في ان يسير العرب على الرسم نفسه وذلك في اطارعلاقات دولية لايكون فيها لبنان مقاوما وانما "مسالما" يفاوض الدولة العبرية وينهي الصراع معها بشروطها.
وتريد الموالاة ايضا استخدام فوزها المفترض في الانتخابات من اجل الامساك بزمام المؤسسات اللبنانية دون شريك مضارب او ضاغط وتكييفها مع استراتيجيتها الداخلية والخارجية. بكلام اخر تريد الموالاة دولة تشبه سياستها الحالية وتعتبر ان من حقها في نظام ديمقراطي ان تطلب تأييد الناس لهذه السياسة والاقتراع من اجلها وبالتالي تشكيل سلطة تنفيذية لوضعها موضع التطبيق. وبهذا المعنى تراهن على الانتخابات المقبلة بوصفها محطة مصيرية للانتقال بلبنان من استراتيجية سياسية محورها المقاومة بشروطها الحالية الى استراتيجية مختلفة تماما لا مكان فيها لمقاومة او لمن يقاومون طالما ان "الجيش اللبناني يحمي الجميع" على ما يروي واثقا ودون مزاح النجل الوافد للرئيس الاسبق امين الجميل. في هذا الضوء يبدو السابع من يونيو/حزيران المقبل يوما مصيريا حقا بالنسبة للاكثرية الحالية في مجلس النواب اللبناني.
لا تنظر المعارضة اللبنانية الى الانتخابات من العين نفسها فهي تعتبر ان المجلس النيابي القادم لن يجعل الشمس تشرق من الغرب ولن يؤثر على تعاقب الليل والنهار ولن يغير جغرافيا لبنان السياسية ولن ينقله الى الموقع الذي تريده فئة دون اخرى وترى المعارضة ان هذا البلد لا تغيره الانتخابات على اهميتها. وتصر على القول ان الاساس في الحياة السياسية اللبنانية هو التوافق وان كل استراتيجية سياسية لا تبنى على التوافق ايلة الى الفشل سواء كان المجلس النيابي والحكومة ورئيس الجمهورية يميل للمعارضة او للموالاة. ويستدل المعارضون بمثال الاكثرية العددية ذلك ان حجم المسلمين في لبنان يفوق حجم المسيحيين عددا ولو اعتمد مقياس الاغلبية والاقلية العددية لحكم المسلمون البلد على هواهم ولما كان للمسيحيين فيه شان يذكر وعليه فان التوافق الذي يحمي الديمقراطية اللبنانية من "السلاح" العددي هو الذي يحميها أيضا من" الانحراف الاستراتيجي" وتخلص المعارضة الى ان السابع من يونيو/حزيران سيكون يوما مهما ولكنه لن يكون مصيريا وهي تعرب عن استعدادها لمنح الخاسرين الثلث الضامن في الحكومة المقبلة اذا ما كتب لها الفوز باغلبية المجلس النيابي.
وعلى الرغم من الحجج القوية التي تسوقها المعارضة فان نفيها للطابع المصيري للانتخابات لا يتناسب مع رهانها الفعلي عليها ولا يتناسب ايضا مع وقائع الحياة السياسية اللبنانية ذلك ان فوزها في الانتخابات بغض النظر عن الفارق في عدد النواب سيكون مدويا بالنسبة لها وسيكون وبالا على الخاسرين. ذلك لانه سيكون نصرا جديدا للمقاومة متناسبا مع المتغيرات الاقليمية والدولية المتصلة بلبنان وخسارة قاصمة لفريق الموالاة قد "تفرطع" مكوناته التي تشبه سكان" النزل الاسباني" وبالمقابل ستنطوي خسارة المعارضة (في الحد الادنى) على تحجيم معنوي لاثر تلك المتغيرات وعلى شحنة معنوية جديدة تساعد فريق 14 أذار ـ على الافادة من هامش اوسع للمناورة وتعينه على التماسك وبالتالي استدراج المزيد من التأييد والدعم الاقليمي والدولي لطروحاته.
هكذا تبدو الانتخابات النيابية اللبنانية المقبلة وكأنها مصيرية بالنسبة للطرفين وليس لطرف واحد حصرا ذلك لانها ليست لبنانية بحتة فهي شاء أطرافها الاعتراف بطبيعتها ام أبوا محطة في الصراع الخارجي والداخلي معا على تشكيل السلطة في لبنان وعلى هويته السياسية.
يبقى أن الحديث عن الطابع المصيري للانتخابات اللبنانية لا يتناقض مع التحذير الذي اطلقه السيد حسن نصرالله حول وجوب التوافق بعد الانتخابات بل ربما يعزز الحاجة للتفاهم على الوسائل التي تضمن الوحدة الوطنية اللبنانية وتصون ثوابت العيش المشترك وتكبح جماح بعض المندفعين لاستخدام صناديق الاقتراع كامتداد لـ"الحرب" على المقاومة بوسائل اخرى. إن بلدا يسعى فريق فيه لردع الدولة الاقوى في الشرق الاوسط لا يمكن لانتخاباته النيابية الا ان تكون مصيرية. فيصل جلول