جورج حبش أو الرجل الذي صارت رايته شاهداً لقبره

بقلم: محمد نعيم فرحات

قلما اجتمعت الصدقية وصفاء المرجعية الأخلاقية ونصاعتها والرهافة والحساسية في رجل، كان مشغولا بالسياسة وينتمي لتاريخ صعب وملتبس، مثلما اجتمعت هذه القوة في شخص جورج حبش وسلوكه. ويتعلق الأمر هنا، بشخص قام من صميم "عذابات شعب لا تطاق" ومن رهاناته التي تعودت على أن تعيد إنتاج نفسها من وسط الانكسار والخيبة والخذلان. وقد تفوق حبش في هذه الخاصية على كل أبناء جيله.
وفي صلب أوضاع وإحداثيات وحراك مركب، كان جورج حبش يسير فيها صعودا ونزولا، تحمله وترافقه خصلة جوهرية ظلت تلازمه حتى لما بعد مثواه الأخير، إنها خصلة صدقية الموقف: سواء كان هذا الموقف مناسبا سياسيا و أيديولوجيا أم لا. لقد أفصح حبش عن هذه الصدقية في كل الظروف والأحوال، وقدما مع الزمن لم تعد الصدقية عنده محض خصلة رفيعة وعالية فقط، لأن حبش حولها لأيقونة في حياته.
وعندما ضاقت المقاربة الفلسطينية بنفسها وبقدرتها على بلورة رؤية مناسبة للمشاكل والحلول. وتاهت هنا أو هناك. غادر جورج حبش تردي المسرح السياسي الفلسطيني، ولكن ليس إلى: اللامبالاة أو الإستقالة من الدور، أو نحو راحة ما، كانت متاحة بكل حال، بل غادر إلى قواعده الأولى، ووضع رهانه هناك، في إطاره الطبيعي والتاريخي والقدري معا. محور الرهان على عروبة أصيلة بنسقيها الإسلام الأصيل والمسيحية الشرقية الأصيلة. وعلى مدار العقدين الأخيرين وجدنا جورج حبش، المنسحب من صخب الحضور الفلسطيني، صاحب حضور كبير وهادئ ومتأمل هناك، حيث تستقر الرهانات القادرة على إحداث التغير والتحولات.
* * *
ثمة رجال يستحقون من الحياة أكثر مما نالوا، بيد أن للأقدار ترتيباتها التي قد تعارض أقدار الرجال وحاجة الزمن لهم، وفي اللعبة المستحيلة تأخذ الأقدار الرجال الحقيقيين دائما في لحظة يكون واقع الحال بحاجة ماسة لحضورهم، وهكذا كان الأمر مع جورج حبش الذي كان المرض في تجربته إحدى أشكال انفعالات الوعي والجسد العضوي مع إختياراته، لذلك أخذ شكل الجرح البليغ في معركة الوجود، أكثر مما أخذ معناه البيولوجي، كتوتر أو كخلل بنيوي ألم بجسده. إن انفعال الوعي هو الذي أحدث المرض عند جورج حبش، فعبر عن نفسه في خارطة الجسد، ورغم أن المرض قد أقعده حركيا على نحو ما، إلا أن إرادته وعزيمته تفاقمت بالمرض، وواصلت توقدها كما يليق برجل مثله وبمثل معناه، رجل كان يعبر عن نفسه بحماسة وانفعال هائلين، صارا بعد جرح المرض، بسالة يمكن الوقوف عليها، في ملامح الوجه والحركة وأعماق الموقف والاختيارات.
كما أن هناك رجال يصعب تعويضهم، بيد أن معناهم وما تركوه من دلالات وصور ورمزيات في الذاكرة والوجدان يجعلهم حاضرين على الدوام، وهنا يمكن العثور في نحو بالغ اللياقة وملئ بالأريج، على قوة النفس والمعنى التي يتحلون بها، وهؤلاء هم القليلون الذين يجعلون الذاكرة موطن البحث عنهم، وربما عاد جورج حبش إلى نفسه راضيا على نحو ما، من حقل السياسة والتباستها، بيد انه ذهب إلى مثواه الأخير متجنبا بعناد هائل ليس الرداءة بل أيا من مشتقاتها. وفي هذا الصدد، لا يعود من المهم التساؤل عما إذا كانت طموحات وأحلام جورج حبش وجيله لم تحقق في حدود حياتهم، لأن تحقيق اغلبها يفوق قدرة أجيال متعاقبة، وطالما كان من المهم بالنسبة لهذا الجيل، أن يَحلم ويراهن ويعمل من أجل ذلك، في مجال تاريخي طاحن وشرس، تضمن قتل (حتى) الخيالات في رؤوس الحالمين بالانعتاق (وهذا لا يعفيهم بكل حال من المسألة عما كان يجب عليهم أن يفعلوه)،. لقد كانوا حالمين يندرج خيارهم (في ظرفه وزمانه، وفي بعض جوانبه) في سياق الجهاد الرفيع. وكان أعلى الصابرين منهم، أولئك الذين صانوا حلمهم ورهاناتهم في مجابهة واقع أحكم الدوائر فوق رؤوس المظلومين. وأما أن ينكسر مشروع تاريخي ما أو يتراجع، فهذا من معهود الواقع والتاريخ، ولكن الفكرة الأصيلة والقناعة بها وإمكانية تحققها في التاريخ فهي غير قابلة للهزيمة مهما تعثرت. وإذا كانت مقاربات جورج حبش وأقرانه قد انكسرت، إلا أن روحه لم تنكسر (وإن كانت أنهكت) وعندما جاء آخرون وتجاوزوا انكسار قدرة الفلسطينيين في مرحلة ما، وجدنا جورج حبش هناك دون أن يبدل راياته أو ينفصل عنها.
* * *
فيما يشبه انتقاما قدريا،ها أن الموت يطوي كبار الفلسطينيين واحدا تلو الآخر، ويودعهم الثرى، وسط تفاقم مأساتهم ومعاناتهم وانكسار ما في الروح والوعي، وانفتاح العذاب على أفاق شاسعة، تتحالف فيها الظروف الموضوعية مع المساهمات الذاتية التي يبديها الفلسطينيون في إبداع المأزق الوجودي من الداخل أيضا، وفي هذه اللحظة بالذات فقد خذلنا الموت لأنه ذهب بجورج حبش إلى الحياة الأخرى في لحظة حرجة، فيما خذلنا (نحن) حبش لأنه مضى متألما مما نفعله بأنفسنا، ولأن مصدر تفاؤله فينا يمضي في طريق صعب، بينما يبدو تفاؤله أيسر عند آخرين غيرنا؟
بيد أن أمرا مهما حمله جورج حبش من ضمن مقتنياته الثمينة هو اعتقاده الراسخ بالرهان على غد مختلف عن الأمس واليوم. وطوبى لمن ذهبوا إلى حتفهم دون أن يهنوا، وحملوا راياتهم حتى الرمق الأخير رغم عسف الدروب وتحولاتها، وطوبى لرايات وجدت مستقرها فقط على شواهد قبور حامليها.

محمد نعيم فرحات، كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين