خُبْث اولمرت!

بقلم: جواد البشيتي

اولمرت "الشخص"، الخبيث أو المتخابث، هو الآن في نزاع مع "صفته التمثيلية"، فلا يعرف من السياسة، في ربع الساعة الأخير من حياته السياسية الرسمية، ومن حياته السياسية على وجه العموم، إلاَّ ما يوافِق "قولاً" من قبيل "إذا متُّ ظمآناً فلا نزل القطر"، والذي ليس فيه من السياسة شيئاً.
الآن، والآن فحسب، قرَّر اولمرت أن يلتزم "مبدأ مقدَّساً" هو "الإفراج عن شاليط أوَّلاً"، فصنع من لسانه قيداً، يقيِّد به يديه هو في الظاهر؛ أمَّا في الباطن فيقيِّد به يديَّ من سيخلفه في رئاسة الحكومة، أي نتنياهو. لقد قال، وكأنَّه يؤدِّي اليمين الدستورية، إنَّه لن يقرَّ أي اتفاق للهدنة، ولن يفتح المعابر، قبل الإفراج عن شاليط؛ وإنَّه (وهنا تظهر خباثته) لن يقرِّر في هذا الأمر من غير أن يأخذ في الاعتبار "الأحوال السياسية الجديدة" في إسرائيل، أي ما انتهت إليه انتخابات الكنيست الثامنة عشرة من نتائج، وما يمكن أن يتمخَّض عن النتائج الانتخابية من نتائج سياسية.

اولمرت هو الآن، وبحسب الصورة التي أراد أن يظهر فيها أمام الإسرائيليين، مع أنَّ أحداً منهم لن يصدِّقه، المُلْتَزِم الأوَّل لـ "قضية شاليط"، فهو قطع على نفسه التزاماً، لن "يُفْرِج"، بموجبه، عمَّا يحتاج إليه قطاع هدنة، وإعادة بناء، وغذاء ودواء..، قبل الإفراج عن هذا الجندي الأشهر في غزة من العالم والتاريخ؛ وإذا كان لا بدَّ لإسرائيل من أن تتوصَّل إلى اتفاق "قذر"، و"وسخ"، أي لا يقوم على مبدأ "الإفراج عن شاليط أوَّلاً"، فَلْتتوصَّل إليه عبر غيره، أي عبر نتنياهو، الذي لا يستطيع الآن أن يحيد قيد أنملة عن "مبدأ اولمرت" من غير أن يخسر ليبرمان، الذي أبلغ إلى المتنافسين نتنياهو وليفني أنَّه لن يقبل أن يكون "الرقبة" إلاَّ لـ "رأس"، يلتزم قطع رأس حكومة "حماس" في قطاع غزة.

وعلى الإسرائيليين، وفق ما يتوقَّع اولمرت، أن ينسوا، أو يتناسوا، قراره وقف إطلاق النار، وإخراج جيشه من قطاع غزة، من غير أن يُظْهِر لهم، بالقول والفعل، أنَّه لم ينسَ شاليط، وأن يتذكَّروا قراره الجديد أنْ لا هدنة، ولا فتح للمعابر، قبل الإفراج عن شاليط.

مفاوِض "حماس"، في القاهرة" استعجل الوصول إلى "اتفاق الهدنة" لعلَّه ينجح في تقييد يديَّ رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبل، أي نتنياهو، بهذا الاتفاق؛ أمَّا اولمرت، الذي اكتشف أهمية وضرورة تحويل شاليط من أسير إلى لغم، فقرَّر أن يقيِّد يديَّ نتنياهو ليس بـ "الاتفاق"، وإنَّما بهذا "الالتزام" الذي قطعه على نفسه، والذي يفيض نفاقاً ورياءً وخبثاً، وإلاَّ ما الذي حال بينه وبين أن يُعْلِن التزامه "الإفراج عن شاليط أوَّلاً" قبل بدء الانتخابات الإسرائيلية، أو مع بدء "الوساطة المصرية"؟!

وأحسب أنَّ الأمر يحتاج الآن إلى أن تستطلع الصحافة ووسائل الإعلام رأي نتنياهو وليفني في "المبدأ الجديد" للحل الذي التزمه اولمرت على رؤوس الإشهاد، والذي يكفي أن تُعْلَن "الهدنة"، وتُفْتَح المعابر، قبل أن يعود شاليط إلى بيته حتى يختتم اولمرت عهده بصفة كونه "فقَّاعة سياسية"، وُخِزَت بـ "إبرة"، نتمنى أن تكون إبرة "الوسيط المصري"، الذي يراد له أن يتجشَّم ضمان التزام إسرائيل لـ "الاتفاق"، نصَّاً وروحاً.

اولمرت، وعلى ما يقال أيضاً، زرع "لغماً" آخر في الطريق (الطريق إلى "الاتفاق"، و"طريق نتنياهو") إذ اشترط أن تكون "الهدنة" دائمة، فـ "هدنة" من 18 شهراً لا تكفي إسرائيل؛ أمَّا أهل قطاع غزة فيكفيهم إنهاء نحو 80 في المئة من الحصار، والعيش إلى الأبد تحت "سماء إسرائيلية"، وبمحاذاة "بحر إسرائيلي"، وفي برٍّ تستمر إسرائيل في التحكَّم في معابره كافة، وفي معبره الأهم على وجه الخصوص، وهو معبر رفح، وفي صلة برِّية مع الضفة الغربية يتحكَّم فيها تماماً الإسرائيليون!

بقي أن نقول إنَّ اولمرت، في موقفه هذا، والذي لا أثر فيه لـ "السياسة"، أو "المسؤولية السياسية"، نسي، أو تناسى، أنَّ إسرائيل مُلْزَمة فتح المعابر كافة من غير أن يلبِّي الفلسطينيون شرطه "الإفراج عن شاليط أوَّلاً"، فهل تستمر إسرائيل في إغلاق المعابر إذا ما عادت السلطة الفلسطينية إلى بسط سيطرتها على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، ومن كل معبر؟!

ومع ذلك، لن يقف الفلسطينيون ضد دمج "الاتفاقين" في "اتفاق واحد"، فهل في مقدور اولمرت أن يُزامِن بين اتفاق خاص بالإفراج عن شاليط وعن أسرى فلسطينيين، واتفاق خاص بـ "الهدنة (المحدودة زمنياً)" وبرفع الحصار، وفتح المعابر؟! جواد البشيتي