'الوسيط' ليبرمان يجب ألاَّ يفشل!

بقلم: جواد البشيتي

أنْ يَفْشَل الوسيط المصري اللواء عمر سليمان حتى الآن في تسوية النزاع بين "فتح" و"حماس" فهذا ليس بـ "الخبر"، ولا بالأمر الذي يَبْعَث على الدهشة والاستغراب، أو يذهب بتوقُّعٍ واقعيٍ؛ أمَّا أنْ يَفْشَل في ذلك حتى "الوسيط الإسرائيلي" ليبرمان فهذا ما يَسْتَحِق كثيراً من التأمُّل والتفكُّر، فإذا لم يكن ليبرمان، بما يُمثِّل، وبما يعني، عامل توحيد للفلسطينيين، وسبباً كافياً ووجيهاً ومُقْنِعاً لكي يجتازوا بقفزة كبرى واحدة لا غير "الهوَّة السحيقة" لنزاعهم، الذي هو موضوعياً جزء لا يتجزأ من حرب إسرائيل الشاملة عليهم، وعلى قضيتهم القومية، فإنَّ من الحماقة بمكان أن نبحث عن السبب الأعظم للمأساة الفلسطينية الجديدة في خارج "الحدود الفلسطينية"، أو بعيداً عن "الضحية الفلسطينية ذاتها".
نحن مع الخَلْق والإبداع والابتكار في كل شيء، ومع تحرير "العقل السياسي" من قيود ما اعتاده من عادات في النظر إلى الأمور، ومع شحذ "الخيال السياسي"، وإطالة العنان له؛ ولكن، هل تَعَقَّد النزاع بين الفلسطينيين، واستحكم، بما يشدِّد الحاجة لدى الوسيط المصري إلى اقتراح "حلٍّ خلاَّق"، وإلى أن يُوْقِف المتحاورون في القاهرة حوارهم من أجل تدارسه مع مرجعياتهم القيادية؟!
لقد اتَّفَق طرفا النزاع على أن يتعاونا على تأليف حكومة جديدة (مؤقتة) تتوفَّر على الإعداد للانتخابات المقبلة للمجلس التشريعي ورئاسة السلطة الفلسطينية؛ ولكنهما لم يتمكَّنا بعد، وعلى ما بذله الوسيط المصري من جهود مضنية، من الاتفاق على "برنامجها السياسي"، أي على الموقف الذي ينبغي لها أن تقفه علانية من "شروط ومطالب" اللجنة الرباعية الدولية، أو ممَّا يسمَّى التزامات منظمة التحرير الفلسطينية في الاتفاقيات التي عقدتها من قبل مع إسرائيل.
وتوصُّلاً إلى تذليل هذه "العقبة الكبرى" من طريق التسوية للنزاع الفلسطيني، اقترح الوسيط المصري "حلاًّ خلاَّقاً"، يقوم على تأليف "حكومة انتقالية"، أي تحكم إلى أن تُجرى تلك الانتخابات، وتنبثق منها "حكومة دائمة"، على أن تقبل "الحكومة الانتقالية" شروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية، لعلَّ هذا القبول يُقابَل برفع الحصار، وفتح المعابر جميعاً، والبدء بإعادة إعمار قطاع غزة؛ ولعلَّه يؤسِّس لهدنة مؤقَّتة، غير متَّفَق عليها رسمياً وعلانيةً مع إسرائيل، ويقي قطاع غزة، بالتالي، شرور حرب إسرائيلية جديدة، يقودها هذه المرَّة الثلاثي نتنياهو ـ ليبرمان ـ باراك.
وفي هذا "الحل الخلاَّق" تكمن حاجة أخرى لا تقل أهمية، على ما يَعْتَقِد كثيرون، في مقدَّمهم الوسيط المصري نفسه، هي الحاجة إلى تذليل "عقبة فلسطينية كبيرة" من طريق ممارَسة المجتمع الدولي، واللجنة الرباعية الدولية، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لضغوط ٍعلى حكومة نتنياهو، التي لم تتحدَّث حتى الآن عن "السلام" إلاَّ بما حَمَل زعيمة المعارضة الإسرائيلية تسيبي ليفني على وصف حكومة نتنياهو بأنَّها الحكومة التي أنهت "الشريك الإسرائيلي" في "السلام" مع الفلسطينيين، ومع سورية أيضاً، فنتنياهو يفهم الحل النهائي للنزاع مع الفلسطينيين على أنه الحل الذي يقوم على نفي الدولة الفلسطينية، وعلى نبذ فكرة "حل الدولتين" بالتالي؛ وليبرمان يرفض "أنابوليس"، جملةً وتفصيلاً، ولا يرى من وثيقة ملزمة لإسرائيل غير "خريطة الطريق"، التي، على ما يزعم، لم يلتزم الفلسطينيون بنودها الأمنية حتى الآن؛ ويرفض كل سلام مع سورية إذا كان ثمنه إعادة الجولان إليها، قائلاً بضرورة أن يكون السلام من أجل السلام، وفي مقابل السلام فحسب.
أمَّا باراك فلا سلام يؤمن به إلاَّ السلام بينه وبين نتنياهو وليبرمان، فاحتفاظه بمنصبه الوزاري هو الغاية التي لا تعلوها غاية.
من قبل، كانوا يحتَّجون بالحاجة إلى إقناع المجتمع الدولي، واللجنة الرباعية الدولية، بأنَّ الفلسطينيين قد نجحوا أخيراً في الإتيان بحكومة تستوفي الشروط الدولية لإنهاء الحصار وفتح المعابر.. ولإعادة الإعمار في قطاع غزة؛ أمَّا الآن فيحتجون بحاجة، أو بحجَّة، أخرى هي جَعْل حكومة نتنياهو معزولة دولياً، وعُرْضةً لضغوط دولية، قد تطيحها، إذا لم تكرهها في آخر المطاف على قبول حلِّ الدولتين، والعودة إلى السير في مسار أنابوليس.. وكأنَّهم يقولون للفلسطينيين على سبيل النصح أو التحذير: إيَّاكم أن تضيِّعوا "فرصة واقعية حقيقية" لضرب حصار دبلوماسي وسياسي.. دولي على حكومة نتنياهو!
وهذا "التوقُّع العربي"، والذي فيه من الوهم ما يفوق كثيراً، وكثيراً جداً، ما فيه من الحقيقة، كان كامناً في تواضع الدول العربية على أهمية وضرورة إبقاء مبادرة السلام العربية على الطاولة حتى يأتينا من المجتمع الدولي، ومن إدارة الرئيس أوباما على وجه الخصوص، ما يشبه سكِّين اليقين، فنقطع بها الشك، فنحن دائما لدينا من الشكِّ (من أنواعه ومقاديره) ما يثير حفيظة ديكارت نفسه!
ولا شكَّ في أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق قد ساهم، عن قصد أو عن غير قصد، في تمكين هذا الوهم الجديد من مواقفنا السياسية إذ حذَّر حكومة نتنياهو من مغبة التخلي عن فكرة "حلِّ الدولتين" إذ قال لها إنَّ هذه الفكرة أصبحت راسخةً رسوخ الجبال في السياسة الدولية، وإنَّ تخلِّي إسرائيل عنها سيجعلها تدفع ثمناً باهظاً، وربَّما يؤدِّي، في آخر المطاف، إلى جعلها دولة واحدة ثنائية القومية، مع ما ينطوي عليه هذا "الحل" من مخاطر على هويتها اليهودية، فاقتراح نتنياهو أن يكون "الحكم الذاتي الواسع" هو جوهر وأساس "الحل النهائي" إنَّما يفضي، إذا ما عُمِل به، إلى حلٍّ لإسرائيل بصفة كونها "دولة يهودية".
"الوسيط ليبرمان"، وعلى أهمية وساطته، لم ينجح حتى الآن في إقناع طرفي النزاع الفلسطيني بأهمية وضرورة تسوية نزاعهما؛ ولكنَّه يمثِّل "تجربةً" يمكن أن تفيدهما كثيراً إذا ما تمثَّلا معانيها، فهو، وقبل أن يصبح وزيراً للخارجية الإسرائيلية، ناصب "خريطة الطريق" العداء، ورفض أن يلتزمها هو وحزبه عندما قرَّرت الحكومة الإسرائيلية والكنيست التزامها، وإنْ على نحوٍ يثير كثيراً من الشكوك في جدوى وجدية هذا الالتزام.
وها هو الآن، وبصفة كونه وزيراً للخارجية الإسرائيلية، يُعْلِن أن لا وثيقة مُلْزِمة لإسرائيل إلاَّ هي، مشترِطاً لوفاء إسرائيل بالتزاماتها المنصوص عليها في هذه الوثيقة أن يُقْنِعه الفلسطينيون بأنَّهم قد وفوا هُم أوَّلاً بالتزاماتهم الأمنية في "خريطة الطريق".. وإلى أن يقتنع، ولن يقتنع، تبقى إسرائيل، ومن الوجهة العملية، في حلٍّ من التزاماتها تلك، وتبقى المفاوضات معهم، إذا ما قُيِّض لها أن تُستأنف، أسيرة البندين الاقتصادي والأمني، فإذا حلَّ "السلام الاقتصادي والأمني" أصبح "السلام السياسي" بين "دولة إسرائيل" و"الفلسطينيين الذين يحكمون أنفسهم بأنفسهم" ممكناً، وفي متناول الطرفين.
ليبرمان يَعْلَم أن "خطابه السلامي" هذا لا يصنع سلاماً مع الفلسطينيين؛ ولكنه يمكن أن يُتَرْجَم بمزيدٍ من الاستيطان والتهويد، وأن يفيده انتخابيا في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فهو، ومن منصبه في حكومة نتنياهو، يُعِدُّ العدَّة للفوز مستقبلاً بمنصب رئيس الحكومة.
والفلسطينيون يحتاجون الآن إلى "خطاب سلامي" مشابه، أي إلى خطاب يمكن أن يفيدهم فحسب في تذليل العقبات من طريق رفع الحصار، وفتح المعابر، وبدء إعادة الإعمار في قطاع غزة، فكل حديث عن السلام الآن إنَّما هو حديث خرافة؛ ولن ينال من قوة هذه الحقيقة وهم الضغوط الدولية التي ستتعرَّض لها حكومة نتنياهو.
ويكفي دليلاً على ذلك أنَّ اللجنة الرباعية الدولية لن تجتمع لتُعلن الالتزامات والمبادئ التي ينبغي لـ "الحكومتين (الفلسطينية والإسرائيلية)" أن تعلنا التزامها، فالتزام الحكومة الفلسطينية المقبلة الانتقالية (غير الحزبية) ما التزمته منظمة التحرير الفلسطينية لن يكون بذي معنى، أو أهمية، إذا لم يَقْتَرِن بدعوة اللجنة الرباعية الدولية حكومة نتنياهو ـ ليبرمان إلى إعلان التزامها مبدأ "حل الدولتين"، و"مسار أنابوليس"، ووقف الاستيطان ورفع الحواجز..
وإنَّ "حماس" تستطيع أن تأتي إلى الحكومة الانتقالية بوزراء من أمثال وأشباه ليبرمان، ولو من غير الأعضاء في التنظيم، يُعْلِنون مواقف من شروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية تشبه لجهة تناقضها موقف ليبرمان من "خريطة الطريق"، فلا أهمية للون القط إذا ما كان ممكناً أن يأكل الفأر.. و"أكل الفأر" إنَّما هو رفع الحصار، وفتح المعابر، وبدء إعادة الإعمار، فالسلام الآن أقرب إلى "الطوباوية السياسية" منه إلى "الواقعية السياسية"، فهلاَّ "يعتدل" الفلسطينيون، و"يتطرَّفوا"، بما يوافق هذه الحقيقة. جواد البشيتي