الإنترنت تطيح بالصحف الورقية الأميركية عن عرشها

واشنطن ـ من حنان سليمان
صناعة الصحافة في منعطف خطير

تمر صناعة الصحافة في الولايات المتحدة بأزمة خطيرة تهدد مستقبلها كمشروع تجاري هادف للربح في ظل اتساع ظاهرة الإعلام الرقمي أو الإلكتروني حيث يعتمد كثير من الأميركيين خاصة فئة الشباب على شبكة الإنترنت في متابعة الأخبار اليومية ومعرفة أحدث المعلومات.

ورغم أن هذه الظاهرة ليست جديدة، إلا أن آثارها باتت أكثر وضوحاً في الأشهر الأخيرة بعد أن ارتفعت خسائر الصحف الورقية بسبب الأزمة المالية العالمية ليضاف محور المشاكل المالية إلى محور المنافسة الشرسة التي تواجهها من شبكة الإنترنت التي باتت مصدراً أساسيّاً لكثيرين في استقاء المعلومات بما يزيد من التحديات التي تواجهها الصحافة الأميركية.

والعامل الرئيس في هذه الأزمة هو المعركة الدائرة بين الصحف الورقية وشبكة الإنترنت والتي دفعت بصحيفة عريقة مثل "كريستيان ساينس مونيتور" لإلغاء طبعتها الورقية والاكتفاء بنسخة الكترونية على موقعها على الإنترنت، في خطوة جريئة اتخذتها في أكتوبر/تشرين الأول 2008 بعد قرن كامل من الصدور ورقيّاً.

وعلى المنوال ذاته، سارت المؤسسات الإعلامية التكنولوجية الدولية؛ فصدرت مجلتا "بي سي وورلد" و"إنفو وورلد" في طبعات الكترونية فقط، وهو ما فسره باتريك مغفيرن رئيس مجموعة البيانات العالمية التي تصدر المجلتين بالقول "الطبعات الورقية أصبحت أخبار الأمس. إذا كانت أخباراً فإن الناس يريدون سماعها بأسرع ما يمكن".
وحسب تحقيق مطول نشرته صحيفة "ذا سولت ليك تريبيون" في أزمة الصحافة المطبوعة بعنوان "هل الصحف ملعونة؟"، فإن معظم الصحف والمحطات التليفزيونية تنشر أخباراً على المواقع الالكترونية وآلاف المدونات المستقلة حتى أن وكالة أسوشيتد برس قدرت زيادة نسبة تصفح موقع الجزيرة الإخباري باللغة الانجليزية في فترة الحرب على غزة في يناير/كانون الثاني الماضي بستة أضعاف موضحة أن معظم المتصفحين كانوا داخل الولايات المتحدة، وذلك في الوقت الذي كانت إسرائيل تمنع فيه الشبكات الإخبارية الأميركية مثل "سي إن إن" وغيرها من وسائل الإعلام الأجنبية من دخول الأراضي الفلسطينية.
ورصد مركز بيو للأبحاث في تقرير صدر له مؤخراً هذا الواقع المرير للصحافة الأميركية عام 2008 راسماً صورة متشائمة لعام 2009.
وقال التقرير إنه بات من المؤكد أن مزيداً من الأميركيين يتجهون الآن للإنترنت لمعرفة الأخبار مقابل انخفاض قراء الصحف المطبوعة أو الورقية.
وأوضح التقرير المبني على استطلاع لاستهلاك الإعلام الإخباري أن 39% من المبحوثين يقرأون صحيفة يومية سواء كانت ورقية أو الكترونية في مقابل 43% عام 2006، بينما انخفضت نسبة قراء النسخة الورقية من الصحيفة من 34% إلى 25% خلال هذين العامين.
وحسب تقرير سابق للمركز عام 2006، فإن نحو 50 مليون أميركي يتابعون الأخبار على شبكة الإنترنت.

وذكر التقرير الذي صدر في فبراير/شباط الماضي أن نصف مستهلكي الأخبار الالكترونية يتصفحون مواقع إخبارية بطرق غير مباشرة عن طريق تتبع الروابط الالكترونية الخاصة بقصص إخبارية بعينها مقابل 41% يتصفحون الصفحات الرئيسية للمنظمات الإخبارية بشكل مباشر.
وقال 64% من الجمهور الشباب أقل من 25 عاماً إن تصفحهم للقصص الإخبارية يكون غالباً بشكل غير مباشر، فيما يكون أكثر من ربع متصفحي هذه المواقع (28%) من الحاصلين على تعليم عالٍ وهم يتصفحون في الغالب للموقع الالكتروني لصحيفتهم الورقية.

وجاءت مواقع ياهو و"إم إس إن" و"سي إن إن" في مقدمة المواقع المتصفحة بنسب 28% و19% و17% على الترتيب، وتلتها الصحف بنسبة 13% وفي مقدمتها الصحف المحلية بنسبة 7% ثم "نيويورك تيمز" بنسبة 4% و"وول ستريت جورنال" و"يو إس إيه توداي" و"واشنطن بوست" بنسبة 2% لكل منها، وجاء موقع غوغل في المركز الرابع بنسبة 11%.

ورغم انخفاض مقروئية الصحف بشكل عام، فإن عدد قراء الصحف الالكترونية في ازدياد ملحوظ (من 9% عام 2006 إلى 14% عام 2008) حتى بات قراء الصحف الالكترونية يمثلون أكثر من ثلث قراء الصحف بعد أن كانوا أقل من الربع عام 2006، وهو ما يفسره التقرير بأنه يعكس التحول الذي تحدثه الأجيال الشابة في قراءة الصحف.
وأضاف التقرير أن نسبة قراء الصحف الورقية والالكترونية في أوساط مواليد عام 1977 وما بعد ذلك "جيل واي" في عام 2008 تقارباً كثيراً ـ 16% يقرأون صحيفة ورقية فقط أو ورقية والكترونية في مقابل 14% يقرءون النسخة الالكترونية فقط أو الالكترونية والمطبوعة ـ بعد أن كان قراء الصحف المطبوعة يصلون إلى أكثر من ضعف قراء الصحف الالكترونية.

أما في أوساط الجيل الأكبر أو "جيل إكس" (مواليد الفترة بين 1965-1976)، فان إحصائيات عام 2008 تظهر أن 21% يقرأون صحيفة ورقية فقط (أو ورقية والكترونية) مقابل 18% للصحف الالكترونية، بعد أن كانت النسب 30% للصحف المطبوعة و13% للنسخة الالكترونية عام 2006.

أما مواليد أعوام 1946-1964 أو "بيبي بومرز" والأجيال الصامتة أو العظيمة (مواليد قبل عام 1946)، فإن نسبة مقروئية الصحف في أوساطهم تظل مرتفعة عن الأجيال الشابة، ولكن مع ذلك فإن نسبة قراء الصحف في أوساط "بيبي بومرز" انخفضت من 47% إلى 42% من عام 2006 إلى 2008 وكان الانخفاض الأكبر في قراء الصحف الورقية التي انخفضت من 42% إلى 34%.

وأضاف التقرير أن مقروئية الصحف شهدت دوماً فجوة بين الأجيال مدللاً بإحصائيات تم جمعها عام 1998 توضح أن عدد قراء الصحف في أوساط "الأجيال الصامتة" كان أكثر من ضعف عددهم في أوساط "جيل إكس" بنسبة 65% مقابل 31%.

هذا الانخفاض في مقروئية الصحف المطبوعة شمل كافة الفئات العمرية في الفترة بين (1998-2008) بالشكل التالي:

65% مقابل 53% بالنسبة للأجيال الصامتة (مواليد قبل عام 1946)

48% مقابل 38% بالنسبة لبيبي بومرز (مواليد أعوام 1946-1964)

31% مقابل 26% بالنسبة لجيل إكس (مواليد الفترة بين 1965-1976)

22% مقابل 21% بالنسبة لجيل واي (مواليد عام 1977 وما بعد ذلك)

أما بالنسبة للاعتماد على الإنترنت كمصدر أساسي في متابعة الأخبار، فقد كانت الزيادة في مقروئيتها في الفترة من (2004-2008) كالتالي:

29% مقابل 38% لجيل إكس

28% مقابل 33% لجيل واي

25% مقابل 28% لبيبي بومرز

14% مستقرة حتى الآن بالنسبة للأجيال الصامتة والعظيمة

وشهد الاعتماد على الراديو لمعرفة الأخبار انخفاضاً مماثلاً مثل الصحف المطبوعة، وكانت النسب في الفترة من (1998-2008) كالتالي:

54% مقابل 38% لبيبي بومرز

49% مقابل 41% لجيل إكس

44% مقابل 30% للأجيال الصامتة والعظيمة

28% مقابل 29% لجيل واي

ويعتبر التليفزيون هو الرابح الأكبر في وسائل الإعلام التقليدية مقارنة بالصحف والراديو، إذ شهدت نسبة مشاهدته في الفترة بين (1998-2008) استقراراً نسبيّاً فيما زادت نسبة المشاهدة عند إحدى الفئات العمرية كالتالي:

74% مقابل 73% للأجيال الصامتة والعظيمة

56% مقابل 61% لبيبي بومرز

52% مقابل 54% لجيل إكس

43% مقابل 42% لجيل واي

أما العامل الثاني في هذه الأزمة فهو الأزمة المالية الخانقة التي ضربت صناعة الصحافة في مقتل فلم تعد هناك صحيفة أميركية كبرى واحدة إلا وتواجه مشاكل مالية حتى أن صحيفة "ذا روكي ماونتن نيوز" قررت الإغلاق لتصبح أول صحيفة أميركية كبرى تقرر الإغلاق بسبب انخفاض التوزيع وأرباح الإعلانات معلنة استسلامها في المعركة الشرسة التي تدور مع الإعلام الالكتروني.
كما هددت شركة هرست منذ بضعة أسابيع بإغلاق صحيفة "سان فرانسيسكو كرونيكل" وعمرها حوالي قرن ونصف (144 عاماً) إذا لم تجد حلاّ يوقف نزيف الخسائر المتتالية سواء بتخفيض النفقات أو بيع الصحيفة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد باعت صحيفة "نيويورك تايمز" 21 طابقاً من مقرها الرئيس في نيويورك الذي يتكون من 52 طابقاً مقابل 225 مليون دولار في سبيل الحصول على سيولة مالية رفعت أسهم الصحيفة في البورصة.
كما أعلنت مجموعة "ماكلاتشي" الصحفية وهي ثالث أكبر مجموعة صحفية أميركية إلغاء 1600 وظيفة أي الاستغناء عن 15% من موظفيها بسبب نقص أرباح الإعلانات، فيما ألغى المؤتمر السنوي لصناعة الصحافة لعام 2009 مما يعكس حجم الأزمة التي تمر بها الصحافة الأميركية.

وحسب موقع المعني برصد عدد الموظفين الذين تم تسريحهم لتقليص النفقات، فإن 15590 ألف موقع في غرف الأخبار تم إلغاؤه العام الماضي كما تم تسريح 2700 شخص منذ مطلع العام الحالي وحتى الآن.

ولما كان جمهور الصحف يتجه للإنترنت لمعرفة الأخبار، فإنه يبدو من الطبيعي أن تسخر المؤسسات الصحفية كل جهدها ومواردها لتطوير مواقعها بما يعني أن الإعلانات تكون أكثر على النسخ الالكترونية للجرائد من النسخ الورقية.

وهذه الأوضاع المتردية التي تعيشها الصحافة الأميركية في الوقت الحالي وصفها الكاتب مايكل مالوني في مقال له على موقع محطة "إيه بي سي نيوز" الأميركية بأنها نقطة تحول في تاريخ الصحف، موضحا أن صناعة الصحف ظلت تتهاوى بشكل حلزوني محزن خلال العقد الحالي.
وأضاف مالوني أن القائمين على هذه الصحافة أدركوا أن هذا التراجع الذي تشهده الصحف الأميركية ليس مؤقتاً.

وكان مالوني من أوائل المحذرين من موت الصحف الورقية في مارس/آذار 2005 حين دعا القائمين على صناعة الصحافة للاعتراف بوفاة الصحف الورقية بسبب الثورة التكنولوجية.

وفي مطلع شهر مارس (2009)، وضعت شركة "24/7 وول ستريت" قائمة بعشر صحف يومية كبرى يتوقع أن توقف طبعتها الورقية أو تغلق نهائيّا في الفترة المقبلة، وذلك اعتماداً على القوة المالية للمؤسسات الإعلامية الناشرة لهذه الصحف وحجم المنافسة المباشرة لهذه الصحف في السوق وحجم الخسائر.
وتضم القائمة صحف "فيلادلفيا ديلي نيوز" و"مينيابوليس ستار تريبيون" و"ميامي هيرالد" و"ديترويت نيوز" و"بوسطن غلوب" و"سان فرانسيسكو كرونيكل" و"شيكاغو صن تيمز" و"نيويورك ديلي نيوز" و"فورت وورث ستار تلغرام" وأخيراً "كليفلاند بلين ديلر".(تقرير واشنطن)