كذبة المجتمع المدني

بقلم: جمال الدين بوزيان

مثلما الديمقراطية في الجزائر هشة بل ووهمية، فان مجتمعها المدني أيضا وهمي ووجوده شكلي فقط، لاستكمال ديكور الديمقراطية التي يجب أن يكون لها ديكورا واضحا للآخر، العالم الغربي، مراقب الديمقراطية وراعيها.
بعد أحداث 05 أكتوبر/تشرين الأول 1988، وبعد أن ودعت الجزائر شكل النظام الأحادي، ودخلت عهد التعددية الحزبية وحرية الرأي والتعبير والصحافة، بعد هذا ظهرت عشرات الصحف، ومئات الأحزاب والجمعيات باختلاف أنواعها وميادين نشاطها، تكاثرت بطريقة هائلة، لكن كثرتها لم تجعلها قوة فاعلة في المجتمع ومؤثرة في الرأي العام، ومن المفروض أن تكون منظمات وجمعيات المجتمع المدني هي صانعة الرأي العام والمحرك الأول له، وهي المؤثرة الرئيسية في القرارات الصادرة من السلطة، سواء بقبولها أو رفضها، تعديلها أو تغييرها.
ومن المفروض أيضا، أن المجتمع المدني هو مجموعة المنظمات والجمعيات غير الحكومية التي تكون مستقلة عن الدولة، ومهمتها تقديم خدمات أساسية للمواطنين في مجالات الصحة والتربية والزراعة والبيئة، كما تقدم خدمات تدريبية وتثقيفية وتنظيمية وتأطيرية سياسية، والأهم أنها تشكيلات لا تقوم على مبدأ الربح.
هذا المفروض، وما يجب أن يكون، لكن على أرض الواقع، وبجزائر الديمقراطية المقنعة، منظمات المجتمع المدني البارزة والمجهرية هي في الغالب لمساندة الرئيس والنظام الحاكم، ومهمتها الأساسية هي التصفيق لهما، وحشد الناس خلال التجمعات والملتقيات لسماع الخطابات المكررة، ولجمع التوقيعات في حال تطلب الأمر ذلك (تماما مثلما حدث هذه الأيام لجمع توقيعات المساندة للرئيس الحالي).
إذا أخذنا بعين الاعتبار عامل "الاستقلالية" عن النظام الحاكم كشرط أساسي لإطلاق صفة المجتمع المدني على أي منظمة، لا يمكن عندها اعتبار الأحزاب السياسية الجزائرية من ضمن منظمات المجتمع المدني، بكل بساطة لأن ولاء أغلبها هو للنظام الحاكم، وبطريقة غير مباشرة هي تابعة له وراعية لقراراته واستمراره، حتى من تصنف على أنها أحزاب معارضة، تبقى معارضتها شكلية فقط، وكذلك الأمر بالنسبة للاتحاد العام للعمال الجزائريين الذي لم يرق أبدا إلى مستوى المنظمات العمالية الحقيقية التي تقول كلمة الحق بصراحة و بدون الخوف من زوال رضا ولي النعمة، وأيضا اتحاد النساء الجزائريات الذي لا يفوت فرصة للتصفيق والتهليل للنظام.
كما و استنادا لشرط الاستقلالية، لا يمكن أبدا تصنيف منظمات: "المجاهدين" و"أبناء المجاهدين" و"أبناء الشهداء" كمنظمات مجتمع مدني، بسبب تبعيتها المباشرة لوزارة المجاهدين و للنظام ككل.
وبالتالي وبنزع صفة "المجتمع المدني" على كل تلك الأحزاب والمنظمات والاتحادات، تبقى لدينا الجمعيات الخيرية و الثقافية و الرياضية، وهي في الغالب إما مهمشة، أو أنها منضوية تحت لواء المصفقين والمهللين للنظام.
إن معارضة النظام ليست شرطا لتكون منظمات المجتمع المدني فاعلة ومؤثرة، المعارضة ليست هدفا في حد ذاته، لكن من غير المعقول أن نرى أغلب منظمات المجتمع المدني وعلى مدى سنوات عديدة ومتتالية تكرس كل وقتها وجهدها لمدح النظام وإرضائه. جمال الدين بوزيان، ناشط اجتماعي جزائري djameleddine1977@company.fr