الأشياء الأشخاص والأماكن عند علية أبوشنب

بقلم: مصطفى نصر
ليس هناك فن وإنما هناك فنان

عندما قرأت المجموعة القصصية للأستاذة علية أبوشنب، أحسست أن صبري أبو علم كان موفقا لاختياري للحديث عن هذه المجموعة، فربما يعلم مدى اهتمامي بالأشياء، وقد أكون قد حدثته عن هذا، فأنا وصبري نتحدث كثيرا في مقابلاتنا، وعبر التليفون، وكل مكالمة عبارة عن ندوة نتناول فيها العديد من الموضوعات.
إنني مؤمن بأن الماضي يشدنا إليه، ولا نستطيع الفكاك منه. الأشياء التي عاشرناها واستخدمناها تظل تطاردنا؛ خاصة عندما يتقدم الإنسان في العمر، فأنا الآن أعيش على الماضي. وقصصي ورواياتي الأخيرة تجنح نحو الحنين إلى ما فات.
إنني متفق مع المؤلفة بأن للأشياء أرواحا، وللأماكن أرواحا.
كنت أكتب كل كتاباتي على الآلة الكاتبة التي اشتريتها قديمة منذ سنوات طوال، فأحس بأنها كائن حي، وأتوق للكتابة عليها، وأحس بشوق إليها كلما ابتعدت عنها، وهذا ما أحسه الآن مع الكومبيوتر الذي حل محل الآلة الكاتبة.
وقد حكى لي بستاني كان يعمل في الشركة التي كنت أعمل بها، عن كرمة العنب، بأنها إن امتنعت عن الإنتاج وتوقفت عن طرح العنب، يزرعون بجوارها كرمة عنب أخرى، فتحس الأولى بالغيرة فتنجب من جديد، وتتدلي عناقيدها وتطرح عنبا. هذا ما قاله البستاني، وربما أن هناك سببا علميا أدى إلى معاودة إنتاج الكرمة التي أحست بالعقم؛ عندما اقتربت منها كرمة عنب أخرى فتية وقوية ولديها مقومات الحياة. لكن التراث الشعبي جعل للأشياء أرواح. وهناك الكثير من القصص تؤكد هذا.
وفي قصة مشهورة لا أدري – الآن – إن كانت من الأدب العالمي أم للأستاذ الدكتور يوسف عز الدين عيسي تتحدث عن طفل ارتبط مصيره بشجرة مزروعة بجوار البيت، أينعت ووصلت فروعها إلى شرفة الحجرة التي ينام الطفل فيها، فكلما يبست أوراق الشجرة؛ مرض الطفل، وإذا أينعت صار الطفل في صحة جيدة، وعندما ماتت الشجرة مات الطفل بعدها.
وقديما عبَّر الشعراء عن الحنين للأماكن بالحديث عن الأطلال. ولبلزاك الكاتب الفرنسي العظيم، كلمة عندما ذكر أحد شوارع باريس، بأن طلب المعذرة من قارئه، لأنه سيتحدث كثيرا وسيطيل في وصف هذا الشارع، لأنه نشأ فيه.
وفي برنامج تليفزيوني تحدثت دكتورة متخصصة، فذكرت أن للأماكن تأثيرا على ساكنيها، فقد تسبب قطعة أرض - مقام عليها عمارة – الأمراض لساكني العمارة.
وفي الريف والأحياء الشعبية يتحدثون كثيرا عن هذا ، فيقولون: إن هذا البيت عتبته حلوة، بمعني أن ساكنيه قد اغتنوا بعد السكن فيه، وآخر عتبته وحشة، بمعنى أن ساكنيه قد حدث لهم مكروه بعد أن انتقلوا إلى هذا السكن الجديد، وأعرف دكاكين كلما استأجرها مؤجر فشل في تجارته، حتي أٌغلقت وخاف الناس من استئجارها.
وتقول الكاتبة الإنجليزية كاترين مانسفيلد "لا يستطيع الإنسان أن يهرب من المكان، فللأماكن سلطان قوي عليه أينما ذهب؛ وهو يترك قطعة من حياته أينما حل."
وكنت أعرف أخوة يعملون في بيع وصيانة الآلات الكاتبة والحاسبة، أكبرهم كان فاضلا، وكان يشرف على ورشة الصيانة، وبعد موته بأيام قليلة شبَّ حريق في الورشة فأتي على ما فيها، فقال لي أخوته: لقد حزنت الورشة عليه.
وتتشابه الأشياء مع الأماكن، فمن الممكن أن يحس الفرد بالتفاؤل للبس ساعة أو ارتداء قميص أو بنطلون، ويحس بالتفاؤل لركوب سيارة أو استئجار شقة، وهذا يتردد كثيرا: فيقولون: كان وشها حلو عليه.
**
في القصة الأولى "الدراجة" تتحدث الكاتبة علية أبوشنب عن دراجة جاء بها والدها لأختها الكبيرة، الحنين هو الذي دفع الكاتبة لذكر هذه الدراجة التي ربما هي أول دراجة تقتنيها الأسرة، لكن الكاتبة لا تكتفي بذكر هذا الحنين، وإنما تتحدث عن محاولة الأب تعليم ابنته – صاحبة الدراجة – على ركوبها، وعندما طلبت منه – البطلة – أن يفعل هذا معها؛ امتنع، لأنها مازالت صغيرة، ضعيفة، ساقاها لا تكادان تحملان جسدا ضئيلا متعبا؛ من كثرة اللعب والقفز.
لكن البطلة لم تقتنع بهذا، ودفعها إصرارها وعنادها لأن تجرِّب، وقعت أول مرة لأن العجلة كانت أطول منها. فعاودها الإصرار والعناد وجاءت بصندوق خشبي وصعدت أعلاه وجلست وأمسكت بالمقود.
كانت هذه الدراجة وسيلتها للحرية والإنطلاق والخروج من كآبة الحوائط ومن دفء الخبيز بالمطبخ.
انطلقت بالدراجة في الشوارع؛ فاختلطت أشعة الشمس الموشكة على الغروب مع دقات قلبها الملهوف في عزف سيمفونية، وأحست بنشوة لم تعهدها من قبل، وكادت تنحني لتقبل دراجتها فلولاها ما شعرت بكل هذا الجمال.
أحست بالجمال الذي مازالت تذكره بعد مرور السنوات الطوال – رغم أن ركبتها جُرحت مما أدَّى إلى علاجها عن طريق طبيب جراح وضمد الجرح وخيطه بغرز كثيرة.
لقد أحسنت الكاتبة بوضع هذه القصة في أول الكتاب فهي أجود قصة، وفيها عناصر القصة الناجحة.
تتحدث علية أبوشنب عن البحر المتوسط في لمحة جميلة لم تخطر على بالي، إنني في الإسكندرية أتعامل مع البحر القريب مني كجزء من حياتي، وكذلك تحس الكاتبة، تذكره عندما يبلل قدميها، وأذكره عندما أجلس أمامه وأسمع صوت هديره فأصادقه وأحكي إليه، لكن الكاتبة ذكرتني بأشياء معروفة، لا أدري كيف كنت أنساها وقت اقترابي من البحر.
البحر المتوسط كبير جدا ويطل على مدن ودول كثيرة جدا، وأنه صار عجوزا وبه مخلفات السفن والطاقات الإشعاعية والتلوث خنقه.
للبحر المتوسط أبعاد أخرى ننساها، فنحن نتعامل معه على أنه مجرد شاطئ جميل يصطاف الناس فيه صيفا، وننسى مشاكله وخباياه، والتقارير التي تدعي بقرب زواله وتهديد المدن التي تطل عليه.
يقول الشاعر اليوناني الكبير قسطنطين كفافيس في قصيدة له: قالوا لي: إن بغرفتك شباكا
قلت: يا له من كنز!
كيف قضيت كل العمر دون أن أعرف هذا السر؟
شباك! إنه النور، إنه الحياة
لابد أن أفتحه لأعيش
لكن، مهلا، فمن يدري؟
ربما أضاف إلى محنتي بلاءً جديدا، فلأدعه مغلقا
والكاتبة فعلت مثلما فعل كفافيس في قصتها "النافذة"، بحثت عن مكان النوافذ حينما اكتمل بناء الحوائط، وتوالت النوافذ حتى تراصت جميعها وأصبحنا نرى البحر من كل زاوية وحجر في المكان، وحين كست الستائر النوافذ برداء رصاصي أزرق؛ اكتمل جمال الغرفة .
وكما يقول كفافيس في نهاية قصيدته "ربما أضاف إلى محنتي بلاءً جديدا، فلأدعه مغلقا". أو كما يقولون في الأمثال: الشباك إللي يجيلك منه الريح سده واستريح.
وفي الشتاء تشتد الأنواء وتصفر الريح من خلال النافذة، أشعر بالخوف وحدي، أضم إزاري على صدري وأغلق الستائر، لكن يبقى هدير الأمواج وطبول الأمطار تقرع من خلف كل نافذة. لم أهنأ بالبحر ولا الشط. لم أعد أسرح. اقتلعت الصور ولملمت حطام بيتي، لففته، كفنته وبقيت أرقب متى ينتهي هذا الشتاء، ومتى يمتليء هذا الخواء، تراني حقا أفكر في أن أسد النافذة أم أبقي هكذا معلقة بين السماء والأرض أنتظر بين يأس ورجاء أن يحل الربيع ثانية وتعود يوما طيوري المهاجرة لملء المكان نورا وحبورا وتتـألق الأماني وتصدح الأغاني ويومها أفتح النافذة ثانية.
في قصة "أشيائي الصغيرة" تتحدث الكاتبة عن الأشياء التي تحتفظ بها وتضمها في شغف وتخضع لها وتلفها وتودعها في علب صغيرة. فهذا عقد أمها الذي مازال يحمل عبق رائحتها وخيلائها وصدى صوتها الذي يجلجل في المكان.
وتلك عصا والدها التي كم طافت البلدان والمدائن والتي كانت – في صغرها، هي وأقرانها الأطفال – يظنونها أقوى من عصا سليمان.
ودميتها الحزينة التي تحدثها: كم احتضنتك طفلة صغيرة وكم بكيتك، وتسألها: هل تذكرين يوم الرحيل، كنت أنت من احتملني بعد أن ولَّى الصحاب والأهل والخلان.
تحاول الكاتبة أن تتمرد على هذا الإحساس الذي تعتبره ضعفا وجبنا، فما هي سوى أشياء صماء لا تملك من أمرها شيئا فما بالك بإنسان؟
وتهم بإلقائها والتخلص منها فلا تستطيع.
ونحن نتمسك بالأشياء، ولا نريد أن نرميها ونتخلص منها رغم قدمها وعدم صلاحيتها للعمل، زوجة صديقي تشكو لي كثيرا - عبر التليفون - من زوجها الذي يحتفظ بأشياء قديمة ولا يريد التخلص منها، فاسمعها مبتسما، فأنا أيضا لدي أشياء قديمة، تريدني زوجتي أن أتخلص منها، ومصر على الاحتفاظ بها.
في قصة "سان استفانو" الحزينة، تربط الكاتبة شاطئ سان استفانو بحبيبها الذي راقصته في بهو الفندق "أذكر الإزدحام وأكواب قهوتنا التي نرتشفها، ندعي أننا بها صرنا كبارا وأننا أدركنا الأحلام."
وقد لبست خاتمه في زوايا سان استفانو، لكن في نفس العام الذي رحل فيه حبيبها؛ هدموا المكان؛ كما هدموا أشياء كثيرة جميلة في الإسكندرية، البوريفاج والسينمات القديمة.
تتحدث الكاتبة عن أشخاص، شيلا الأميركية (من شيللي) التي دعتها الكاتبة لتناول الطعام، وعن حي رأس التين وعن وفاء الفلسطينية التي رحلت مع زوجها تاركة للكاتبة بعض الأطباق؛ لكي تتذكرها بهم. وحي جليم الذي سكنته مع أسرتها.
وعن سنوي، قطتها التي تركتها في بيت أمها عندما تزوجت، لكن القطة حزنت عليها حتى ماتت.
وبيت العائلة الذي تفوح منه رائحة العجين وأعواد البخور وقدرة الفول في أمسيات رمضان، وتذكر يوم أن تزينت أختها لليلة عرسها، وكيف تقابل فيه أبناء أخواتها وأخوتها فهي العمة والخالة والجدة أيضا وتذكر أغاني فيروز وعبدالحليم وأم كلثوم، وعن الشرفة التي تجمعهم وهم صغار، كانوا يشربون القهوة في المقاهي ليحسوا بأنهم كبروا، ويتحدثون في السياسة، فلا يخطر ببالهم أن هذا الحديث قد يؤدي إلى الإعتقال، وربما أدى إلى اعتقال أحدهم، فتحس الكاتبة بالحنين وهي تتوسد الشرفة وحدها.
لقد انتهيت من قراءة الكتاب الذي يتحدث عن الأشياء والأشخاص والأماكن، وبقيت مشكلة، هل كل ما في الكتاب قصص؟
يقول الصديق سعيد سالم في مقدمته للكتاب "وإن كنت نفيت عن تلك التأملات صفة القصص القصيرة؛ إلا أن هناك بالفعل قصصا قصيرة واردة ضمن المجموعة بل وتعد قصصا جيدة وعلى رأسها: الدراجة والنافذة وأطباق وفاء والشرفة."
يعني هو لا يعتبر الباقي قصصا، وأنا أختلف معه في هذا، فقد أحسست بقصص أخرى غير التي ذكرها، وأعتقد أن قارئا آخر سوف يتفاعل مع قصص غيرها ويحس بجودتها. وأعتقد أن هذا هو الفن. أن تحس به ولو خالف كل الخصائص والقوانين الفنية التي تعلمناها لسنوات. ليس هناك فن، وإنما هناك فنان.
من مميزات هذه المجموعة القصصية أن قصصها تحكي عن طريق راوية واحدة، فلا نجد اسما لبطلة تحكي الأحداث، مما يعطي إحساسا للقارئ إنها ذكريات وتأملات للكاتبة علية أبوشنب.
الأمر الآخر الذي لابد أن أذكره أن القصص التي تتحدث فيها الكاتبة عن طفولتها تجعلني أحس بأنها قادرة على الكتابة للأطفال. فقصة الدراجة مثلا، فيها مقومات قصص الأطفال: البساطة في اللغة، وفيها ناحية تعليمية تدعو الأطفال إلى الإصرار والعزيمة. وقصص: أشيائي الصغيرة وسنوي التي تتحدث فيها عن مدى حب قطتها لها.
مصطفى نصر ـ الإسكندرية