تهويمات محمد عطية في 'وخز الأماني'

بقلم: غريب عسقلاني
القصة القصيرة تمتطي جناح الشعر

لعل أهم ما تطلقه قصص وخز الأماني للقاص الشاب محمد عطية محمود، هو العلاقة بين الرؤية الشعرية وفضاء القصة القصيرة، وهل يحمل الشعر بنية ومضمونا مركبة القصة، ويحيل السرد إلى إرهاصات محمولة على شفرات تأخذ القارئ إلى ما هو أبعد من جغرافيا النص على الورق.
قصص قصيرة جداً ولكنها ذكية، مراوغة، ترقص أمامك وتطير، لكنها تعود باقة أسئلة خلفها قاص موهوب ومؤرق بالحياة, يبحث عن موطئ قدم وبصمة خاصة به، وسيلته الغوص في الواقع لدرجة الاشتعال، أو ربما الاحتراق للخروج من رماد التجربة بإرهاصات جديدة، تؤكد أن الهروب من عسف الواقع أشد ألماً من مواجهته، ما يدفعه دوماً إلى البحث عن ملاذ يجد فيه بعض راحة، يتزود خلالها بالأرق الايجابي، يأخذه إلى تجليات صوفية بين حدي القدر والقدرة العليا، فلا يملك غير العبث للخروج من عبث الحياة، ولكنه لا يخرج من مشكاة الواقع الذي هو ابنه بامتياز أو ضحيته بامتياز أيضاً. يمارس الدهشة بعيون مفتوحة, ويعيش الصدمة وذهول الفقد والحرمان شأن بسطاء الناس الذين يشكلون أوسع مساحة في نسيج المجتمع. فضاء الأماني والانكسارات المجتمع يقوم على علاقات جائرة، لا تكترث بالضحايا، ولا تقيم وزنا لآدمية الإنسان العادي، وكأنه المنذور للتضحية والاحتراق على طريق وصول الآخرين، قدره أن يظل وقوداً أزلياً في محطات البدايات، ينفذ مع مواعيد الأفول, ما يجعل القاص/الإنسان في حالة ذهول بين الحلم والواقع, بين الفرحة والخوف, فنراه في قصة "وخز الأماني" يركب لهفة الحلم فلدى سماعه صوت ساعي البريد، تحف إليه الأماني أن يكون خطاب التعيين من القوى العاملة, أو خبر الفوز بالمسابقة, أو الموافقة على القرض, أو وصول حوالة مالية من أخيه المغترب، لكنها الخيبة ما يصل، أقصر من ضوء الصباح، خطاب مرتجع لعدم الاستدلال على العنوان. هل ضلت الأماني الطريق إليه. ربما هو من فقد العنوان؟
وفي قصة "تداعيات" يرى صديق طفولته وأحلامه الخضراء صدفة, يجلس على المقهى بعد فراق طويل، الصديق يستقبله بابتسامة نصف مرحبة, نصف باردة سرعان ما تتحول إلى تكشيرة غائصة في دخان الشيشة الأزرق. يسلم عليه, يشعر بالصد والغربة لدرجة الاختلاف والتضاد، ينسحب متعللاً بالانشغال وضيق الوقت, يحاول استقصاء ابتسامة صديقه, لا يجد فيها غير المكابرة على الهزيمة، لأن زمن الأحلام الخضراء بات بعيداً.
وفي قصة "ترقب", تلح عليه الرغبة في معرفة الوقت، وساعته على معصمه معطلة منذ زمن، يراقب الناس من حوله في المحطة، تخذله المعاصم العارية والأيدي المخبأة في الجيوب، يقع على فتاة طازجة خارجة للتو من مساحة حلم، معصمها لا يحمل ساعة. وقبل أن يدنو منها، يمر بهما عجوز على صدره سلسلة فضية تنتهي بساعة جيب, وقبل أن يسأله يكون قد غادر إلى الرصيف الآخر، وكأن الوقت يصرخ فيه قبل أن يصل إلى النهاية قبل الأوان.
وفي قصة "خواء" يتواعد مع صديقه "بعد طول فراق" على اللقاء في ذات المقهى وعلى ذات الطاولة، ينتظر يعاجله النادل بفنجان القهوة. يطول الانتظار. ثمة قط يرقد تحت الكرسي الذي يجلس عليه, يخرج القط الأعرج يتسلل من المقهى إلى الشارع, يتابع القط. يرى رجلاً يقطع الشارع باتجاه المقهى عندما يمر أمامه لا يكون الصديق، فهل يبقى بانتظار الصديق (جودو) الذي لن يأتي.
وفي قصة "سقوط الأوراق" تصله الدعوة لحضور الحفل، يشعر بأهميته، يتألق ويذهب. المكان مزدحم، آلات التصوير والبث، رجل المنصة نجم الحفل يلقي كلمة, يبدأ النقاش، يحدث التراشق بالاتهامات، يتوقف التصوير، تختفي آلات البث، ينتهي الحفل، وعند باب الخروج يرى لوحة لشجرة تساقطت أوراقها، يستظل بظلها نصف جسد. تقذفه البوابة إلى عالم ظاهره يختلف عن باطنه، ويدرك أنه والناس قطع في ديكور المشهد.
وفي قصة "صدأ المشاعر" تكون الفجيعة عندما يأخذ الصدأ أقفال القلوب والعقول، فنحن مع امرأة شابة / عروس مفجوعة بموت أبيها، تنزلق قدمها وتقع في الغيبوبة، تصحو في المستشفى على آلام الكسر والفقد يتناهى إليها ترتيل المقرئ وفي السرادق، تواسيها النساء المرافقات. فجأة يظهر زوجها الأنيق، لا تظهر عليه أي مسحة حزن. جامد تركبه الجهامة والصلف، وشواظ تنطلق من عينيه يسألها عن جريمة حضور خطيبها السابق إلى العزاء مواسياً، وكأن التواصل الإنساني أمام الموت جريمة. فلا تجد الزوجة ردًّا غير الدخول في الغيبوبة مرة أخرى. لكن الضوء الداخلي الساكن في النفوس يقاوم الانكسار كما في قصة "الضوء والانكسار" مع الشابة الجميلة العاملة في حافلات شركة السهم الذهبي. والرحلة تنطلق مع نهايات النهار والمضيفة في كامل أناقتها وجاهزيتها للعمل، يسكنها فارس بعيد.
مثل فراشة تنتقل بين الركاب مثل نحلة تقدم السرفيس، مثل أميرة تجلس بجدار السائق. مثل وصيفة صارمة تطلب من راكب عدم التدخين, وتقدم له بعض مرونة إن هو دخن في مؤخرة الحافلة. تصل الحافلة المدينة مع بدايات الفجر. تخرج المضيفة من الباب الخلفي للعربة بلا زينة، شعرها ملفوف، وعلى وجهها كدمات الإرهاق, لكن فارسها مازال يحلم معها أحلامها الصغيرة.
وفي قصة "واجهة العرض" البائعة ابنة القباري تقوم على تنظيف الواجهة، وترتيب الأزياء على نساء العرض الحجريات، وتعيش عبق عطر وطعم أحمر شفاه جربته خلسة مع صديقتها التي تعمل في محل العطور المقابل. المارة ينظرون إليها بين نساء العرض، تقف بجوار إحداهن وترفع كم الفستان. تسمع دبيب أقدام صاحب المحل. تعود إلى تنسيق الفستان على امرأة الحجر تضم عليه القماش، تخفي شرخاً على الظهر الحجري. ترى أي شرخ أخفته العاملة التي تأتي يومياً من الحي الفقير، تصارع مفارقات الحياة من أجل الحياة. أبواب ضيقة تفضي لآفاق رحيبة قصص رشيقة، نابضة مثل قلب عصفور يطلب الحياة بأقل المتطلبات، الناس في القصص تعيش أشواقها بالمتاح، تقفز على الجوع بامتلاك حواس أخرى، لا ترضى بالواقع، تنفلت منه دون انكسار تقتات عذاباتها بوجد صوفي قانعة بأقدارها وأدوارها، ففي قصة "تواصل" نرى عاملين عتالين يتقافزان مع عربتيهما على الإسفلت, يصدران صفيراً يثير غضب السائقين وأصحاب المحلات التجارية. لكنهما يواصلان الصفير تأكيداً على الحضور، يطمئن الواحد على صديقه وعلى الطاقة الكامنة فيه. ذلك ما يظهر في قصة "فوق الرماد" وبائع المشوي الذي يضع على ظهر فرنه الأهرامات, وعلى بابه خمسة وخميسة محاطة بلفظ الجلالة، لا يأبه للدخان ورائحة الكيروسين، زاده الموروث والتاريخ والإيمان بوابات عبوره.
نرى الأمر في صورة أخرى مع الأعمى الذي يستعين بحواس أخرى لاكتشاف جغرافيا المكان، يرى الناحية الأولى في رائحة الفسيخ والثانية في وهج الطماطم والثالثة من رائحة جميع الفواكه فيعبر الزقاق لا يخطئ هدفه. لكن الأمر لا يخلو من انكسارات كما في قصة "طلّة وبائع السمك" الذي يرتوي من طلة زبونة الشرفة التي تنتظره مع قطها السمين، يلاغيها حتى تسكن مراسيه في أخدود ما بين النهدين ويهديها سمكاً طازجاً بسعر مقبول، لكنه ذلك الصباح, لا يرى غير القط وحيداً حزيناً فيمضي قابضاً على وجعه وجوعه، مثل بائع الحلوى في قصة "الكرة الزجاجية" المحشور بين ركاب الأتوبيس في الذهاب والإياب، محافظاً على نغمة ندائه عسل أبيض بحليب، وجوز هند وزبيب. ويلتقط رزقه، وعند المحطات يتفقد آلام ظهره. والنوافذ للتسلل أيضاً في قصص "النوافذ"، يترك القاص للناس مجالاً للهروب من المواجهة، ليس عن تواطؤ، ولكن لتأكيد أن النكوص أمام المواجهة هو أقصر الطرق إلى الفشل، ففي قصة "عقاب", لا تستطيع المعلمة البدينة ضبط الفصل, فتهرب من مشاكسة التلاميذ إلى فرض امتحان شهري مفاجئ, الفشل هنا باللجوء إلى حلول غير عادلة وهذا ما تكرره المعلمة النحيفة في قصة "مناقشة حرة"، فالمعلمة تفرض جهامتها، ونظراتها العدائية الحادة وتضبط الفصل عنوة ولا تترك مساحة للتفاعل، وتحول الدرس إلى مناقشة حرة بعد أن صادرت حرية الطلاب.
وفي قصة "اقتحام" ينجح الولد في لعبة نط الحبل, وتنجح البنت في لعبة كرة القدم، التمييز هنا في غير مجاله، وكأن الحال برمته مقلوب، كما يظهر في حال المعلم ذي الحافظة المهترئة والسترة المتواضعة في قصة "الهدايا" يستدرج صديقاته ليقدمن له الهدايا الثمينة، وعندما يصبح مع الناظرة الشابة الجميلة وجهاً لوجه تتناثر مقتنياته، كأنه يعرض أشلاءه وأشلاء ضحاياه. وبعد فالقاص محمد عطية لا يتجاوز الواقع وإنما يغوص فيه، لا تغريه ألاعيب التمويه والتضخيم والتغريب، لا يذهب إلى الفانتازيا والحيل العجائبية، والأسطورة، فالواقع من حوله مذهل لدرجة الصدمة، قاتم لدرجة الفجيعة، ومبهر لدرجة امتطاء الفرح، وما على المبدع إلا دخول المقامات مخترقاً بلبلة المفارقات إلى بؤر النفس وفضاء الروح، يقطّر تجربته بحساسية متحفزة، وينسج من ذاته مساحات قصصه، وسيلته الحلم واللغة المكثفة الموحية الحاملة وجد اللحظة, ما يجعل قصصه القصيرة حالات انفجار، أو شرر تماس، فهو يعبر اللحظة بروح القصيدة، ويفتح المدى مساحة حياة، يقبض على النص, وإن غافله النص في حالات قليلة وتسلل إلى بيت الخاطرة, أو وقف عند فرخ قصيدة لم تكتسِ بالريش بعد.
وفي تقديري أن محمد عطية سوف يقفز مع قوادم الأيام من مقامات التوتر إلى فناء المحاكمة, ويقدم نصوصاً تنبسط فيها الحياة بعلاقاتها ولحظات تفاعلها واشتباكها, وتعطي للشخوص ملامحهم البشرية والنفسية والمعنوية فالبدايات تدل على ثقة الوصول. غريب عسقلاني