دبي، النجاح لا يخفيه إعلام ولا تصنعه دعاية

بقلم: احمد عبدالله

لم تمض سوى بضعة أيام على تقرير نشرته وكالة رويترز يقول ان شركة دبي للاستثمار سجلت خسائر تبلغ 110 ملايين درهم (29.95 مليون دولار) في الربع الأخير من العام الماضي.
وركز عنوان تقرير الوكالة على هذه الخسائر دون غيرها.
ولكن قراءة الخبر تقود الى شيء آخر مضاد، هو أن هذه الشركة حققت أرباحا إجمالية تصل الى 1.56 مليار درهم (نحو 450 مليون دولار) عن مجمل أعمال العام، أما الخسائر فقد نجمت عن شطب قيمة أصول مرتبطة باستثماراتها.
ويعرف المطلعون على شؤون المال والأعمال ان "الشطب من قيمة الأصول" هو قضية "دفترية" فحسب، تتعلق بسعر السوق للأصول المعنية.
كما يعرف المطلعون أن هذا السعر مثلما يهبط، فانه يصعد أيضا.
لماذا إذن تختار المنابر الاعلامية أن تركز على خسائر "دفترية" صغيرة وتغض النظر عن الأرباح رغم ضخامتها النسبية؟
الجواب بسيط، هو أن الحقيقة غير محايدة. والمُغرض يستطيع أن يلوي من عنقها ما يشاء، ويبثها على أنها هي الحقيقة المطلقة.
واي منبر اعلامي، او وكالة اخبارية، إنما يعبر من خلاله عن وجهة نظر أيضا. ووجهة النظر هذه تعكس جزءا من الحقيقة لا جدال فيه، ولكنها تخفي ما هو أعظم.
وما لم يكن الصحافي ساذجا، فانه مضطر بحكم صنعته، كصانع وجهات نظر، أن يلتفت الى اللعبة التي تلعبها معه وكالات الأنباء ومصادر المعلومات الأخرى.
وما لم يدرك أن "الحقيقة" التي ينقلها عن الآخرين إنما تحمل في طياتها وجهات نظرهم، فالأجدر به أن يترك هذه المهنة ليعمل أي شيء آخر.
التقرير الذي تم تناقله عن صحيفة "تايمز" البريطانية مؤخرا حول قيام المئات من الموظفين بترك سياراتهم مع مفاتيحها في مطار دبي هربا من الأزمة الاقتصادية، يحمل الصورة نفسها.
وهو حقيقي، ولكن بالنسبة لـ 11 سيارة فقط يتركها مغادرون في كل مطار في العالم، مثلما اكد قائد شرطة دبي الفريق ضاحي خلفان.
ولكي لا يكون الصحافي عابر سبيل على هذه المهنة، فان عليه ان لا يرسم، ولا ينقل، صورة سلبية اجتراحا من هذه المعلومة إلا إذا كانت هذه الصورة هي ما يريد إيصاله.
ولم يكن ذلك منصفا بالنسبة لدبي، وهو موقف يستهين بتجربة بناء عملاقة ظلت تراكم النجاح فوق النجاح على امتداد 30 عاما.
نعم، كان هناك ما يمكن اعتباره مبالغة أو سرعة في مشاريع الإعمار. ولكن الوجه الآخر للحقيقة هو أن هذه المشاريع أملتها نهضة تجارية واستثمارية حولت دبي الى مركز من أهم مراكز الأعمال في العالم.
وعندما تتوفر الإمكانيات المادية، فالسؤال هو: لماذا التباطؤ في استثمارها أصلا؟
وما يبدو انه أزمة في دبي، هو في الواقع أزمة نجاح. فحركة الإعمار العملاقة كان لها ما يبررها، في إطار مشروع نهضوي شامل أراد أن يثبت إن الثراء يمكن أن يتحقق من دون نفط.
وهذه بالأحرى معجزة. فدبي لا تعتمد في اقتصادها على النفط. وهو لا يشكل أكثر من 5% من إجمالي العائدات.
الآن، عندما يجتمع انخفاض أسعار النفط بأزمة عالمية مرتبطة تحديدا بأزمة ائتمان متعلقة برهون عقارية، فمن غير الصحيح أصلا الزعم أن دبي لم تتأثر. وهي قد تتأثر بشدة اكبر مما هو عليه الحال الآن، إذا ما انطوت الأزمة المالية العالمية على انهيارات إضافية. ولكن لا شيء في أصول وموجودات حركة الإعمار والتنمية في دبي سيخرج عن سياقه.
عندك عمارة قيمتها 100 مليون دولار، يقول السوق أن قيمتها صارت 50 مليون دولار بسبب أزمة في قارة أخرى. طيب. وماذا يعني ذلك؟ لا العمارة نقصت نصف عدد أدوارها، ولا البلد الذي أقيمت فيه ذهب الى مكان آخر، ولا برامجه الاستثمارية تعطلت ولا شركاته ذات الوزن العالمي توقفت عن العمل.
السلبية الصحافية، هنا، تقف ندا للاعتدال في نقل الاخبار وعدوا للموضوعية.
ولهذا السبب فان الاعتدال والموضوعية ومعالجة الشيء وضده صارت من بين أهم "أصول" و"موجودات" هذه المهنة.
مع ذلك، فان النجاح لا يستطيع أن يخفيه إعلام مهما كانت دوافعه، كما لا تصنعه دعاية أيضا.
نعم. توجد أزمة، هي تعبير عن اختناقات جزئية تسبب بها حادث على الجهة الأخرى من الطريق، ولكن دبي، أعلت من البناء خلال الأعوام الثلاثين الماضية ما صار يكفي لجعلها مركزا اقتصاديا عالميا مرموقا.
وحسنا انها تتأثر. فما لم يكن التأثير واقعا، لكان من حق المرء أن يرفع حاجبيه استغرابا.
الوجه الأهم للحقيقة هو أن الأسس الإقتصادية التي بنت دبي مشروعها النهضوي ما تزال قوية، وصوابها يثبت نفسه بنفسه. وهي أسس لا تتعلق بدبي وحدها، وإنما بموقع الإمارات الاقتصادي والثقافي في المنطقة. وهذا مما يمكن التعويل عليه. احمد عبدالله