بين المواطنة والولاء

بقلم: محمد الصادق

ما من شك بأن للدول دورا أساسيا في بناء جسد الثقافة التي يستقيها أبناء المجتمع، وتلعب تلك الثقافة المبرمجة دوراً بارزاً في صياغة سلوك أفراد المجتمع وعلاقاته الاجتماعية وطريقة تعاطيه مع قضايا الوطن والمواطنة. كما هو معروف بأن مفهوم المواطنة من المفاهيم الحديثة نسبياً حيث إن المجتمع القبلي أو ما يسمى بمجتمع ما قبل المدينة لم يكن يعطي اهتماما كبيرا لموضوع المواطنة، إلا أن التنمية الاقتصادية التي حدثت وانتقل على أثرها الناس بشكل شبه قسري من مجتمع القبيلة إلى مجتمع المدينة فتح بدوره الباب واسعا لنقاش معمق حول مفهوم المواطنة خصوصاً بين مختلف المدارس الإسلامية التي لم تكن تعترف بالجغرافيا والحدود، إلا أن بعض تلك المدارس استطاع الغوص في أعماق تراثه للتعايش مع هذه المصطلحات الغربية والبعض الآخر لم يعترف بها إنما التف عليها رضوخاً لشكل الدولة الحديث.
للمواطنة بُعد إنساني وجداني ولاعلاقة له بالقبيلة ولا بالمنطقة ولابالانتماء المذهبي، لذا لا تقاس المواطنة بالانتماء إلي أي مما مضى. كانت الهوية الدينية هي المكون الرئيس للأمم، وكانت تسبب اشكالية بالنسبة لمبادئ الدولة الحديثة، من بين تلك المبادئ استطاع البعض في العالم الإسلامي تجاوز الإشكال بين الدين والدولة إلا أن الأصوليين بقي لهم رأي آخر. من المعيب جداً أن نصحو هذه الأيام على صوت بعض الأصوليين وهم يمتطون صهوة جواد الوطنية في الأسواق والطرقات، ماسكين «الكرباج» لجلد كل من يحمل رأيا مختلفا محاولين استغلال هاجس التعددية لدى بعض الدول لتصفية الآراء المختلفة ودفنها في خندق الولاء للخارج.
كما أنه من المضحك حد الغثيان أن من يوزع صكوك الولاء للوطن هم بعض الأصوليين الذين لا يعترفون بحدود الدول ولا بسلطة سياسية لا يوجد على رأسها أمراء للمؤمنين، إذ كانوا بالأمس القريب يكفرون ويفجرون تحت مبرر الهوية الإسلامية الواحدة والخليفة الموحد.فما الذي طرأ على الساحة إذا كان الكتاب هو الكتاب والسنة هي السنة وباب الاجتهاد مغلق ومفتاحه مفقود!! ما تغير اليوم هو دوائر المصالح! تبدلت مصلحة هذا المتشدد المرتبطة بأمراء المؤمنين لتصبح مرتبطة بصاحب السلطة السياسية لا شيء أكثر من ذلك.
يمتلك بعض الأصوليين ترمومترا خاصا بهم يقيسون من خلاله ولاء المواطنين ويحددون على أثره الوطني من اللاوطني ومشكلة هذا الترمومتر أنه إقصائي وطائفي حد النخاع وإن شروطه تعجيزيه وتطبيقاته وهم، التمييز والإقصاء والتهميش ثالوث خطير ينهش جسد البلدان متى ما ظهر في بلد أوصله حد الفناء وهو نهج الأصوليين. يرى المتشددون في الديمقراطية هرطقة تصل بك حد الزندقة وأن الحرية فجور تغضب الرب الغفور، في حين أن الديمقراطية أفضل نظام حكم وصل إليه العقل البشري حتى الآن ومفهومنا للمواطنة يختلف تماما عن مفهومهم، حيث تقاس المواطنة بمبادئ ثلاثة، المساواة، العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص. ومن المغلوط أن تقاس المواطنة بالولاء للمذهب، القبيلة أو المنطقة، يمكننا قياس الثلاثة الأولى والثلاثة الأخيرة بمعادلة أو لنقل ساعة رملية كلما زادت الثلاثة الأولى قلت أو انخفضت الأخيرة.
علاقة المواطن بالسلطة السياسية تقوم على الشراكة والتي يربطها عقد اجتماعي يبين حقوق وواجبات كل طرف إزاء الآخر لا أن تترك تلك العلاقة للمزايدة أو الابتزاز مع كل مشكلة يكون فيها المتخاصمان مختلفين في الفكر أو المذهب، ليس مطلوبا من المواطن أن يدين بدين السلطة السياسية ليكون مواطناً كما ليس مطلوباً منه تقديم فروض الطاعة أو أن يتوافق مع السلطة السياسية في جميع تحركات مفاصلها لكي يثبت ولاءه للوطن.
ثمة خيط رفيع يربط بين المواطنة وبين الشراكة في التراب، لذا من واجب الدول السعي في إشراك جميع أطياف الوطن دون تمييز، إذا كانت الدولة راغبة فعلاً في ترسيخ مفهوم المواطنة، يجب أن تكون الدولة خيمة يستظل بها جميع المواطنين دون النظر لخلفيتهم المذهبية أو القبلية ويجب على الدولة أن تقف على الحياد بين فئات المجتمع لا أن تكون طرفا ضد طرف.
لا يجب أن يحمل المواطن المختلف مع الدولة مذهبياً هاجس الاتهام باللاوطنية، كما لا يوجد خطر في التعددية المذهبية، الخطر الحقيقي على الدول يكمن في قمع التعددية.
السؤال الذي يجب أن يكون حاضراً اليوم هو: من الذي يحدد المواطنة من اللامواطنة ومن المسؤول عن تثبيت المواطنة: المواطن أم الدولة؟
الدولة طبعاً هي المسؤولة بالدرجة الأولى إذا كانت تسعى للاستقرار وذلك لا يتم إلا من خلال إرساء المساواة وتمكين العدالة الاجتماعية وتوفير تكافؤ الفرص بين أبناء المجتمع لا أن تترك صكوك الولاء والمواطنة بيد البعض يهبها لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء. محمد الصادق