نحو الإصلاح.. قراءة عبر الذهنية السعودية

بقلم: ابراهيم الهطلاني

إشكالية التاريخ

خلال الفترة الثالثة للحكم السعودي التي أسسها الملك عبد العزيز في بداية القرن العشرين اخذ دور رجال الدين يتراجع تدريجيا إلى موقع التابع للأسرة الحاكمة بكل ما تعنيه الكلمة، وأصبح الشيوخ الرسميون مجرد موظفين كبار يحظون بمميزات مالية واجتماعية وغطاء امني وصلاحيات دينية يمنحها لهم الملك، ويمكن وصف هذا الوضع بالمرحلة أو التطور الثالث في العلاقة بين المؤسستين السياسية والدينية في السعودية التي أعقبت مرحلتين من التأسيس والشراكة في المبادئ والمصالح خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي.

كما شكلت الهزيمة التي مني بها الإخوان (السلفيون) السعوديون في معركة السّبَلة عام 1929م أمام قوات الملك عبدالعزيز مرحلة فاصلة في العلاقة بين السياسي والديني في الحركة السلفية بنموذجها السعودي حيث وضع الملك عبدالعزيز معالم ضمنية واتفاقا غير معلن فهمه وسار عليه الورثة السياسيون ونظراؤهم الدينيون يحدد من خلاله المساحات المسموحة والممنوعة على رجال الدين في المملكة العربية السعودية، وباختصار نحددها في عنوانين الأول شؤون الحكم والسياسة، والثاني شؤون النفط وعوائده المالية ، وماعدا ذلك من قضايا المرأة والتعليم والقضاء والإفتاء والدعوة وتحديد مواعيد المناسبات الدينية وإغلاق المحلات التجارية أوقات الصلاة، كلها مساحات تركتها الأسرة الحاكمة للمؤسسة الدينية (هيئة كبار العلماء، والقضاء، والدعوة والإرشاد، والجامعات الدينية وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ينشطون أو يلعبون فيها كما يريدون وتؤخذ آراؤهم بعين الاعتبار ، في المقابل هناك فهم لهذا المنطق العرفي من قبل السلفية الرسمية والتزام من قبل المؤسسة الدينية وقياداتها المتعاقبة منذ ذلك الوقت وحتى ألان باحترام القرارات الملكية وتدافع عنها، ومن يحاول الاقتراب أو المجازفة يصبح منبوذا ومشكوكا في ولائه الديني والسياسي.
وعلى هذا الأساس تربى المواطن السعودي بعلم البعض وجهل الغالبية منذ تأسيس المملكة العربية السعودية وعلى امتداد قرن من الزمان وعلى ثقافة محددة ومتوارثة يَحرُم الخروج عنها أو مجرد التشكيك فيها، لقد اتفق الحاكم مع رجل الدين على جملة من التعاليم يُحقن بها المواطن منذ الطفولة حتى لا تأتي لحظة التفكير التي تُمكن المواطن من الاعتراض والمطالبة بحقوقه أو على الأقل مناقشة الأوضاع العامة ومنها السياسية والإنسانية العامة.
الحكومة الرشيدة - ولاة الأمر - إمام المسلمين - الخروج على طاعة ولي الأمر، لحوم العلماء مسمومة، كلها مصطلحات كتبت وقدمت تربويا وإعلاميا لحماية السلطتين السياسية والدينية، ومن اجل فرضها وغرسها في عقل المواطن ونشرها في المجتمع، صرفت مبالغ مالية ضخمة وبذلت من اجلها جهود كبيرة تحت شعارات دينية ووطنية، والهدف واحد هو استمرار السيطرة على عقل وسلوك المواطن وضمان ولائه وخضوعه للنظامين السياسي والديني السعودي.
هذا الواقع الغريب أو المتأزم تشكل نتيجة تراكمات تاريخية ودينية وسياسية قد يصعب فهمه على المراقب من الخارج أو حتى بعض المتابعين من الداخل الذين لم يقرءوا التاريخ السعودي بتفاصيله ولم يتمكنوا من تفكيك وتحليل العلاقات الناشئة بين الذهنية الدينية والسلطة في مراحل التكوين السياسي السعودي.

أزمة الواقع

قبل الأحداث الأليمة في 11 سبتمبر 2001 لم يكن السعوديون يتوقعون معايشة اليوم الذي تتبنى فيه الجهات الرسمية أو أعضاء من الأسرة الحاكمة كلمات وشعارات الإصلاح والحوار والانفتاح، ومن خلال ما يتردد في المجالس الخاصة والديوانيات الشعبية لا يبدو أن السعوديين (خاصة الطبقتين الوسطى والفقيرة) ورغم الجهود الدعائية في الإعلام الرسمي أو المحسوب عليه، مقتنعون أو على الأقل مهتمون بتعيين مسئول أو إقالة آخر، فتغيير الوجوه واستحداث مناصب جديدة لا تفيد الشباب العاطلين عن العمل، ولا تغني الأسر الفقيرة (وهي كثيرة) عن السؤال والحاجة، ولا تحقق العدالة في الثروة ولا تنصر المظلومين في السجون والمحاكم، ولا تغير في حرمان المواطن من حقه في المشاركة السياسية، وزيارة واحدة للمستشفيات الحكومية أو محطات تعبئة صهاريج (وايتات) المياه، أو وقفة قصيرة على باب احد الأمراء في الرياض وجدة حيث الفقراء وأصحاب الحاجة من السعوديين ينتظرون المساعدة في بلد تعد من أغنى دول العالم وأعلاها دخلا، كفيلة بإحداث صدمة للغربيين الذين يزورون السعودية لأول مرة أو المسلمين الذين لا يعرفون من السعودية إلا البترول ومكة والمدينة، ولو تعمقوا في حياة المواطن العادي لوجدوا كماً هائلا من الحرمان والبؤس الاجتماعي والسياسي، حيث تتأكد حقيقة الفروقات الشاسعة بين ما يُرفع من شعارات وما يجري في الواقع السعودي.
في بلدي التي تزيد مساحتها عن 2 مليون كم2 يعيش أكثر من 23 مليون إنسان منهم 17 مليون مواطن سعودي (إحصائية 2007) وبحسب الميزانية والبيانات الرسمية يبلغ الدخل القومي من النفط فقط 260 مليار دولار تقريبا (2008) ينقص هذا المبلغ في بعض السنين ويزيد في أخرى، إلا انه يظل متربعا ضمن الأرقام المستعلية، وللتذكير أقول مرة أخرى أن هذا الرقم هو المنشور رسميا وانه إيراد النفط فقط، وللقارئ والمهتم حرية التفكير في الإيرادات الأخرى التي تُجبى من المواطن ومنها على سبيل المثال الزكاة والدخل، التقاعد، والخدمات العامة، وضريبة المطار، ومن الزائرين رسوم الحج والعمرة.
وفي مقابل تلك الموارد الفلكية من يصدق أن ما يقارب 80% لا يملكون مساكن خاصة، وما يقارب هذه النسبة لا تتمتع بتغطية ولا تأمين صحي وتنفق أكثر دخلها على المستشفيات الخاصة، أما المدينون للبنوك والعاطلون علن العمل فحدث ولا حرج، وكل ما قيل عن حالات الفقر والعسر والمسكنة لا يعبر ولا يعكس حقيقة الواقع المؤلم وما خفي كان أعظم، ومن يصدق انه يوجد من السعوديين من يسكنون تحت الجسور وفي سيارات قديمة ومنهم من يعيش في صناديق من صفيح وخشب! وقد كنت ناشطا في مجال الإغاثة والعمل الخيري منذ دراستي الجامعية ورأيت العجب العجاب مما يحزن ويثير الغضب خاصة عندما نقارنه بأحوال مشايخنا وقضاتنا الكبار منهم والصغار المنعمون بمساكنهم المترفة ومراكبهم الفخمة، المشغولون بالدعاء لولاة الأمر بالحفظ وطول العمر، وبالظهور في سائل الإعلام وفي المجالس للحديث عن بعض المسائل الفقهية الصغيرة التي لا تطعم فقيرا ولا تنصر مظلوما.
وهناك من يعتقد حقيقة أن القرارات الملكية الأخيرة تعبر عن مرحلة مهمة وفارقة في طريق الإصلاح، وهذا رأي محترم ولهم الحق في رفعه ونشره، رغم أننا لم نسمع ولم نقرأ لأحد من أصحاب هذا التوجه طالب بإقالة شخصية أو تغيير في جهة ما أو إصلاح في أداء أي وزارة قبل صدور القرارات! وعلى قاعدة حرية الاختلاف وتعدد الآراء واحترام وجهات النظر المختلفة لنا الحق كذلك في التساؤل إذا كانت إقالة رئيس مجلس القضاء الأعلى سيصلح القضاء وإذا كانت إقالة رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ستضبط أداء عناصر الهيئة، وإذا أدى قرار إقالة وزيري التعليم والصحة في تصحيح مسار الوزارتين وإصلاح أوضاعهما وتعزيز دورهما في خدمة المواطن، فما الذي يصلح بقية الوزارات والأمارات والسفارات والمطارات والشوارع ؟ وكم من الوقت نحتاج لمعرفة حقيقة مشاكلنا ومتى نبدأ؟ من هنا نبدأ

إن مشكلتنا الحقيقية في نهجنا الانتقائي وغياب الرؤية الشاملة والجذرية للإصلاح، ونحن لا نشك في وجود الرغبة والنوايا الحسنة للإصلاح، لكن هذه النوايا لا تكفي لسلوك طريق مصيري بلا خطة ومنهج محدد، ومادام أن هناك مناطق محرمة، وشخصيات فوق المحاسبة والنقد، واستمرار النظرة المِلْكية الفوقية للأرض والإنسان والثروة فلن نسير في الطريق السليم نحو الإصلاح، كذلك إذا ما استمرت البلاد وما عليها وما تحتها تدار وتُحكم بعقلية أصحاب الشركات وأعضاء مجلس الإدارات (وفقا لتصريح الأمير طلال بن عبدالعزيز في برنامج إضاءات) وكما هو الواقع فانه لا أمل في الإصلاح وتحقيق مفهوم الدولة الذي يختلف جذريا عن مفهوم الشركة، وإدارة بلد بشعبه ومقدراته والتحكم بمستقبله تتطلب إرادة وقدرات ذهنية وثقافية وسياسية لا تتوفر عادة في شخصية أصحاب المزارع والشركات التجارية الذين لا يهتمون عادة إلا بمصالحهم الشخصية.
ومن منطلق وطنيتنا وعلى قاعدة التزامنا بنظامنا الملكي وامن واستقرار بلادنا وتراثه الديني نعتقد أن الحاجة ماسة لإجراءات وقرارات أكثر جراءة وعمقا لمواجهة الحقيقة وإصلاح الخلل بتغيرات جذرية تشرك المواطن حقيقة في الإدارة والحكم عن طريق اختياره لممثليه البرلمانيين والبدء في التوجه نحو الفصل بين السلطات حتى يتسنى لنواب الشعب مراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها، والتوسع في مجال الحريات العامة، والسماح بإنشاء وعمل مؤسسات المجتمع المدني المستقلة، هذه هي البداية الصحيحة، وما عدا ذلك تضل القرارات مجرد محاولات ونوايا حسنة. إبراهيم الهطلاني Hemah99@hotmail.com