عن التقاعد الحزبي ومصادرة إرادة الناس

بقلم: صباح علي الشاهر

كان شهر يوليو/تموز من عام 1990 في تواليه حينما حططت رحالي في لندن. كنت قد قررت الإبتعاد عن العمل الحزبي ومشاكله ومنغصاته. رأيت فيما يردده شيوخنا الحزبيون من كون الحزبي لا يتقاعد طالما فيه نفس، كلاماً معادياً بالمطلق للسياسة بمفهومها الحقيقي. إنه يحوّل الحزبية إلى مافيوية، والحزب إلى مافيا حقيقية، لا يمكن الخروج منها إلا بالموت. "الحزبي لا يتقاعد" كلام خاطيء وبشع. هو نتاج فكر يدّعي الحداثة وهو منغمس بالتخلف، يدعي العصرنة وهو يتلفع برداء العصور الخوالي. هؤلاء يرون أن العمل الحزبي إمتياز من نوع خاص، وأن الحزبي شيء وغيره شيء آخر، ورغم شيوع الإدعاء بكون الدخول في الحزب والخروج منه أمر إختياري، لكن واقع الحال غير هذا، فأقل ما يُقال عمن يخرج من الحزب أنه من العناصر الضعيفة والرخوة، والتي لم تستطع مواصلة المسيرة، هذا في الأقل ما سيُقال عمن يغادر الحزب الذي كنت فيه، أما بالنسبة للأحزاب الأخرى ومنها الحزب الحاكم وقت ذاك فإن الموت هو نصيب من يفكر بالخروج منه.
وهمٌ يتلبس الكثيرين، ينخدعون به ويخدعون غيرهم به، مفاده أن الحزب درعه ومتراسه، وإنه من غير هذا الحزب أو ذاك لا شيء. الحزب لا يضيف لقيمة العضو قيمة، وإنما هو القيمة كلها! جراء هذا الوهم أصبح البعض يحتمي ويستظل بالحزب، وأصبح همه أن يُرضي الحزب، والحزب ليس هو النهج والمنتسبين، وإنما هو القيادة، والقيادة هي اللجنة المركزية أو القيادة القطرية، واللجنة المركزية أو القيادة القطرية، هي الأمين العام. وشاع في الأحزاب الشمولية قول بليد مفادة "إذا كنت مُصيباً والحزب مُخطئ، فلا تقل أخطأ الحزب، بل قل أصاب الحزب وأخطأت أنا!".
الحزب لا يخطئ، فأن توهمت أنه أخطأ فالعيب فيك، وفي عقلك، وبهذه الطريقة عُطلت الرؤية النقدية لدى الأعضاء مما يعني عملياً تعطيل العقل، وإذا عُطل العقل أستلب الإنسان، والإنسان المُستلب العقل سيكون بداهة مُستلب الإرادة، ومُستلب الإرادة مجرّد هتّاف سواء كان في هذا الحزب أم إنتقل إلى الحزب المعادي. الهتّاف مُستلب الإرادة ينتقل من شيوعي متعصب إلى بعثي متعصب، ومن بعثي متعصب إلى إسلامي متعصب، ومن إسلامي متعصب إلى ليبرالي متعصب، ونصير شديد للتحرير على الطريقة الأميركية. هو دائماً متعصب، لكنه دوما مجرد إمعه.
مُستلب العقل والإرادة يبحث دائماً عمن يستظل بظله، كي يقوم بمزاولة ما تعوّد عليه، وما تعوّد عليه ليس سوى الهتاف المُحنط المُكرر، الفارغ والممجوج، المُمجد لهذا الزعيم، أو هذه القيادة. هؤلاء الهتافون الذين مهما علا زعيقهم فإنه لن يخفي تخلفهم، هم من يساعد على بروز الأصنام، وأنصاف الألهة، وهم من سيكونوا أول من يتعبد بمحراب الخرافة، خرافة القائد والزعيم الضرورة، وكأنهم لم يُخلقوا إلا لكي يكونوا عبيداً.
المُستلب العقل والإرادة، لا يتقاعد ولا يستقيل، إنه نتاج عملية التدجين المتواصلة. هو لا يسأل نفسه مثلاً: الخدمة الوظيفية تنتهي بالتقاعد، وهي هنا خدمة وطن، لا خدمة حزب، فكيف تنتهي خدمة الوطن بالتقاعد، ولا تنتهي الخدمة داخل الحزب بمثل هذا!
وقت ذاك في أواخر يوليو/تموز 1990 كنت قد تجاوزت الثلاثين عاماً من العمل الحزبي التنظيمي (32عاماً تحديداً). لم يكن سهلاً إتخاذ القرار، لكنني قررت ولوحدي، وبقرار مني، أن أتقاعد حزبياً. لا أستقيل ولا أقدم إستقالة لأحد، فمثلما دخلت الحزب بإختياري ها أنا ذا أقررالتقاعد من الحزب بإختياري، لكن الحزب لم يعاملني كمتقاعد حزبي، لأنه لم يعرف هذا المفهوم بعد، فما زال حبيس الأسس التنظيمية التي خُطت منذ ما يقارب المائة عام، لذا تعامل معي كتارك للحزب.
التقاعد الحزبي لا يعني التقاعد عن السياسة ولا يعني الإبتعاد عن الشأن السياسي والهم الوطني. هذا أمر مُحال، إذ ليس بمقدور الإنسان وهو حي أن لا ينشغل بما يحيط به. تتقاعد عن العمل الحزبي، نعم، ولكن لا تستقيل من الحياة. ليس هذا بمقدورك حتى لو أردت، أو رغبت. لسبب بسيط أنك تعيش وتحيا وسط الناس، الناس الذين يرتبط مصيرك بمصائرهم.
أمرٌ أريد له أن يُعرض بالمقلوب، هذا الأمر مفاده أن السياسة والشأن السياسي، من إختصاص الأحزاب والحزبين، وتلكم لعمري فرية و مصيدة، مصيدة عبرها يتم مصادرة إرادة الناس، وسرقة جهود الناس، وتزييف إرادة الناس. صباح علي الشاهر