على هذا فَلْيَتَّفِق المتحاورون

بقلم: جواد البشيتي

في "دولة القانون"، أكان وجودها حقيقياً أم وهمياً، لا يَأْخُذ "القضاء"، ولا يَعْتَرِف، باعتراف المذنب، أو المتَّهم، إذا ما تبيَّن له وتأكَّد أنَّه قد انتُزع منه بالتعذيب؛ ذلك لأنَّ "القضاء"، في "دولة القانون"، لا يستطيع أن يَظْهر في الصورة التي يريد، والتي يريد له المجتمع أيضاً أن يَظْهر فيها، إذا لم ينأى بنفسه عن التعذيب (الجسدي والنفسي..) بوصفه أداةً، أو وسيلةً، لاستخراج "المعلومات" من باطن المعتقل المشتبه فيه، ولانتزاع اعتراف منه بارتكابه "جرائم" معيَّنة؛ ولأنَّ كثيراً من التجارب أثبتت أنَّ الاعتراف المُنْتَزَع بالتعذيب متهافتٌ في بنية الحقيقة فيه. والمقتنعون بجدوى وضرورة وأهمية التعذيب، من الأجهزة الأمنية، ورجالها، قد يفتقرون إلى "الجَزَر"، أو إلى ما يغري المعتقل بإعطائهم ما لديه من معلومات ثمينة وقيمة، بحسب معاييرهم، فلا يبقى لديهم، بالتالي، من خيار سوى اللجوء إلى التعذيب، وكأنَّ الكي هو أوَّل العلاج.
كلاَّ، لم أقُلْ هذا الذي قلت توطئةً للحديث عن أمرٍ، يُنْظَر إليه على أنَّه من المحرمات في صحافتنا السياسية، فالغاية إنَّما هي أن أتَّخِذ من هذا الذي قلت توطئةً للحديث عن أمر الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، والذي رأيت فيه، أو أراني الواقع فيه، ما يشبه الاعتراف المُنْتَزَع بالتعذيب؛ أمَّا أوجه الاختلاف والفرق، والتي لا تكتمل "المقارنة"، معنىً ومنطقاً، إلا بذكرها، فإنَّ أهمها هو أنَّ المجتمع الدولي يخلو مما يشبه "القضاء" الذي يأبى الاعتراف بكل اعترافٍ انْتُزع من طريق التعذيب.
لقد عُذِّب قطاع غزة، مع أهله، مرَّتين، توصُّلاً إلى مزيدٍ من الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، ففي المرَّة الأولى حوصر وجُوِّع؛ وكان التوقع الكامن في هذا الضغط الوحشي هو أن يصبح الاعتراف بإسرائيل، أو استكماله، مطلبا فلسطينيا شعبيا، وكأنَّ "الشعب"، وليس قيادته السياسية فحسب، هو المدعو إلى أن يؤمن، بعد كفر، بأن لإسرائيل الحق في الوجود، ولو على أنقاض وجوده هو. وفي المرَّة الثانية، شُحِنَت بطارية الضغط ذاته بحرب التدمير، فدُمِّر كل ما أصبحت إعادة بنائه آلة ضغط جهنمية، فالمعابر لن تُفْتَح، والحصار لن يُرْفَع، والمُدمَّر لن يعاد بناؤه، إذا لم يُسْتكمل الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل بما يقيم الدليل على أنَّ الشعب ذاته أصبح يفهم هذا الاعتراف على أنَّه خشبة الخلاص له من مآسيه.
وإذا كان من "جَزَرة"، فالمساعدات الدولية المالية السخية (والسخية عن عمد) التي أُقرَّت في شرم الشيخ كانت هي "الجَزَرة"، والتي تشبه، في معناها أو منطقها الأخلاقي، أنْ تُعذِّب إنساناً بالتعطيش، مثلاً، ثم تضع أمامه كأساً من ماء زلال، فإمَّا أن يستوفي شروطكَ لشربه وإمَّا أن ينال مزيداً من التعطيش.
لو سُئل "أرباب السلام" في "اللجنة الرباعية الدولية"، أو وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون، عن السبب فيما لحق بقطاع غزة من تدمير (مُغْرِض سياسياً) لكان الجواب على البديهة هو ضَرْبُ الفلسطينيين لسديروت بصواريخ (ليست بالصواريخ). أمَّا لو سُئلوا عن السبب في بقاء المُدمَّر مُدمَّرا، وفي منع تلك المساعدات السخية من الوصول، لكان الجواب، وعلى البديهة أيضاً، هو أنَّ قطاع غزة لم يستوفِ الشرط الدولي الأهم لإعادة الإعمار، وهو الاعتراف بإسرائيل.
في الإجابة الأولى، يُشرح للفلسطينيين في قطاع غزة، وعلى خير وجه، معنى العبارة المستغلقة على فهمهم، وهي عبارة "نبذ العنف"؛ أما في الثانية فيشرحون لهم أهمية ومزايا اعترافهم بحق إسرائيل في الوجود، وكأنَّ الشعب الفلسطيني لم يقاتل ويقاوم ويضحي.. إلا ليغدو اعترافه بحق إسرائيل في الوجود مصلحة فلسطينية عليا، وحاجة فلسطينية ملحة، ومطلبا فلسطينيا أساسيا!
وليس ثمَّة ما يمنع هذه المأساة من أن تثمر مهزلة من قبيل أنْ يَطْلُب "المانحون"، أو "اللجنة الرباعية الدولية"، من كل موظَّف في السلطة الفلسطينية أنْ يوقِّع ورقة تتضمن اعترافه الشخصي بحق إسرائيل في الوجود إذا ما أراد لراتبه أن يصل إليه، أو يصل إليه في انتظام!
إننا لن ندخل في جدل لاهوتي في أمر الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، فحتى المؤمنين إيمانا لا يتزعزع بانْ ليس لليهود من حق في أن تكون لهم دولة قومية في فلسطين يمكن أن يكتشفوا الآن، أو بعد حين، "الضرورة" التي تبيح هذا "المحظور"؛ فما يعنينا، ويجب أن يعنينا، من هذا الأمر هو أنَّ الثمن الإسرائيلي (والدولي) للاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، وبصرف النظر عن صيغة الاعتراف، قد تضاءل حتى أصبح من الصعوبة بمكان تمييز هذا الاعتراف من الاعتراف المجاني، أو الاعتراف الذي يشبه أن تشتري سمكاً في بحرٍ.

من قبل، كان الفلسطينيون يختلفون مع إسرائيل، ومع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، ومع بعض الدول العربية، في مبدأ، أو في صيغة، أو في طريقة، اعترافهم بإسرائيل عبر قيادتهم السياسية، التي كانت مستوفيةً أكثر من الآن بكثير شرط الاعتراف الشعبي الفلسطيني العام بها على أنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني؛ أمَّا الآن، وفي دليلٍ آخر على أن مأساتهم تلد كثيراً من المهازل، فهم يختلفون مع بعضهم بعضا في تلك المسألة، التي، على أهميتها، يجب ألاَّ تكون محل خلاف ونزاع بينهم، وبنداً مدرجا في جدول أعمال المصالحة الفلسطينية، والتي لو لم يضيِّعوا جميعاً البوصلة، لتوصلوا إلى حسمها منذ زمن بعيد.

إنَّ أسوأ سياسة فلسطينية هي تلك التي يمكن أن تأتي بها مصالحة فلسطينية تقوم على تطرُّفٍ من تطرُّفين، فالفلسطينيون سيخرجون نهائياً من العالم الواقعي للسياسة، وسينتهجون نهج العداء لأنفسهم، إذا ما تصالحوا على قاعدة الاعتراف الجماعي للمنظمات الفلسطينية بإسرائيل، أو على قاعدة نبذ ورفض كل اعتراف فلسطيني بإسرائيل.

ولو كان لدى القيادات السياسية للشعب الفلسطيني من قوة الالتزام الفلسطيني القومي والديمقراطي ما يكفي لترجيح كفة المصالح الفلسطينية العامة على المصالح الفئوية الضيقة لما شقَّ عليهم إدراك حاجتين فلسطينيين عامتين، غير متناقضتين في الباطن، وإن بدتا متناقضتين؛ فالفلسطينيون، أي الشعب الفلسطيني، يحتاجون إلى "حماس" التي ترفض الاعتراف بإسرائيل، وترفض إعلان قبولها شروط ومطالب "اللجنة الرباعية الدولية"، على ألاَّ يضربوا صفحا عن حاجة أخرى لهم، لا تقل أهمية، في الوقت الحاضر على الأقل، وهي حاجتهم إلى أن تكون لهم حكومة مستوفية شروط الاعتراف الدولي بها.

ولو أردنا لهذا المبدأ، الذي يجب ألاَّ يكون محل خلاف بين الفلسطينيين، أن يُتَرْجَم بسياسة عملية، تذلِّل العقبات من طريق المصالحة الفلسطينية؛ ولكن من غير أن تزرع مزيداً من الألغام في العلاقة الضرورية بين الفلسطينيين والمجتمع الدولي، وفي هذا الوقت على وجه الخصوص، لقلنا، اقتراحاً، إنَّ الرئيس محمود عباس، وبصفة كونه رئيسا للسلطة الفلسطينية، ولمنظمة التحرير الفلسطينية، ولحركة "فتح"، يمكنه أن يؤكِّد علانيةً أنَّ لـ "حماس"، ولغيرها من "الأحزاب" الفلسطينية، ولأيِّ فلسطيني، الحق في أن يرفض، وفي أن يظل رافضاً، الاعتراف بإسرائيل، مهما كانت صيغة هذا الاعتراف.

وفي مقابل ذلك، وبالتكامل معه، تؤكِّد حركة "حماس" التزامها أمرين: رفض الاعتراف بإسرائيل، بصفة كونها "حزبا" فلسطينيا، واستعدادها للمساهمة في تذليل كل عقبة من طريق تأليف حكومة فلسطينية جديدة مقبولة دوليا، ويمكن أن تذلِّل العقبات من طريق فتح المعابر، وإنهاء الحصار، وإعادة الإعمار.

ومع تأكيد "حماس"، وغيرها من المنظمات الفلسطينية، لالتزامها وتمسكها بخيار المقاومة بكل صورها وأشكالها، ولرفضها كل تفسير لـ "نبذ العنف" على أنَّه نبذٌ للمقاومة بكل صورها وأشكالها، يمكن ويجب، عندئذ، أن يُتْرَك لهذه الحكومة أمر التوصل إلى اتفاق للهدنة (بين إسرائيل وقطاع غزة) يلبي حاجة الفلسطينيين إلى فتح المعابر، ورفع الحصار، وتحويل المساعدات المالية الدولية المقرَّرة إلى وسائل وسلع ومعدات لإعادة الإعمار في قطاع غزة.

وبشيءٍ من البرغماتية، يصبح ممكنا أن تتمثل "حماس"، الرافضة للاعتراف بإسرائيل ولقبول شروط ومطالب "اللجنة الرباعية الدولية"، عبر أشخاص معيَّنين يمثلونها، في حكومة فلسطينية مقبولة دوليا، وتملك برنامجا سياسيا ينهي الحصار، ويقي الفلسطينيين منه مستقبلا.

إذا التقى طرفا النزاع الفلسطيني في منتصف الطريق، والذي فيه، على ما أرى، تكمن المصلحة العامة الحقيقية للفلسطينيين، فعندئذٍ لن تكون "حماس" في حاجة إلى الاستمرار في جدل المفاضلة بين "احترام" و"التزام" الاتفاقيات السابقة بين إسرائيل والفلسطينيين؛ وعندئذٍ، أيضاً، يصبح ممكناً التأسيس لنظام سياسي فلسطيني جديد، يقوم على المزواجة بين الشرعية الديمقراطية الانتخابية والشرعية الدولية، ليس حُبَّاً بهذه المزاوجة، وإنَّما مراعاةً لكثير من حقائق الواقع الفلسطيني، فالفلسطينيون لا ينتهجون سياسة "سيئة"؛ لأنَّهم "سيئون"؛ ولكنَّهم ينتهجونها؛ لأنَّ واقعهم سيء.

وأحسب أنَّ هذه "الشيزوفرينيا السياسية" يمكن أن تستمر ما استمر الواقع الفلسطيني المُنْتِج والمغذِّي لها، فلو أنَّ انتخابات برلمانية فلسطينية ديمقراطية وحرة ونزيهة أجريت، وانتهت إلى سيطرة برلمانية شبه مطلقة للرافضين لمبدأ الاعتراف بإسرائيل، فإنَّ تأليف حكومة فلسطينية مستوفية شروط الاعتراف الدولي بها يظل خيارا فلسطينيا مُجْمَعاً عليه حتى تنتفي، موضوعيا، الحاجة إليه.

إنَّ لكل فلسطيني، ولكل حزب فلسطيني، حقا لا جدال فيه في أن يرفض الاعتراف بإسرائيل؛ ولكن قوة هذا الحق يجب ألاَّ تنال من قوة إحساسه بالمسؤولية، فقضايا الشعوب والأمم لا تضيع إلاَّ عندما ينمو أحد طرفي هذه المعادلة من اضمحلال الآخر، أي عندما يُفرَّط في الحقوق بدعوى الإحساس بالمسؤولية، أو تُنْبَذ ضرورة الإحساس بالمسؤولية بدعوى أنَّ القول بها كلمة حق يراد بها التفريط في الحقوق.

وما قلناه في أمر الحكومة يصلح أيضاً في أمر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية قبل، ومن أجل، إعادة بنائها بما يُظْهِر ويعزِّز صفتها التمثيلية المعروفة، والتي يجب أن تكون محل اعترف فلسطيني شامل، فالمنظمة، في مؤسستها التمثيلية البرلمانية، يجب أن تُفتح أبوابها (الديمقراطية والانتخابية) أمام "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وأمام كل فلسطيني، وكل حزب فلسطيني، يلتزم، لهذا السبب أو ذاك، مبدأ رفض الاعتراف بإسرائيل، ويجب أن يتمثل فيها كل حزب بما يتناسب مع وزنه السياسي والشعبي والانتخابي، على ألاَّ يترتب على ذلك، وإلى أن يتغيَّر كثيراً الواقع الفلسطيني الموضوعي "السيئ"، ما من شأنه أن يُظْهِر الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني أمام العالم على أنَّه مُخِلٌّ بالتزاماته الدولية، مُتنصِّلٌ منها، فتعلُّم الفلسطينيين مخاطبة أنفسهم بلسان، والعالم بلسان، إنَّما هو الآن، وإلى أن تنتفي الأسباب، شرط بقاء بالنسبة إليهم.

و"اللسان"، على ما يعلِّمنا التاريخ، لن يقدر أبدا أن يقيِّد يديَّ صاحبه إذا ما تحرَّرتا من قيود الواقع ذاته، فَلِمَ نصوِّر الاتفاقيات على أنها قصاصة ورق عند خصمنا فقط، وكأننا الفأر الذي لا يرى وحشا أقوى من القط؟! جواد البشيتي