الزوج والدعوة: الأولوية لمن؟

بقلم: إسلام عبد التواب

جاءت تلك الأخت الداعية - التي تعلِّم الفتيات في المسجد، وتحضر جلسات العلم مع الأخوات الداعيات المشابهات لها - تشكو زوجها الأخ الملتزم، والدموع في عينيها، وتقول – بدافع التقوى – :
لن أقول إلا: سامحه الله.
ثم بدأت الشكوى: لقد أصبح لا يطيقني، ويرى كل شيءٍ فيَّ قبيحًا، ولا يرى الأشياء الجميلة!
شكوى متكررة، بدأت أتوقع منها أن يكون الزوج يتابع الفضائيات مثلاً، ويرى مغنيات الكليبات العارية، وأصبح يتطلع لأن تكون زوجته مثلهنَّ، ولا يشبعه جمال زوجته، ولا يتقي الله في هذه الزوجة الداعية التي تضيء له أصابعها العشر، ولكن من خلال حديثها بدأت هي دون أن تدري ترشدني إلى الأسباب الحقيقية، وهي ما زالت متمسكة بأنها مظلومة وأنه ظالمٌ مفترٍ.
إنها تتجاهل زوجها تمامًا؛ فتقيم في غرفة منفصلة مع الأولاد منذ سنوات، نعم منذ سنوات، تخيلوا!
وذلك برغبتها، وفوق ذلك؛ فهي تضم الأولاد إليها، وتقربهم فيها بشكل مبالَغ، حتى ابتعدوا عن والدهم؛ لذا فعلاقتهم بوالدهم ضعيفة جدًّا!
ولكن انتظروا هناك ما هو أخطر؛ فالأخت الداعية الفاضلة التي تحب العمل الدعوي والمسجد، تجتهد أن تكون خارج بيتها بصفة دائمة؛ فتخرج من الصباح الباكر بعد ذهاب الأولاد إلى المدارس، ولا تعود إلا متأخرًا؛ لأنها في المسجد تربي الفتيات الصغيرات – لا أدري على أي شيء تربيهن.
ولكن هل تظل في المسجد طوال اليوم؟
بالطبع لا؛ فهي تبحث عن أي صديقة لتزورها، ويجلسن بالساعات يتكلمن في توافه الأمور، وربما تحرِّض إحداهن الأخرى على الإساءة إلى زوجها، وتشجعها على ما تفعله بدعوى تعرضهن لظلم الأزواج، وتحت اسم الانشغال بالعمل الدعوي، والدعوة والإسلام منهن بريئان.
والمثير للاشمئزاز أنها تطبق ذلك البرنامج حتى وزوجها مريض أحيانًا، وليس معه من يمرِّضه، لماذا؟
لأن واجبات الدعوة ثقيلة، وهي مسؤولية لن تقوم غيرها بها!
سألتها: كيف يأكل زوجك؟
قالت: أصنع الطعام له، وأضعه على المائدة، وأغطيه، وأدخل أنام؛ فإذا جاء؛ فعليه أن يكشف الطعام، ويأكله باردًا، ولكنه في الواقع – كما ذَكَرَت- نادرًا ما يأكل؛ فزوجته الداعية المصون تتجاهل تناول الطعام معه، بل تتجاهل أن تستيقظ من نومها لتستقبله.
استفسرت منها عن علاقتها بأهل زوجها؛ فجاء الرد صادمًا؛ إنها على خلاف دائم مع أم زوجها وإخوته منذ يوم الزفاف، وكم من مرة تشاجرت مع زوجها بسبب زيارة أمه لهما في البيت، حتى إنها تركت لهما البيت، وذهبت تفضحه عند أحد أصدقائه في منتصف الليل، واشترطت عليه – لكي تعود – أن يطرد أمه.
أمَّا عن موقف أخواتها الداعيات المربيات مما يحدث؛ فحدِّث ولا حرج؛ فهن أكبر سند ومحرض لها على ما تفعل، والنصيحة المتوالية على الألسن: اتركي له البيت، وارجعي لأهلك، واتركي له الأولاد.
نسيت أن أخبركم أن هذا الزوج يشهد له جميع من عرفه بأنه دمث الخُلُق، لين العريكة، هادئ الطباع، في غاية الأدب، والتفاني من أجل أسرته.
قلت لها: أيتها الأخت الداعية: أبشري بالنار؛ فإنك ما تركت شيئًا يقربك من النار إلا وفعلتِه، وما تركت شيئًا من الواجبات التي افترضها الله عليك، إلا وتركتِه.
إن زوجك هو جنتك ونارك، كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فعَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَفَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا؛ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟"
قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ: "كَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟"
قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ.
قَالَ: "فَانْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ"( مسند أحمد - 38 / 491).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا"( سنن الترمذي - 4 / 386).
أمَّا ترك الزوج وهو مريض لأي شيء آخر؛ فهي خيانة زوجية.
نعم خيانة زوجية؛ فليست الخيانة هي ما يتعلق فقط بالشرف والعِرض، ولكن تخلِّي أحد الزوجين عن الآخر وقت احتياجه له هو قمة الخيانة الزوجية، ولَكُنَّ في رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأسوة الحسنة؛ فقد أَذِنَ لعثمان بن عفان رضي الله عنه بعدم حضور غزوة بدر؛ لأنه يمرِّض زوجته المريضة، بل وأعطاه سهمًا من الغنائم كالمشاركين تمامًا؛ فأين هذا من زوجة تترك زوجها طريح الفراش، غير قادر على تناول دواء ولا طعام؟؟
ومن أجل ماذا؟
هل من أجل حضور جلسات الأخوات، والقيام بواجب الدعوة كما تدِّعي تلك الزوجة غير الأمينة على زوجها؟
كَذَبَت؛ فإن الله تعالى لا يقبل النافلة حتى تُؤدَّى الفريضة، وطاعة زوجها وإرضاؤه هي أعظم الفرائض في حقها بعد العبادات، ولو أمرها بترك التعليم في المسجد للقيام بشؤون البيت؛ لوجب عليها طاعته، وما تحمَّل إثمًا؛ فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ"(مسند أحمد - (4 / 85)، وقال الألباني: حسن لغيره، انظر صحيح الترغيب والترهيب، حديث رقم 2411).
وفوق ذلك فإن هذه الجلسات التي كان من المفروض أن تعلمهن الدين، تتحول في الواقع إلى جلسات للنميمة، والنهش في الأزواج؛ فتستخرج كل امرأة أسوأ ما تراه في زوجها، أو تختلق له عيوبًا، وتفضحه على رءوس النساء اللاتي يذهبن لينقلن الأخبار إلى أزواجهن، وتصبح فضيحة الزوج على كل الألسنة.
إن حب الزوج فطرة فطر الله الناس عليها؛ ولكن يبدو أن بعض النساء أصبحن يتزوجن هربًا من شبح العنوسة فقط، أي من أجل أن تصبح زوجة، ولا تدخل دوامة العنوسة، ولكنها لا تنشغل بتنمية علاقتها العاطفية بزوجها، ولا باداء لاحقوق التي افترضها الله له، وعليها.
أمَّا عن علاقتها بأهل زوجها؛ فهي نموذج لعلاقات الكثيرات من غير الملتزمات، بل ومن يدعين الالتزام أيضًا؛ فأمراض المجتمع تنضح على الأفراد، حتى الدعاة والداعيات، والمرأة الداعية عندما تكون في المسجد تفكر في شؤون الدين كما يريد الدين، أما في العلاقات الأسرية في البيت؛ فهي تفكر بعقلية المجتمع غير الملتزم؛ فتصنع عداوة مع ام زوجها، وهي من امره الله ببرها، وقدمها على زوجته؛ فماذا عساه يصنع الزوج؟!!
إنني أقول: إن هذه المشكلة ليست فردية؛ كي لا تحاول الداعيات تصويرها كذلك، بل هي مشكلة عامة رأيتها، وواجهتها كثيرًا؛ فالمرأة التي لم تُرَبَّ على الإسلام حقيقة تأتي بالمهازل، ولو كانت حافظةً للقرآن، ومعلمةً له، وكم واجهتُ من مشاكل وجدت فيها المرأة الداعية تسيء إلى أهل زوجها مرات باستمرار، ومنهن من تُكثِر تركَ البيت لزوجها لأتفه الأسباب، وتفضحه بين أهلها وأهله وأصدقائه، ومنهن مَن ترهقه ماديًّا حتى يأتي لها بطلباتها، ولا تهتم من أين جاء بالمال، ولو جاء به من حرام، ومنهن من تتحدث مع صاحباته عن العلاقة الحميمية بينها وبين زوجها، ويتحول مجلس العلم والدين إلى مجلس فاحشة.
بل أسوأ من ذلك وجدت من تتمنَّع على زوجها - ولا تعطيه حقوقه الزوجية إلا إذا أخذت منه مالاً - أرأيتم في أية صورة تضع نفسها؟
ومما ينبغي الانتباه له أن على كل امرأة إذا سُئِلَت النصيحة من أخرى أن تقول خيرًا أو تصمت؛ ففي مشكلتنا كانت الأخوات الداعيات الأخريات ينصحن الزوجة المخطئة الناشز بترك البيت؛ فهن في الواقع داعيات سوء؛ فكيف يمكنهن إصلاح المجتمع.
في الماضي كان كثير من شباب الدعاة يحرصون عند الزواج على اختيار من تماثلهن في المنهج الدعوي والفكري، وكان ذلك سببًا من أسباب التآلف والتناغم في البيت، أما الآن فعلى الشاب حين يختار أن يختار ذات الدين الملتزمة حقيقة، والتي خرجت من بيت يجيد التربية؛ فالأسرة هي الأساس؛ فإن كانت الأسرة صالحة أخرجت زوجة مطيعة تدفع زوجها للأمام، ولا تعيده للخلف، ولا تغرقه بالمشاكل، ولا تجعل عيشه نكدًا.
أمَّا مسألة الانتماء الفكري فهذا يأتي بالإقناع، ولكنه ليس الأساس الآن في إقامة بيت مسلم صالح.
تلك كلمتي للأخوات، أما كلمتي للإخوة الدعاة فأصوغها في مقال تالٍ بإذن الله.

إسلام عبد التواب، باحث إسلامي ialafty@hotmail.com