هل يكره اللحيدان الشعر ام مسابقاته؟

نزعة للحط من قدر الثقافة على تهذيب المسالك والأخلاقيات

لندن - منذ أن أفتى الشيخ صالح اللحيدان الرئيس السابق لمجلس القضاء الأعلى بالسعودية، بجواز قتل أصحاب القنوات الفضائية لـ"نشرهم الفكاهة والمجون وتضييع الوقت بغير فائدة"، وهذا الرجل لا يكف عن إثارة الجدل.
ولكن حتى إذا ما افترض البعض أن إقالته من منصبه في إطار التغييرات التي أعلنها العاهل السعودي مؤخرا قد دفعته الى المرآة الخلفية للأحداث، فقد عاد اللحيدان ليصدر فتوى جديدة لا تقل إثارة للجدل. ولن يكون من المستبعد، بطبيعة الحال، أن يواصل المنحى نفسه طالما أن رجال دين متنورين لم يتصدوا له بعد.
آخر فتاوى الشيخ اللحيدان، وهو اليوم عضو لجنة الافتاء وهيئة كبار العلماء في السعودية، تقول بأن المسابقات الشعرية "غير جائزة".
وقال الشيخ اللحيدان، ردا على سؤال ورد في موقعه الإلكتروني حولها ونقلته صحيفة "شمس"، "بأن تلك المسابقات التي تجري بين أبناء القبائل غير جائزة، وأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلّم ـ نهى عنها؛ لأنها من أيام الجاهلية".
وتثير هذه الفتوى جملة تساؤلات:
هل الشعر هو الحرام؟ ام مسابقاته؟
هل تختلف مسابقات الشعر عن غيرها من المسابقات؟
ثم كيف ولماذا لم ير الشيخ اللحيدان الدافع الثقافي الرفيع الذي تنطوي عليه مهرجانات الشعر ومسابقاته؟
الجواب المنتظر من الشيخ اللحيدان سيقول أن المسابقات، لا الشعر نفسه، هي الحرام. ولكن القرائن تثبت بما لا يقبل الشك، أن الشيخ يقصد الشعر بالتحريم، لا مسابقاته.
الجواب السهل والمتداول هو أن الشعر ليس هو ما يخضع للتحريم. فالعرب أمة شعر، قبل الإسلام وبعده. والشعر كان متداولا ومحفوظا في ذروة أيام الرسالة المحمدية. وتاريخ الثقافة العربية برمته هو تاريخ شعر.
ولئن كان الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي السعودية اتخذ في وقت سابق موقفا مناوئا للشعر ومسابقاته، فقد حاول المدافعون عنه تبرئته من معاداة الشعر، وركزوا على أن فتواه حرمت المسابقات لأنها تحرض على "الفتنة بين القبائل".
ولكن لا أحد رأى فتنة. ولا تناحرت القبائل.
الحقيقة التاريخية تثبت أن العرب أيام الجاهلية، وإن كانوا يلتئمون في المناسبات والأسواق ليتطارحوا بالشعر، إلا أنهم لم ينظموا "مسابقات" ولم يعرف عنهم أنهم أقاموا "مهرجانات" شعرية.
وللتاريخ ايضا، فأن "مهرجانات" الشعر كانت تجري في وقت السلم واشهر الحرم، حيث يجتمع القوم على "الثقافة" بعد ان انهكتهم اشهر الحرب والغزوات.
المسابقة تعني، أن يجتمع حشد من الشعراء بقصد السباق، أمام لجنة حكام من ذوي الخبرة والثقافة وسعة الإطلاع، ليقرروا، وفقا لمعايير ومقاييس جمالية وأدبية محددة، من هو ذلك الشاعر الذي قدم أداء أفضل. وعليه فانه يُعطى جائزة.
والجائزة هي نوع من شهادة تقول أن هذا الشاعر هو أكثر شاعرية من منافسيه في حدود الاختيارات التي قدموها للسباق. ولكنها لا تقول أن قبيلة هذا الشاعر أفضل من سواها. كما أنها لا تقول أن المتنافسين الآخرين ليسوا شعراء. وهي تحكم على الشعر في جماليته الخاصة، وليس لأنها امتدحت زيدا أو هجت عمرو.
هذه هي روحية المسابقات الشعرية المعاصرة. وهذه لم تكن موجودة أيام الجاهلية. وبالتالي فان النهي عنها لا موضوع له.
المسابقات الشعرية، بمعناها الجمالي المعاصر، حالها حال مسابقات كرة القدم. فالفريق الذي يلعب أفضل ويسجل الأهداف هو الذي يفوز. ومشجعو النوادي الرياضية في عالمنا المعاصر هم أقرب الى القبائل، وفيهم من "التعصب" (الجاهلي) لنواديهم أكثر بكثير مما قد "يتعصب" الشعراء لشعوبهم وبلدانهم وأنسابهم. إلا أن الشيخ اللحيدان لم يُفتِ بعدم جواز مسابقات كرة القدم، لأنه باستهداف "مسابقات" الشعر أنما يحاول أن يغطي استهدافه للشعر نفسه.
هل لا يفهم الشيخ اللحيدان كيف تجري مسابقات الشعر؟
بلى يفهم. ولكنه يتعمد خلط الحابل بالنابل لكي يكشف عن كراهيته للشعر نفسه.
فالشعر، صناعة إبداعية. وهو صنعة فكر. وهذا ما لا يروق لشيوخ الإفتاء الذين ينظرون الى رعيتهم على أنهم بهائم.
فالبهيمة لا تُبدع. وهي لا تسعى الى القيام بأي عمل ذي طبيعة جمالية، أو فكرية أو ثقافية. والإنسان، حسب ثقافة الظلام التي ينطلق منها الشيخ اللحيدان، أفضل له أن يكون بهيمة على أن يكون شاعرا أو مفكرا أو مثقفا.
فمع الفكر قد تأتي المعرفة والتنوير. وما يخشاه شيوخ الظلام، هو أن يتحول التفكير الى شك. ولكنهم بدلا من تنوير طريق الشك بمصابيح المعرفة، فأنهم يفضلون قطع الدابر بقتل الفكر نفسه.
ومثل كرة القدم التي لا يجرؤ الشيخ اللحيدان على تحريمها، فان مسابقات الفروسية يمكن أن تكون تذكيرا بالحروب بين القبائل. فهل نمنعها؟
ويكاد لا يوجد سباق، في الرياضة أو الثقافة أو الفكر، إلا ويمكن أن يُنظر اليه على انه مصدر للفتنة بين القبائل.
ولكن هل هذا هو الحال بالفعل؟
روحية المسابقات الرياضية أو الثقافية المعاصرة، لا تحتمل بطبيعتها أن تكون مصدرا للفتنة. فالكل "يلعب" والكل يمكن أن يفوز، إن لم يكن اليوم، فغدا.
وفي الواقع فانه لا الفوز نهائي، ولا الخسارة نهائية. والغاية من خوض غمار السباق هي رفع مستوى الأداء الثقافي، والارتقاء بجمالياته، وليس التنابذ بالألقاب، ولا حمل السيوف، ولا نشر الخلاف.
وفي الواقع، فان النظرة الفتنوية التي ينظر بها شيوخ الظلام الى عالمهم المعاصر، تكاد تنطبق على كل شيء، وليس على مسابقات الشعر وكرة القدم. فكل ما يفعله المرء يمكن يُعد فتنة، من مشاهدة التلفزيون الى ممارسة الرياضة، الى كل شيء آخر.
يقال: تفاءلوا بالخير تجدوه. ولكن الشيوخ الذين لا يرون من دنياهم إلا الجاهلية، فانهم يجدوها في كل شيء. وهم لا يفعلون في الواقع سوى انهم يعيدون اكتشافها، ويعيدون إحياءها بدلا من طمرها.
وتجسد إساءة الفهم المقصودة لروحية المسابقات ومعناها وأهدافها، نزعة للحط من قدر الثقافة على تهذيب المسالك والأخلاقيات.
وهذه النزعة هي الجاهلية بعينها. والجدل الذي تثيره هو مصدر الفتنة. ويجب تحريمها بحرمان شيوخ الظلام من اللهو بالإفتاء، و"تضييع أوقات الناس بغير فائدة".
يكفي انشغالهم بميكي ماوس والزلابية وتزويج القاصرات للدلالة على أنهم كائنات خرافية تعيش جاهليتها الخاصة، وتحاول تعميمها، بتشويه كل مسعى من اجل الخير والتقدم والارتقاء بالثقافة.