مهلا.. ليست 50 مليارا إنها 65

بقلم: محمد كركوتي

"الدعاية هي علم تجميد الذكاء عند البشر لوقت يكفي لسحب أموالهم"، الأديب الكندي صموئيل ليكوك

لم أستطع مقاومة الكتابة – مرة أخرى- عن برنارد مادوف المستثمر الأميركي الذي دخل التاريخ من بوابته الخلفية، كأشهر محتال على الإطلاق، من حيث حجم الأموال (لا فنون الاحتيال. الأميركي تشارلز بونزي سبقه في "الإبداع الاحتيالي" في عشرينات القرن الماضي ) التي سرقها ودورها ونقلها من جيب إلى جيب و"غسلها"، واستمتع بها. وأحسب أني محظوظا -كصحافي- أن أشهد قضية مثل هذه، من المستحيل أن تتكرر مرة أخرى، على الأقل في السنوات المتبقية من عمري. وإذا كنت لم أشهد الانفجار الكبير الذي شكل العالم الكائن الآن، فإن قضية مادوف، قدمت لنا مشهد "الانفجار الكبير" في تاريخ الاقتصاد والأخلاق على حد سواء. وإذا كانت الأزمة الاقتصادية العالمية فجرت المؤسسات وأربكت الحكومات وطرحت مفاهيم جديدة.. وفضحت مادوف، فإن هذا الأخير فجر القيم وخان الأمانة، بعد أن سرق المؤسسات والأفراد ( بما في ذلك الجمعيات الخيرية)، وأظهر قدرة خارقة على إلباس الثعلب ثوب الحمل، وعلى إخفاء أنيابه و"تكشيرته"، لمدة تزيد عن عقدين من الزمن. فالضحايا ليسوا بالآلاف، بل بالملايين. وحسب التقديرات المتداولة، فإن عدد هؤلاء حول العالم بلغ ثلاثة ملايين ضحية مباشرة وغير مباشرة، وهناك 20 قضية مرفوعة ضده في 25 بلدا، ومن المتوقع أن يرتفع مع الأيام عدد الضحايا والقضايا. بل أن محكمة نيويورك – لوحدها- المكلفة بتصفية "مشروعات" هذا المحتال، تسلمت قائمة تضمنت عشرة آلاف اسم لضحاياه.
محاكمة مادوف الذي أدار عشرات الشركات بـ "استثماراته الاحتيالية" – إن جاز التعبير-، وأصبح في يوما من الأيام رئيسا لبورصة "ناسداك" الأميركية، اتضحت فصولها عمليا منذ اليوم الأول لها، ليس فقط لأن المحتال الكبير، أقر بذنوبه وبأخطائه، وقبل اتهامات موجهة إليه ( غسل الأموال، وتقديم بيانات خاطئة وتسجيلات وهمية، لدى لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، وسرقة مكافآت العاملين لديه)، ولا لأنه أعلن بأن ما ارتكبه من "آثام اقتصادية" كان يعلم أنها ستؤدي حتما إلى اعتقاله في يوم ما. لا.. ليس لهذه الأسباب فقط، بل لأن القاضي أرسله مباشرة من قاعة المحكمة إلى الزنزانة، بعد أن "تمتع" بالإقامة الجبرية في منزله بمدينة نيويورك، منذ افتضاح أمره مطلع العام الجاري. وقال له:" لديك كل الحوافز والإمكانيات التي تمكنك من الفرار من وجه العدالة". فالكفالة الوحيدة التي يمكن لرئيس المحكمة قبولها من أجل إبقاء مادوف شبه حر خلال محاكمته، ليست أقل من 65 مليار دولار أميركي، هي في الواقع إجمالي الأموال التي جمعها بالخداع والاحتيال.
والحقيقة أن مادوف "احتال" حتى على الصحافيين والكتاب الذي تابعوا كوارثه. فهؤلاء – وأنا منهم – ظلوا يكتبون ويحللون على أساس أن الأموال التي ضاعت بلغت 50 مليار دولار أميركي، لكن في اليوم الأول لمحاكمته تبين بأن مادوف سرق أكثر من 65 مليار دولار. ونظرا لتوسع قاعدة الاحتيال التي شملت كل القارات، فقد جمعت القضية العالم تحت سقف واحد، وأنتجت أكبر "كمية" من الحسرات والمصائب الاجتماعية، لاسيما لغير الأغنياء من الضحايا. فقد ظن هؤلاء طوال سنوات – على عكس ما قاله الشاعر أبو الطيب المتنبي- أن الليث يبتسم!.
قضية الاحتيال المالي الأكبر في التاريخ، يجب أن لا تدفن بقذف رجل تجاوز السبعين من العمر في السجن، وإن حكم عليه بمئات السنين، بل وإن حكم بالإعدام، علما بأن مثل هذه القضايا لا تنطبق عليها القوانين التي تجيز الإعدام. ففي الولايات المتحدة الأميركية حاليا، 17 شخصا من الأسماء "المرموقة" في دنيا المال، مطلوبون للتحقيق في قضايا مماثلة لقضية مادوف، اعتمدوا كلهم "نظام بونزي" الذي يعطي الأرباح للمودعين القدامى، من أموال مودعين جدد‘ في مدد قصيرة. وهناك الآلاف – وربما أكثر – حول العالم (بما في ذلك المنطقة العربية) من "المادوفين" و " البونزيين" كبارا وصغارا، كشفتهم الأزمة الاقتصادية العالمية.
أي نحن أمام قضية لا تقل أهمية عن مسألة حل الأزمة الاقتصادية نفسها. بل أن عمليات الاحتيال الكبرى والصغرى، يجب أن لا تخرج عن نطاق الحل الشامل لهذه الأزمة. كيف؟. عن طريق سن قوانين تقف عائقا أمام عمليات الاحتيال، لا الاكتفاء فقط بالقوانين التي تجرم هذا الاحتيال، وأن لا تكون لأية شخصية – مهما برق نجمها- الحصانة من المساءلات، وأن تخضع وكالات التصنيف والتقييم نفسها إلى الشك الدائم، لا أن تطلق يدها بدون رقيب. يكفي القول: إن هذه الوكالات باركت كل العمليات التي قامت بها شركات مادوف على مدى سنوات، ولم تقم وكالة تصنيف واحدة، بوضع علامة استفهام واحدة، على هذه العمليات المخادعة والمشينة. والحقيقة أن الأمر لم يكن يتطلب قدرات غير عادية لكشف برنارد مادوف على حقيقته. فقد قال هارّي ماركوبولوس، وهو خبير أميركي يعمل بإحدى شركات الاستثمارات المالية في نيويورك، أن مديره طلب منه قبل ثلاث سنوات العمل على تحقيق أرباح تضاهي ما يحققه مادوف. فقام بدراسة الأرقام التي أعلنها هذا الأخير، لكنه فوجئ فور اطلاعه على أول وثيقة، بأن الأمر يتعلق بعمليات غش واحتيال وخداع. هذا يعني أن القضية لا تحتاج إلى إمكانيات وكالات بأكملها، بل تستدعي وجود عين فاحصة، ونية صادقة. فالمصنف أو المقيم ينبغي أن يكون الوحيد بمعزل عن أية مصلحة في عمله الحساس. الرئيس الأميركي باراك أوباما وصف عمليات النصب والاحتيال "المادوفية"، بأنها جرت لأن المسؤولين عن ضبط الأسواق المالية "غفوا على المقود". وعلى الرغم من صحة ما قاله أوباما، إلا أن هؤلاء المسؤولين أنفسهم لا ينبغي أن يكون خارج دائرة المراقبة، لأن الاحتيال لا قيم له، ويمكن أن يتسلل إلى القلاع الأخلاقية الضعيفة.
طبعا هناك أيضا عوامل الجشع التي تولد المحتالين. نحن نعلم، أنه يستحيل سن قوانين للحد من جشع الناس، الذي شكل -مع غياب أخلاق مادوف- وقودا للمحتال الكبير للاستمرار في تجارته الإجرامية. فالجشع قضية شخصية لا يمكن أن تخضع للمعايير الرسمية والجزائية، وهي أيضا تربية وسلوك اجتماعي. لكن إذا ما أوجدت الآليات الحقيقية لدرء عمليات الاحتيال، مع التوعية المطلوبة، فإن الجشعين – لاشك- سيعيدون النظر في جشعهم، كما أن الضوابط والإفصاح النزيه، ستضع أمامهم الخيارات بصورة واضحة.
عندما وضع برنارد مادوف تحت الإقامة الجبرية، بدأ المصفون يبحثون عن موجودات هذا الأخير، أملا في الحصول على أكبر قدر من القيمة المالية لها، لتعويض من يمكن تعويضه من الضحايا. والواقع أن هؤلاء لم يجدوا سوى ما يقرب من 300 مليون دولار أميركي. أي أن الأمل في إعادة الأموال إلى الضحايا طار مع الأموال التي طارت. فلم يحدث في تاريخ المحتالين أن استعيدت الأموال التي سرقوها كاملة منهم. فهؤلاء لا يتركون المال على الطاولة، ولا يسجلونه في دفاترهم، ولا يصدرون شيكات مصرفية – مؤجلة أو آنية- بقيمة مسروقاتهم. إنهم أكثر الناس براعة في حفر الجحور، وتخزين الأموال فيها، وخلق أفضل وضعية تمويه حولها.
إنهم ليسوا كالمودعين المغفلين الذين يخزنون اللحم في جحر الأسد. وليسوا كأولئك الذي يعتقدون بأن المحتالين الكامنين، يستطيعون توفير البسمة على شفتي الضحية إلى ما لا نهاية.
محمد كركوتي m@karkouti.net