مثقفون مصريون: المؤسسة وراء تراجع دور القاهرة الثقافي

إعداد: محمد الحمامصي
مثقفون مصريون: ابحث عن دور الدولة في التراجع

واقع الحال يقول إن دور مصر الثقافي في تراجع مستمر، ليس لكون مصر خالية من المثقفين والمبدعين، شعراء وروائيين ومسرحيين ومفكرين ونقادا وهلم جرا. لا، فمصر لا تزال ولاّدة، وجل التجارب التي تشكل إضافة للتجربة العربية كافة لا تزال تولد في مصر. وليس في ذلك تحيز أو تمييز أو لا قدر الله عنصرية في هذا الشأن.
ولكن التراجع له أسباب أخرى ترتبط بسياسات المؤسسات الثقافية والقائمين عليها. ودخول ـ إن شئنا الوضوح ـ سلوكيات تتنافي مع الانتماء الوطني منها الشللية والمصالح الشخصية والأهواء والأنانية وغير ذلك من أمور هي في النهاية شخصية. فكل من يتقلد منصبا داخل هذه المؤسسة يجعل الأمر مقصورا عليه دون سواه، مما أحدث تراكما أودى بسمعة ومهابة وقوة الدور الثقافي المصري داخليا وخارجيا، فكان لابد من التراجع لتحل بديلا عن القاهرة عواصم عربية أخرى.

سعد القرش: شيء من الخوف

للكاتب الروائي سعد القرش رؤية وصفية في هذا الشأن حيث يقول: في فيلم "شيء من الخوف" يصيح أحمد توفيق أحد أتباع عتريس "كبير القرية" قائلا إنه أقوى من عتريس، ويردد هذه المقولة التي لا تليق بقامته إلى أن يسخر منه الناس، ويرمونه بالحجارة.
وفي فيلم كوميدي اقترح عبد المنعم مدبولي الطبيب النفساني على مريض يعاني عقدة نفسية بسبب قصر قامته أن يردد "أنا مش قصير قزعة"، وهذا يذكرني بحال مصر منذ نحو ثلاثين عاما، حين أهدرت قوتها السياسية، وتفرق أبناؤها في البلاد، هانوا عليها فاستهان بهم "أي كفيل" في الخليج.
وحين حاولت مصر استعادة دورها الطبيعي في مجال الثقافة، مالت إلى بعض الاستجداء المقنع، بإغراء من ظنتهم كبارا وفاعلين ومؤثرين، بدعوات ومشاركات في مؤتمرات وندوات ومحاورات ومعارض كتب، حتى أصبح البعض كأنه مقيم بالقاهرة.
حدث هذا بالتوازي مع تجاهل قامات حقيقية ليست في مراكز القيادة، ولا تملك صلاحيات رد الدعوات و"العزومات". وأهدرت الملايين فقط من أجل استجداء ترديد اسم مصر والقاهرة في العواصم العربية.
الدور الثقافي لا يفرض فرضا، فلا نملك حق الوصاية على أحد، لكنه يكون اختيارا، ورغبة في التواصل مع عاصمة تقدم إضافة للأشقاء.
سألني ابن أحد الأصدقاء في عاصمة غربية، وهو مهتم بالسينما: ماذا قدمت السينما المصرية منذ عشرين عاما؟
المثقف العربي في الغالب لم يعد يعرف كثيرا عن الأجيال الجديدة من المبدعين المصريين، لأننا انصرفنا عنهم سنوات، مكتفين بأنفسنا، وحين عثروا لنا على دور جاء مهينا، لتمرير حملات إعلانية في صورة مسابقات تهين الإبداع والشعر الذي أصبح له أمراء جدد يساوي بعضهم مليونا، باعتراف شهود الزور.

د. الطاهر مكي: التراجع بدأ منذ أواخر عهد عبدالناصر

وقال الناقد د‏.‏ الطاهر مكي الأستاذ بكلية دار العلوم إن تراجع مصر ثقافيا بدأ منذ أواخر عهد عبد الناصر‏، إلا أن عبد الناصر كان مدركا لأهمية دور مصر الثقافي وكان يقاتل لتنميته بوعي ووطنية‏.‏ وأضاف د‏.‏ الطاهر‏:‏ ومنذ سنوات اشترك بعض المثقفين المصريين في غفلة أحيانا، ولأنهم يقبضون أحيانا أخرى في تراجع دور مصر الثقافي من خلال مساواتها بدول صغيرة لا يزيد تعداد سكانها على "حي شبرا"‏.. وساهم في التراجع كثرة المؤتمرات الثقافية التي يأتي إليها مجموعة من المحترفين الذين لا تتغير وجوههم مقابل تبادل المصالح معهم على حساب الثقافة المصرية‏.‏ د.عبد المنعم تليمة: اقدم ثقافة حية ويأسف الناقد د.عبد المنعم تليمة على أن يصل الحال لهذه الدرجة في حين أن الثقافة المصرية أقدم ثقافة حية في التاريخ وجاءت بعدها الثقافات الأخرى ، كما لا توجد ثقافة أقدم عمقا من الثقافة المصرية. د.محمد عناني: أي تراجع؟ ووجهة نظر الناقد والمترجم د.محمد عناني لا ترى تراجعا للدور المصري ويرد ذلك إلى أن الجذور التي نبتت منها الثقافة المصرية قد أصبحت عربية ولا تزال تدين إلي مصر بتوجهاتها في كل المجالات. ويقول ان الذين قادوا الحركة النهضوية العربية ورسموا مسارات الإبداع الثقافي في العالم العربي مصريون ولا يزالون يمارسون تأثيرهم في المنطقة العربية كلها. وكثير من الذين يتولون إدارة النشاط الثقافي في العالم العربي مصريون ولو عاشوا خارج مصر، فهم يمثلون التوجهات التي وضعها الرواد المصريون ويواصلون حمل الشعلة.

جمال القصاص: مؤسسة انتقائية

ويؤكد الشاعر جمال القصاص أن هناك أوجه قصور شديدة وسلبيات بالجملة تتحمل مسؤوليتها المؤسسة الثقافية الرسمية التي تتعامل بانتقائية مع المثقفين المصريين فتقرب من تراه مواليا لها وتبعد من تراه رافضا لتوجهاتها، لكن الدور المصري الثقافي برغم ما يحوطه من حصار وتهميش إلا أنه استطاع أن يقدم ملامح الجدة في الشكل والمضمون على مستوى الفعل الإبداعي والفكري.
أما الناقد د. مصطفى الضبع فرأى أن دور مصر الثقافي لم يتراجع ولكن ظهور كيانات ثقافية في المنطقة مهدت لظهور كيانات جديدة ترتب عليها صراعات خفية لتصدر المشهد وهو ما يجعل الثقافة المصرية، وتحديدا المؤسسة الثقافية المصرية في حاجة لإعادة النظر في آليات عملها، وهو ما يجعلنا نتوقف عند آليات جديدة للعمل الثقافي، منها على سبيل المثال لا الحصر أن المؤسسات العربية بدأت في استثمار تقنيات العصر وتكفي الإشارة إلى المنجز الثقافي الالكتروني، في مصر لا ينقصنا سوى التخطيط، لدينا كل الإمكانيات وإذا أردنا أن ننافس فعلينا أن نطور سأشير فقط إلى واحد من أهم المؤتمرات العربية: مؤتمر الرواية العربية المنعقد دوريا في القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة له موقعه على شبكة الانترنت لا المجلس يستثمر هذه الإمكانيات ولا المؤتمر أفاد منها (ولنعد إلى آلية تنظيم المؤتمر لنكتشف الإمكانيات المهدرة، إنه التخطيط والرؤية للعمل الثقافي ليس إلا).

علي عطا: مساحة الدور المصري تتسع

ويقول الشاعر علي عطا: يتجدد بين الحين والآخر السؤال عن دور مصر الثقافي بصيغة تكاد تقرر تراجع ذلك الدور، وهذا في حد ذاته دليل على أن حيوية ذلك الدور هي حقيقة مؤكدة، ولكنه في الوقت ذاته دليل على بروز طرف ما أو أكثر في ما يتعلق بحيوية الأداء الثقافي العربي في تجلياته الأدبية والفنية والإعلامية والتعليمية أيضاً في السنوات الأخيرة، وبالتالي فإنني شخصياً لست مع من يعتقدون في تراجع الدور الثقافي المصري، وفي المقابل أرى اتساع مساحة حيوية الدور الثقافي العربي باتساع المجال لتأثير ملحوظ تحرزه بالفعل دول عربية أخرى خصوصاً في منطقة الخليج العربي بشكل حسم تماماً الجدل بشأن ثنائية المركز (مصر) والأطراف (غيرها من الدول العربية) بحيث أن ما كانت تسمى بالأطراف أصبح لها تأثير مركزي عبر انتعاش حركة النشر وتزايد الاهتمام بفنون السينما والمسرح والتلفزيون والشعر والرواية شعبياً ورسمياً لكن يبقى أن نشير إلى أن تأثير الدور المصري مهدد بالتراجع في ضوء الاستهانة بالمصداقية التي برز دليل دامع عليها في ختام "ملتقى القاهرة الدولي الثاني للشعر العربي الذي منح جائزته من دون أي شعور بالحياء لمقرر الملتقى الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، في الوقت الذي أكدت مسابقة البوكر الرواية العربية نزاهتها بأن منحت جائزة دورتها الثانية إلى عمل ليس لصاحبه باع يذكر في هذا المجال، مع أن قائمة المتنافسين ضمت أسماء كبيرة في "ريادتها" ومنها بالطبع اسم الروائي المصري الكبير محمد البساطي.