السعودية: انقلاب ابيض أم بث روح الإصلاح؟

باريس - من حبيب طرابلسي
هزة في أركان الحرس الفقهي القديم

أصدر العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز تعديلات حكومية شاملة تميّزت أساسا بإعفاء رئيس مجلس القضاء الأعلى وعضو هيئة كبار العلماء، وعدد من كبار رجال الدين من مهامهم، مما أعتبره البعض "انقلابا أبيضا" على "الحرس الفقهي القديم" وحربا على الفساد والإخفاق في العمل، بينما رأى فيها آخرون خطوة إصلاحية جريئة، بدماء شابة.

بالإضافة إلى إقالة الشيخ صالح بن حميد اللحيدان، هذه الشخصية المرموقة، من أعلى سلطة قضائية وأعلى سلطة دينية في المملكة، أبعد الملك عبدالله كذلك الشيخ إبراهيم بن عبدالله الغيث، رئيس "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، التي عكّرت صورة المملكة بسبب الطرق العنيفة التي يستعملها بعض من أعضاء في الشرطة الدينية التابعة للهيئة من أجل فرض تطبيق الشريعة الإسلامية.

وتشكّل هذه الهيئات (مجلس القضاء الأعلى وهيئة كبار العلماء و هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أعمدة النظام السعودي الذي بدأ منذ تولي الملك عبدالله السلطة (في أغسطس/آب 2005) ينتهج طريق الحوار مع الغرب، الذي توّج في شهر يوليو/تموز/الماضي بتنظيم ندوة "حوار الأديان" في مدريد، بمبادرة العاهل السعودي.

وكان الشيخ اللحيدان قد أصدر في شهر سبتمبر/أيلول المنصرم فتوى ضج منها العالم، وهي عبارة عن دعوة لقتل أصحاب قنوات التلفزيون التي "تبث الفساد والفسق و/أو تثير الفتنة بين المسلمين". فأثار الشيخ اللحيدان، الذي كان يستهدف بصفة غير مباشرة القنوات التابعة لرجال أعمال سعوديين مقربين من الأسرة الحاكمة السعودية، انتقادات شديدة للنظام السعودي في الغرب.

وقد أحرجت هذه الفتوى الدولة السعودية التي كان لها آنذاك أن تختار بين إقصاء الشيخ الذي يعتبر لدى البعض رمزاً لحقبة ظلامية ويحظى في نفس الوقت بمصداقية لدى تيارات إسلامية موالية للنظام، أو أن تبقى في نظر الغرب نظاما تدعو أعلى سلطة دينية فيه إلى العنف والإرهاب.

ويعتبر الشيخ اللحيدان من أقرب المقربين إلى النظام السعودي، وكان دوما شديد الإخلاص له.
فقبل حرب الخليج في 1991، كان قد سارع بإصدار فتوى، باسم مجلس القضاء الأعلى، تسمح بنشر القوات الأميركية في المملكة. فلم يكن من المفتي العام للمملكة آنذاك، الشيخ عبد العزيز بن باز، إلا أن يحذو حذوه... 24 ساعة بعده.

ويبدو أن النظام السعودي كان قد اختار تأجيل إقصاء اللحيدان، ليتم في إطار تعديل حكومي شامل بهدف إصلاح كل مؤسسات الدولة.

ولكن يبدو أن إقالة الشيخ اللحيدان وكبار رجال الدين الآخرين لن يكون لها انعكاسا خطيرا على المؤسسة الدينية الرسمية. كما أن التعديل الحكومي، الذي لم يمس الوزارات السيادية التي يديرها أعضاء من الأسرة الحاكمة، لن يهدد استقرار النظام.

فقد أبدى علماء الدين الذين تم إبعادهم والذين يحظون بمصداقية كبيرة لدى شريحة واسعة من المواطنين السعوديين، دوما إخلاصا كاملا لأسرة آل سعود، وسيبقون كذلك.
وليس أدل على ذلك من رد فعل الرئيس المقال لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الشيخ إبراهيم الغيث. فبعد ان صدر التعيينات الجديدة، ألقى الشيخ في مقر الرئاسة العامة للهيئة "كلمة مؤثرة ، بدأها بالدعاء لولاة الأمر سائلا لهم التوفيق والسداد ، وطلب من الجميع العمل والجد والاجتهاد ، وطاعة المسئولين"، مؤكدا على أن "طاعة ولاة الأمر من طاعة الله ورسوله"، كما أوردت صحيفة "المدينة" الأحد.

وقد حفلت الصحف المحلية بعديد المقالات المرحبة "بالتغييرات الكبيرة" التي أجراها الملك عبدالله والتي حسب العديد من الكتاب "فاقت كل التوقعات وحتى آمال أكثر المطالبين بالتغيرات على كافة المستويات".

وقد أصدرت صحيفة "الوطن ملفا خاصا عن "التغييرات الجوهرية".
فكتب رئيس تحرير الصحيفة، جمال أحمد خاشقجي، تحت عنوان " رجال الملك قادمون لإصلاح لا يعطله تردد أو يشوبه توجس": الفريق القادم إلى مختلف الوزارات والهيئات فريق متجانس، مؤمن بالإصلاح (...) سنعمل جميعا في جزيرة واحدة، تحت قيادة إمام وملك واحد".

وعلق تركي الدخيل في نفس الصحيفة ساخرا: "ضحكت حتى كدت أستلقي على قفاي على التعليق الذي أصدره أحد الخبثاء في غمرة انشغال السعودية كلها بالتغييرات الجوهرية التي أصدرها الملك عبدالله في مختلف أجهزة الدولة، عندما اعتبر أن العاملين في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن ينشغلوا عن متابعة الاحتفال بالفالنتاين، في إطار اهتمامهم بتوديع رئيسهم السابق، واستقبال رئيسهم الجديد".

أما بندر سليمان، المشرف على موقع "السياسي" فقد استبشر"بنهاية حقبة الظلامية مع إبعاد اللحيدان والغيث"، قائلا: "الأمر المثير أن هذا الإبعاد تصادف مع ذكرى عيد الحب، الأمر الذي أطلق موجة ساخرة من الذين حولوا هذا اليوم العالمي للحب إلى يوم للقمع والإذلال ومنع بيع الورود".

وفي المقابل، كتب سعود السبعاني في موقعه الخاص "باغت الملك عبدالله بن عبد العزيز بقية أخوته غير الأشقاء الذين يُطلق عليهم لقب السدارى بقرارات جريئة وصاعقة ... حيث جردهم من رجالهم الأوفياء وأتباعهم المخلصين وحرمهم مما تبقى لهم من سلطة رمزية، فسحب البساط السعودي من تحت أرجلهم".

ويضيف الكاتب المثير للجدل في مقال مطول: "أنتهز الملك عبدالله فرصة غياب ولي عهده (...) سلطان بن عبد العزيز في الولايات المُتحدة لغرض العلاج, فقام بقص أجنحتهم الطويلة والتخلص من رجالاتهم وعيونهم ليخلوا له الجو ويتفرغ ويتفرد بالحكم".

وخلص السبعاني إلى القول: "إذن، عملية التخلص من هؤلاء المطاوعة الوهابية الموالون لأبناء السديرية، ووضع مشايخ جُدد تابعين وعلى مذهب الشافعي وأبو حنيفة ومالك يُسهل من عملية تهميشهم وتحييد سلطاتهم في المُجتمع". ترجمة وداد زداني

www.saudiwave.com