الأعلام الغربي وحروب الإبادة

بقلم: كاظم محمد

أصبح الاعلام بادواته المختلفة، وسيلة اساسية في تشكيل وتوجيه الرأي العام وتدجين الوعي لمصلحة من يمتلك رأس المال والسلطة وسياساتها، وهذا ما ينطبق على اغلب بلدان المعمورة. وبقدر ما ادركت الفعاليات الصهيونية المؤثرة في بلدان الغرب خاصة حساسية الاعلام في التأثير، بقدر ما استحوذت اذرعها المالية ومنظماتها الممولة جيدا على الكثير من المؤسسات الاعلامية والدعائية وتوجيهها لصالح سياسات دولة اسرائيل ومطامعها التوسعية، وبالضد من قضية الشعب الفلسطيني وكل ما ينتمي للعروبة والإسلام.
لم يمض وقت طويل على الغزو والاحتلال الاميركي للعراق، ولازالت الذاكرة طرية بكيفية تصوير الاعلام لنظام الرئيس السابق صدام حسين وكيفية حياكة الاكاذيب الكبيرة، من قضية اسلحة الدمار الشامل الى قضية الصواريخ التي يمكن ان تضرب لندن في 45 دقيقة، حيث هيأت ماكنة الاعلام الغربي والاميركي خاصة والمرتبطة بدوائر صنع القرار والممولة بالمساعدات الحكومية الخاصة، هيأة المواطن الغربي عامة لتقبل فكرة الحرب، عبر صياغة ودبلجة الخبر والمعلومة بالشكل الذي هيأ ذهن القارئ والمستمع والمشاهد للكذب والتدليس الاعلامي المستند الى (معلومات استخبارية) حول الخطر الذي يهدد العالم المتحضر، من قبل انظمة او منظمات او عقائد فكرية ودينية.
كان احتلال العراق اكبر عملية سطو في التاريخ، والذي لعب فيها الاعلام الغربي دورا اساسيا في التبرير والتغطية على الاهداف الحقيقية للغزو، وصمت على طبيعة الجرائم التي ارتكبها المحتل الاميركي والبريطاني ضد العراق وشعبه، وصور المقاومة والمناهضة للاحتلال الى انه ارهابا يقتضي التعامل معه من قبل القوات (المحرِرة) بيد من حديد حتى لو اقتضى ذلك تدمير المدن على سكانها، ونجح هذا الاعلام في تحييد الملايين من العقول والعيون المتابعة، اذا لم نقل كسب سكوتها ورضاها.
لقد اصبحت كذبة الحرب على الارهاب هي العنوان الرئيسي لنهج الادارة الاميركية، واصبحت معها صناعة الاعلام الامبريالي المرتبط برأس المال المالي وبالصهيونية العالمية وبنزعة الليبراليين الجدد، الرديف الطبيعي لهذا النهج في تكييف المنتوج الاعلامي المرئي والمسموع والمقروء لمقتضيات واجندة واهداف سياسات هذا النهج الاقتصادية والعسكرية، ومعها اصبح التوسع والتكثيف لسلاح الاعلام من المهمات السياسية والثقافية الكبرى المدرجة على جدول النشاط السنوي للدوائر العسكرية والاستخبارية الاميركية.
ان المراقب للاعلام الغربي عامة يلاحظ الفرق بين المؤسسات الاعلامية التي تديرها عناصر وهيئات مرتبطة وممولة من شركات غربية وصهيونية، او مملوكة لشركات لا تخفي تعاطفها الكامل مع السياسات الاميركية والاسرائيلية، وهي بالمرصاد بالكلمة والصوت والصورة والتحليل والدعاية، لكل من يحاول النيل من نهج الادارة الاميركية او اداتها في المنطقة العربية اسرائيل. وهي لا تفعل ذلك بالمباشرة الساذجة المكشوفة، بل بمهنية عالية متسلحة بمهارات اكاديمية وتقنية، تحاول من خلالها توفير متطلبات صناعة القناعة الفردية والجمعية والتأثير من خلالها على المتلقي والمتلقين بصياغة وحياكة محاوروخيوط للوصول الى عقلية ووعي المواطن، وهذا ما يدركه المرء مباشرة من طبيعة التغطية ليوميات الحروب الاميركية التي شنت على العراق وافغانستان وكذلك الحروب الاسرائيلية واخرها، المحرقة الصهيونية في غزة.
اما المؤسسات الاعلامية الاخرى، والمفترض لها استقلاليتها وحياديتها، والتي تنشط فيها عناصر من مختلف الاتجاهات وتساهم الدولة في تمويل جزء من ميزانيتها، فهي لازالت في تناولها لقضايا الشرق الاوسط اسيرةً لأجواء سياسة الحرب على الارهاب ومعاداة المسلمين وعقدة الشعور بالذنب تجاه اليهود وما عانوا منه في اوربا. ورغم ذلك فان حتى خروجها عن المألوف في تناول هذه القضايا او تغطية احداث المنطقة، يحصل بشكل خجول وبصياغات مدروسة وبصورٍ مختارة وبكلمات منمقة، خوفا من مجهول او تجاوزا لحرية الرأي والتعبير وللامانة الاعلامية!
لقد تجرأ بعض كتاب الأعمدة في بعض الصحف الغربية ومنها السويدية والالمانية والنرويجية، في الكتابة حول مصداقية الاعلام في تناول احداث ويوميات الحرب على العراق سابقا وكذلك في تغطية الحرب الاخيرة وما جرى بها من ذبح يومي لشعب غزة كما وصفه احدهم، ووجه بعضهم نقدا شديدا للانحياز العام لوسائل الاعلام في تناولها لهذه المذابح، وكذلك المواطنين العاديين الذين يحتجون برسائلهم الاليكترونية لمحطات التلفزة والصحف اليومية وعبر البرامج الاذاعية، والتي اصبحت تهمل مداخلات الكثيرين الذين ينتقدون الاعلام الاوربي ويدلون بدلوهم حول ما يجري في غزة.
اصبح واضحا لمستمعي البرامج الاذاعية كيفية الحذر والانحياز في احيان كثيرة في تناول القضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية، ففي البرنامج الصباحي الذي تبثه الاذاعة السويدية والذي يدعى "اتصل"، عبر احد المواطنين عن ما يجري في غزة بمقارنته بمذابح النازيين في المانيا، فما كان من مقدم البرنامج الا ان يقاطع المتحدث بان لا يجوز مقارنة ما تقوم به اسرائيل بمحارق النازية، ولم يكتف بذلك بل اصبح مدافعا بشكل غير مباشر عن افعال اسرائيل عبر اسئلة يوجهها الى المتحدث.
اما الصحف اليومية فاقتصرت في اغلبها على تناول اخبار الحرب على غزة، ضمن صفحاتها الداخلية وبعناوين مختارة وبصور مفروزة مسبقا، فلقد كانت العناوين الرئيسية والفرعية تتجنب في مضمونها اسم اسرائيل، مع الاشارة الى حرب قائمة وقصف يجري على مناطق يقول (جيش الدفاع) ان مسلحين فيها يطلقون الصواريخ على المدنيين الاسرائيليين، ومدنيون يقتلون نتيجة انهيار منازلهم، واطفال يلقون حتفهم نتيجة لذلك.
"حرب في غزة" وليس على غزة، "هجوم جوي مضاد على غزة"، "اطلاق النار لازال مستمرا بين مسلحي حماس وجيش الدفاع الاسرائيلي"، "مدنيون محاصرون بسبب اطلاق النار المتبادل"، هذه نماذج من العناوين الرئيسية والفرعية لتغطية بعض الصحف الاوربية للحرب على غزة والتي تعكس صياغاتها الصورة المطلوب تقديمها، وبأي اتجاه، حيث ان الهجمات التدميرية لسلاح الجو الاسرائيلي، هو للرد على صواريخ حماس، وكذلك فان المدنيون الفلسطينيون والاطفال يقتلون بسبب تبادل اطلاق النار من مناطق مدنية تستخدمها حماس، وبسبب انهيار المنازل وليس بسبب التدمير المنهجي لغارات جوية منظمة ولمناطق سكنية بكاملها.
لقد خصصت احدى الصحف الصادرة في السويد صفحة كاملة مرفقة بالصور التي تستعطف القارئ، لرجل يهودي عاش في مستوطنات غزة قبل تفكيكها، وانتقل الى العيش في احدى المستوطنات التي تقع في مرمى صواريخ المقاومة، حيث عكس اللقاء معاناة هذا الرجل وهو في احد الملاجئ التي يتوفر فيها كل شيء، وكيف يقضي يوميا حوالي الساعتين في الملجأ وابنته توقفت عن الذهاب الى المدرسة، وهو يعتبر نفسه لاجئا في هذه المستوطنة ويتحرق للعودة لغزة (لموطنه) بعد ان يقضي جيش الدفاع على الارهابيين ومن يحتضنهم.
ان هذا التحقيق الصحفي للحياة في ظل الحرب في احدى المستوطنات، لا ينم فقط عن الخبث وخداع المتلقي والقارئ، ولا يقفز فقط على الواقع والحقيقة، وانما يمثل التدني الاخلاقي في نقل طبيعة الصراع وخلفياته، والتعتيم المطلوب على المحرقة التي اقامتها دولة الصهاينة للشعب الفلسطيني في غزة، ومحاولة خلق نوع من التوازن في ذهن القارئ في حكمه على ما يجري، وحثه على عدم الانحياز الانساني ولا نقل السياسي لشعب فلسطين.
اما المحطات التلفزيونية والتي يمول جزء كبير من ميزانيتها من دافعي الضرائب الاوربيين فلم تخرج عن هذا الاطار الا ما ندر، رغم ان بعضها اجبر على نقل صورة اخرى مخالفة للصورة التي ينقلها مراسليهم المتواجدين في اسرائيل او عمان عبر عرض صور الدمار منقولة عن قنوات اخرى ومنها الجزيرة، اضافة الى استضافة خجولة بأسلتها لبعض المحللين المناوئين لاسرائيل.
ورغم هذه الجو الاعلامي شبه المنحاز، فان الاعلام الاليكتروني لعب دورا متميزا في نقل اجواء حرب التدمير الاسرائيلية، وبرزت في هذا المجال مواقع التنظيمات اليسارية وبعض منظمات المجتمع المدني، التي ساهمت في اعادة نشر المقالات لعدد من الكتاب المعروفين، مثل بير جارتون و يان ميردال والذي نشر مقالا في الجريدة المسائية واسعة الانتشار في السويد، يحذر فيه قادة اسرائيل بزوال دولتهم، وكذلك فأن بير جارتون استنكر في مقال له بنفس الصحيفة، الشراكة الاسرائيلية الاوربية، ودعا الى مقاطعة اسرائيل وتقديم قادتها الى محكمة العدل الدولية.
أما وقد توقفت حرب التدمير الاسرائيلية، فان مهمة الكثير من وسائل الاعلام اصبحت، وعلى نفس منوال بعض الفضائيات العربية، في تبييض الوجه الصهيوني القبيح، والتركيز على حاجة الامن لمواطني دولة اسرائيل، والدور الايراني المتزايد في المنطقة، كونه خطرا استراتيجي يهدد الكيان الاسرائيلي، خاصة بدعمه لحماس من جهة وسعيه للحصول على السلاح النووي من جهة اخرى، والذي يشكل مهمة اوربية للتعامل معه.
لقد اصبح التركيز على تهريب السلاح، وانفاق غزة، والجندي الاسرائيلي الاسير المواضيع الاساسية التي تغطي فيها بعض وسائل الاعلام على حجم الدمار والمعاناة البشرية لاهل غزة وحجم الضحايا من المدنيين الذين قتلتهم الة الحرب الاسرائيلية، واختصرت قضية الشعب الفلسطيني بالحاجة الى فتح المعابر وتوفير الغذاء والمستلزمات الحياتية، وان ما يعيق ذلك هو صعوبة التوصل الى تفاهم مع حركة حماس المتشددة كما تشير احدى افتتاحيات الصحف النرويجية.
ان الاعلام الغربي عامة، ورغم انحيازه الى اسرائيل ومحاولة تغطيته على حروب الابادة الامبريالية والصهيونية، لكنه لم يستطع حجب الحقيقة، ولم ينجح بالكامل في تحييد الرأي العام مما يجري من حروب الابادة، حيث لا يمكن مع طبيعة ثورة الاتصالات حجب الشمس بغربال الاعلام المنحاز. كاظم محمد