الخطا والأثر في تجربة أبي سنة الشعرية

بقلم: حمادة هزا ع
ملحمة شعرية

"المتابع لتجربة الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة منذ صدور ديوانه الأول (قلبي وغازلة التوب الأزرق) عام 1965 حتى ديوانه الأخير (موسيقى الأحلام) الذي صدر 2004، سيشهد وعيا قويا لديه بقيمة الشعر، وإيمانا راسخا بدوره في حياة الإنسان، ذلك الدور الذي يتخطى تخوم الفيوضات الجمالية، والتأثيرات العاطفية التي لا غني للإنسان عنها ، ليحتل – إضافة إلي ذلك – موقع المحفز على الفعل، وإحداث التغيير، ويتخذ دور المقاوم لعوامل الزمن وهي تعمل جاهدة علي هتك بهاء الإنسان علي هذه الأرض.
ونحن في سبيل سعينا إلي نيل الحرية، ونشدان العدل ومن خلال رغبتنا في ملاحقة الجمال سنعمل – هنا – على إقامة حوار منتج مع هذه التجربة الشعرية شديدة التميز من أجل تأصيل هذه القيم، والكشف عن روافدها المعرفية والجمالية، وذلك على ضوء رؤية منهجية، تعتمد النص الشعري موقفا فكريا وجماليا تتكشف على هداه الرؤى، وتحدد المسارات".
بهذه الكلمات المركزة الموحية يختم د. عبدالحكم العلامي مقدمة كتابه "محمد إبراهيم أبو سنة .. الخطا والأثر"، الذي سأقوم بعرضه وتحليله للقراء الأعزاء.
صدر هذا الكتاب عن الهيئة العامة لقصور الثقافة سلسلة "كتابات نقدية" 2008، ويقع في مئتين واثنتين وسبعين صفحة من القطع المتوسط، ويحتوي على إهداء ومقدمة وخمسة فصول، وملاحق وخاتمة.
أما المؤلف فهو د. عبدالحكم عبدالحميد العلامي، من مواليد سوهاج 1962، تخرج في كلية دار العلوم جامعة القاهرة 1984، وحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من كلية الآداب، جامعة عين شمس عامي 1996- 2001، وهو عضو في لجنة تحرير معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، وصدر له العديد من الإبداعات الشعرية والنقدية منها: حال من الورد (شعر)، لا وقت يبقى (شعر)، الولاء والولاء المجاور (نقد)، وجوه ومريا (نقد)، هذا إلى جانب الدواوين والدراسات الأخرى التي ما زالت قيد النشر. محمد إبراهيم أبو سنة .. الخطا والأثر إذا جاز لي أن أستعير وصفا أصف به هذا الكتاب الممتع وينطبق عليه إلى حد كبير، فلن أجد خيرا من استعارة عنوان دراسة نقدية أخرى للمؤلف، وهو "الولاء والولاء المجاور"؛ حيث جاء الكتاب الذي أعرضه الآن ليعبر أصدق تعبير عن الولائين، وهاك بيان ذلك:
أقصد بـ "الولاء"، الولاء للشعر إبداعا ونقدا، الأمر الذي دفع مؤلف الكتاب – وهو شاعر له وزنه الشعري على الساحة الأدبية كما أشرت سابقا - إلى أن يختار قامة شعرية كبيرة، ذات تجربة إبداعية شديدة التميز والخصوصية، وهي تجربة الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة.
يقول د. عبدالحكم العلامي في لقائي معه "عن اختياري لأبي سنة، لأكتب عنه كان نتيجة إعجاب شديد بشعره"، ثم يوضح أن رغبة الكتابة عن أبي سنة كانت موجودة "بالقوة" وظلت كامنة في نفسه، إلى أن ظهرت في حديث دار بينه وبين أستاذه الناقد الكبير د. محمد حسن عبدالله، حيث دفعه د. محمد إلى "فعل الكتابة" ووعده كذلك بنشر ما يكتبه.
- أما عن "الولاء المجاور" فأقصد به "الولاء للنقد"، فالنقد دائما مجاور للنقد عامة والشعر خاصة، ولا يصلح أحدهما إذا غاب الآخر فهما بمنزلة الروح والجسد.
- ويتضح ولاء د. عبدالحكم للنقد بأمرين:
أولهما: الدراسات النقدية التي قدمها للمكتبة العربية من بداية أطروحتيه للماجستير والدكتوراه، وحتى الكتاب الذي أقوم بعرضه الآن، إذ أنها، في مجملها، خطوات على طريق المشروع النقدي الذي يهدف د. العلامي إلى تأسيسه وإضفاء المشروعية والموضعية عليه.
وآخرهما: الإهداء الذي صدر به العلامي كتابه، حيث جاء هذا الإهداء ليوضح لنا مدى ولاء المؤلف لأستاذه الذي علمه آليات التأويل وجماليات التلقي، وهو يناقشه في رسالة الدكتوراه، وتعهد الكتاب مذ كان فكرة في ذهن صاحبه، وإلى أن ظهر إلى النور.
يقول المؤلف في الإهداء "إلى أستاذي الدكتور محمد حسن عبد الله .... كل ما في وسعي أنني سأحتفظ بملامحك الحبيبة على درج الخطا".
وبذلك فإن د. عبدالحكم – في هذا الكتاب - قد أعلن:
أولا- عن "ولائه" للشعر- بصفة عامة- وهو أحد مريديه، وشعر أبي سنة – بصفة خاصة - وهو أحد محبيه.
ثانيا- عن "ولائه المجاور" للنقد – بصفة عامة- وهو أحد كتَّابه، وللناقد الكبير د.محمد حسن عبدالله – بصفة خاصة، وهو - د. عبد الحكم - أحد تلامذته.
الخطا والأثر:
هذا هو عنوان الفصل الأول من الكتاب، وقد تناول فيه المؤلف حياة الشاعر "أبو سنة" من خلال القرية/ بدايات التكوين، الرحيل إلى القاهرة، الروافد المعرفية والثقافية، التصوف رافدا ومعيارا، دائرتا العمل والإنتاج.
وخلص المؤلف في هذا الفصل، إلى أن الشاعر "أبو سنة" قد تهيأت له جملة من المعارف والثقافات امتزج فيها المحلي المقيم والذي يتمثل في ثقافته العربية والإسلامية، والوافد الجديد الذي يتمثل في كل ما وقعت عليه يد الشاعر من ثقافات أخرى حملت صورة المعاصرة. وهذا المزج بين ثقافة أصيلة وأخرى معاصرة قد أنتج لنا مزاجا شعريا على قدر كبير من الفرادة، خاصة فيما يتعلق بجانبه اللغوي الذي اختفى - إلى جانب عنفوانه العربي الأصيل - ببساطة تراكيبه وحيوية أنساقه.
- ثنائية القرية والمدينة:
جاء هذا العنوان؛ ليوضح لنا مضمون الفصل الثاني من الكتاب، حيث بدأ المؤلف بالحديث عن رحلة الشاعر – أي شاعر- من القرية إلى المدينة، ويبين أنها هذه الرحلة قد "حظيت – مؤخرا - باهتمام الباحثين في حقول الدراسات الأدبية" ثم يتناول "ثنائية القرية والمدينة" في شعر "أبو سنة" عن طريق المدينة المتوحشة والقرية/ الملاذ، المدينة الحلم، تحولات القرية.
ويخرج المؤلف من هذا الفصل بنتيجة مفادها "أن محمد إبراهيم أبو سنة، استطاع أن يدير الصراع بين عالم القرية بكل ما يحمله من براءة، وعالم المدينة بكل ما ينطوي عليه من زيف – بطريقة تجاوز من خلالها التعبير عن الصدمة الذي شغل الطرح الريادي الأول، إلى ما يمكن أن نطلق عليه الصدام بعد أن عمق من حدة هذا الصراع عن طريق ذكر تفاصيله، وبعد أن انتقل به إلى بعده الدرامي متجاوزا في ذلك البعد الغنائي ذا الصوت المنفرد، وبعد أن خطا به خطوات أبعد من ذلك بكثير عندما تحول به إلى صدام حضاري بين قيم تحتفي بمطالب الروح، وأخرى مدارها غرائزي ينشد الجسد.
- المرأة / التجلي والرمز:
تحت هذا العنوان تحدث المؤلف في الفصل الثالث، عن المرأة كموضوع أثير في الشعر، إن لم تكن هي الشعر نفسه، ثم المرأة/ الرمز، المرأة/ الأسطورة.
ويرى المؤلف أن صورة المرأة في شعر "أبي سنة"، لم تجئ مكافئة لما كان ينشده الشاعر من قيم كالوفاء والحب والإيثار غيرها من الصفات التي تكون المرأة – عادة- موطنا لها، ومن ثم لجأ الشاعر إلى عالم الأساطير عله يجد ضالته في ذلك العالم البكر، فيظفر بهناءة ولو وحيدة في جوار ذلك الكائن الجميل المراوغ المسمى بالمراة.
- الشاعر الأسيان:
هذا هو الفصل الرابع، الذي يتناول المؤلف فيه تيمة "الحزن" التي تعد "رافدا أثيرا لدى المصلحين من المفكرين والشعراء والفلاسفة"، ويتحدث عن صداها وأثرها في شعر "أبو سنة"، بوصفه شاعرا معاصرا، وإنسانا من هذا الزمان.
واهتم المؤلف - كذلك في هذا الفصل - بمعالجة تأملات الشاعر ورؤاه ذات المنزع الفلسفي من خلال مزاجه الأسيان الذي شكل الحزن ملامحه من خلال بواعثه شديدة الفتك والتي تمثلت في فعلي الموت والزمن بالإنسان الذي لم يجد مهربا من مواجهة مصيره المحتوم معهما.
- اللغة وطرائق التعبير:
بعد أن ينتهي المؤلف مما يمكن أن نطلق عليه "الدراسة الموضوعية" التي تخللتها بعض الظواهر الفنية، يأتي الفصل الخامس – الأخير - ليسلط الضوء على بعض الظواهر الفنية في شعر "أبو سنة" ويعالج فكرة اللغة من خلال إعادة تشكيلها شعريا الأمر الذي لا يعني تنميقها وزخرفتها، بالقدر الذي يعني كيفية عملها بوصفها حاملة لبذرة الشكل والمضمون معا، وكذلك بعض طرائق التعبير الأخرى التي اعتمدها محمد إبراهيم أبو سنة كاستثماره لتقنيتي السرد والحوار، واستضافته في كثير من الأحيان لعنصري التجريد والمفارقة.
- أبو سنة، وطريقه إلى الشعر:
يتبع المؤلف فصوله الخمسة، برافدين على قدر كبير من الأهمية - على حد قوله - يتعلقان بالحديث عن تجربة الشاعر بصوته هو هذه المرة:
الرافد الأول: يحمل عنوان "طريقي إلى الشعر".
الرافد الآخر: عنوانه "هاجس الغربة في تجربتي الشعرية".
- الخاتمة:
وينهي المؤلف جولته هذه، بخاتمة، يقول فيها "وبعد، فقد كانت هذه الرحلة الممتعة مع تجربة شعرية تعد بحق امتدادا أصيلا لخطا الريادة الشعرية في مصر والعالم العربي خاصة فيما يتعلق بأفقها الحداثي، رحلة رافقنا فيها محمد إبراهيم أبو سنة، من خلال هذا الطرح الشعري الشديد الثراء والذي استغرق اثني عشر ديوانا، بداية من ديوان "قلبي وغازلة الثوب الأزرق"، حتى ديوان "موسيقى الأحلام" طرح هو بمثابة ملحمة شعرية بطلها الإنسان في صراعه من أجل نيل حريته، ومن أجل الدفاع عن حقه في إدراك ذاته بعيدا عن وجودها المشروط مع الغير. حمادة هزاع ـ شاعر وناقد مصري
Eslam_deen2000@yahoo.com