الرسالة الجوابية الفلسطينية!

بقلم: جواد البشيتي

في "الوقت الضائع"، وفي "المنطقة الرمادية"، وعلى "حافة الهاوية"، يلعب الفلسطينيون الآن، ويتحرَّكون، ويقفون، فالرسالة التي وصلتهم من نتائج انتخابات الكنيست الثامنة عشرة، والتي وقَّعها نتنياهو وليبرمان على وجه الخصوص، إنَّما تنبئهم بأنَّ الآتي أعظم، وبأنَّ عليهم، بالتالي، أن يتغيَّروا، سريعاً، وبما يمكِّنهم من مواجهته، إذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

مفاوِض "حماس"، في القاهرة، فَقَدَ، إذ ظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، بعضاً من قوَّته التفاوضية، فأصبحت "العجلة"، ولو كانت من الشيطان، هي خياره الآن لمواجهة "الشيطان الإسرائيلي (الأكبر)"، أي نتنياهو، و"الشيطان الإسرائيلي (الأصغر)"، أي ليبرمان. وهذا الخيار إنَّما يعني تشجيع "الوسيط المصري" على استعجال التوصُّل إلى اتفاقية لـ "تثبيت وقف إطلاق النار"، مع "الأفعى"، أي ليفني، وتذليل العقبات من طريق التوصُّل إليها، فـ "الممكن" اليوم قد يغدو مستحيلاً غداً؛ ذلك لأن نتنياهو، الغني عن الوصف والتعريف السياسيين والإيديولوجيين، هو الذي سيرأس الحكومة الإسرائيلية الائتلافية الجديدة، أشارك فيها حزب "كاديما" برئاسة ليفني أم لم يشارك. نَعْلَم أنَّ ثمَّة إمكانيات أخرى؛ ولكن هذه الإمكانية هي وحدها التي توشك أن تتحوَّل إلى واقع.

فلسطينياً، إنَّ من الأهمية والضرورة بمكان أن تُوْلَد تلك الاتفاقية قبل ولادة حكومة نتنياهو، وبصرف النظر عن بنيتها الحزبية الائتلافية، فالفرق في منسوب عدائها للفلسطينيين (من مقاومين ومفاوضين) والمتأتي من الفرق في بنيتها تلك لن يكون كبيراً، أو لن يكون في حجم يسمح لمفاوِض "حماس"، في القاهرة" بتعليل نفسه بوهم أنَّ الآتي (إسرائيلياً) لن يكون على هذه الدركة من السوء (فلسطينياً).

أمَّا العامة من الفلسطينيين (في الضفة الغربية المحتلة من الداخل في المقام الأوَّل، وفي قطاع غزة المحتل من الخارج في المقام الأوَّل) فيهيئون أنفسهم لمواجهة "إسرائيل الجديدة"، أي إسرائيل التي جاء جديدها على هيئة تجديد للأسوأ في "إسرائيل القديمة"، وهُمْ يحاولون استكشاف طريق ثالثة، فما بذلوه من جهد في المفاضلة بين خياري "التفاوض" و"المقاومة" انتهى بهم إلى استنتاج مؤدَّاه أنَّهم في التفاوض "باعوا" لإسرائيل الغالي بثمن بخس، وفي المقاومة "اشتروا" منها الرخيص بثمن باهظ؛ ولقد حان لهم أن يمارسوا "التفاوض" و"المقاومة" بشيء، أو بمزيد، من "الذكاء التجاري".

ولا شكَّ في أن انتفاء "الدافع الانتخابي" لدى ليفني وباراك الآن يشحن "الدافع إلى الاستعجال" لدى مفاوِض "حماس"، في القاهرة، بمزيد من القوَّة، فـ "أفعى" إسرائيل، و"نابليونها"، ليس لديهما الآن ما يخسرناه إذا لم يُبْدِ مفاوض "حماس" من "المرونة" ما يكفي للتوصُّل إلى اتفاقية لـ "تثبيت وقف إطلاق النار"، ولتسوية "النزاع" في بعضٍ من أوجهه، قبل أن يصيح ديك نتنياهو، ويتوقَّفا، بالتالي، عن "الكلام المباح".

وليفني، على وجه الخصوص، والتي ذاقت نصراً انتخابياً يشبه بمذاقه الهزيمة، تَعْرِف أنَّ ما يُمْكنها الآن فعله من أجل التوصُّل إلى تلك الاتفاقية، لن تستطيعه إذا ما اضطَّرها "ضعفها التحالفي" إلى الانضمام إلى حكومة برئاسة نتنياهو.
الحكومة الإسرائيلية الجديدة، والتي يرأسها "الشيطان"، على ما يدعونا "الواقع" إلى توقُّعه، وبصرف النظر عن بنيتها الحزبية الائتلافية، إنَّما تدعو الفلسطينيين جميعاً إلى الإيمان بأنَّ الكفر بعينه الآن، أو من الآن وصاعداً، هو الإيمان بخيار التفاوض، متحدِّيةً إيَّاهم، في الوقت نفسه، أن يقاوموا بما يعود عليهم بالنفع، أو، على الأقل، بما لا ينفع "إسرائيل نتنياهو ـ ليبرمان".
لن نتحدَّث الآن عن "المحظورات"، فلسطينياً، فليس لنا موقف سلبي أو إيجابي منها إلاَّ بعد تمثُّل "الضرورات الفلسطينية"، والتي في مقدَّمها: درء مخاطر آلة الحرب الإسرائيلية عن قطاع غزة من خلال التوصُّل إلى "هدنة" مدتها 18 شهراً على الأقل، وتذليل كل عقبة من طريق إعادة بناء ما دمَّرته تلك الآلة هناك، و"تطبيع" الحياة الاقتصادية للقطاع، فأهله يجب ألاَّ يظلوا في عيش اقتصادي "إنساني"، تُفْتَح لهم المعابر بما يكفي لتزويدهم قليلاً من الغذاء والدواء..
ويكفي أن يتمثَّل الفلسطينيون تلك "الضرورات"، وأن يقرِّروا ويعملوا بما يوافقها، وليس بما يوافق مصالح منفصلة عن المصالح الفلسطينية العامة، ومتعارضة معها، حتى "يفاوضوا" بما يؤدِّي إلى اتفاقية للهدنة، تقيهم شرَّ آلة الحرب الإسرائيلية، التي ستنتقل قيادتها السياسية من "الأفعى" و"نابليون" إلى "الشيطانين (الأكبر والأصغر)"، وتسمح لهم بـ "إعادة البناء" وبـ "تطبيع" الحياة الاقتصادية، في قطاع غزة؛ وحتى "يتحاوروا" بما يوافق تلك "الضرورات"، وبما يمكِّنهم من إنهاء "تنازُع الشرعية والقيادة والتمثيل" بـ "الانتخاب (الحر الديمقراطي)" لممثِّليهم في "السلطة (مجلساً تشريعياً ورئاسةً)"، وفي منظمة التحرير الفلسطينية، بصفة كونها الممثِّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ومن أجل أن تبقى الممثِّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
ليتشبَّهوا بالإسرائيليين في احتكامهم إلى "صندوق الاقتراع الديمقراطي الشفَّاف"، وفي احترامهم لنتائج الانتخابات، ولما تتمخَّض عنه هذه النتائج من "نتائج سياسية"؛ فهذا "التشبُّه" هو خير مقاومة يمكن أن يمارسها الفلسطينيون الآن. جواد البشيتي