تعود ولكنها مكللة بالوحل

بقلم: محمد نعيم فرحات

لم تكن المسألة بحاجة لمنجمين ولا لفيلق من الخبراء الاستراتيجيين، لتخمين نتائج الحرب الإسرائيلية المجنونة على غزة، وإمكانية نجاحها في كل شيء، سوى في تحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية قصيرة المدى أو البعيدة.
هذه الخلاصة ليست تمريناً ذهنياً في الهلوسة أو الهرطقة أو التوقعات العاطفية، فوقائع الصراع المتواصل منذ عقود، وسياقاته ومسارات المقاومات التي شهدها تؤكد هذا الاستنتاج، الذي يجري وسط السفك والدم، وهذا الأمر البديهي، هو، ما تأبى إسرائيل بعناد الاعتراف به.

ومن يعود من ميدان الحرب بعد أن حطم البنية الأساسية لقطاع غزة، ودمر آلاف المنازل والمزارع ومصادر الرزق، وقتل وجرح آلاف الضحايا، وشيد بنية أساسية للثأر والانتقام عند قطاعات من الناس ربما لم تفكر بذلك يوما لألف سبب، وأطلق كل هذا الصدى في العالم عن عدوانية إسرائيل ومظلومية الفلسطينيين، وأردي احتمالات التسوية السلمية الصعبة أصلاً، مصابة بجروح بالغة على الأقل بسبب عناده الكافر، هو بالتأكيد عائد من عملية خاسرة وعقيمة وبائسة اليوم وغداً، ويعود مكللا بالوحل السياسي والأخلاقي، وبفشل في قدرة القوة على تحقيق أغراضه. ومن يعود بكل هذا ، لا يجب عليه أن يخلد للراحة أو الرضا، وهو في طريقه إلى نفسه وقواعده، حتى ولو عاد بجموع المقاومين أو من يحلمون بفعل مقاوم (ذات يوم قد لا يأتي في حياتهم)، بسلاسل بشرية تجرها دباباته وكتائبه، لأنه سيكون مطرا للعودة لذات المكان، الذي استأصل منه المقاومة، كي يستأصل من ورثوها، دون أن يحتاج إلى زمن بعيد لحصول ذلك. هكذا كان الأمر تباعاً بدليل الواقع والتجربة. أما بالنسبة للمقاومة التي أبداها الناس والمصنفين كمقاومين بالمعنى الدقيق والحصري للكلمة.

وبغض النظر عن معنى النصر، وكيفية فهم كلا الطرفين له، فإن الذي يستقر في حقل الواقع، أن غزة قد صمدت في كل صعيد: حجراً وشجراً وبشراً ومقاومة، وإن لهذا الصمود دلالات ورهانات وتداعيات سوف تتواصل خصوماً إذا ما أحُسن تثميرها (وان كان الفلسطينيون ومن كل لون سياسي بارعون في التبديد أكثر من التثمير).
لقد أنجر الفلسطينيون في الحرب الدلالة الفاصلة، بخصوص الدور الحاسم للمقاومة بمعناها الواسع والعميق، كسبيل ليس له بديل، من أجل تحقيق الحضور والأهداف. أما إسرائيل التي ذهبت للحرب بطاقة هجوم مروعة وشاملة، فقد عادت بالقلق كمكسب أساسي. أما الهدنة أو الهدوء أو ما تيسر من تفاهمات فسوف تكون وظيفتها الأساسية عند كلا الجانبين، تقطيع الوقت إلى أجل مسمى، طالما أن إسرائيل تتجنب (بثمن شن الحروب) الاعتراف الحقيقي بالحقوق التي تُرضي الفلسطينيين ضمن الممكن التاريخي، لأنه المعطى الوحيد الذي بمقدوره أن يضمن الهدوء والهدنات، إلى أن يأتي الله والتاريخ أمراً كان مفعولاً.

وأما مسألة تجفيف مصادر تسليح المقاومة، فإن ذات الخطأ يتكرر عند الخصوم، لأن قوة المقاومة لا تكمن في العدة والعتاد على أهميتها، بل في الإرادة والمشروع والاستعدادات والرهانات، وهي مسائل تقوم إسرائيل ومن معها بكل ما يلزم لإنتاجها وتزويد الوعي الفلسطيني بها، إن المقاومة تحتاج للبسيط من السلاح، أما خصومها فلا يحتاجون لمراقبة أعالي البحار أو أدانيها، أو كشف الأنفاق أو تدميرها، إنهم بحاجة لشيء أخر هو معرفة الأسباب التي أملت على المظلومين فعل ذلك.
بيد أن خصوم الفلسطينيين وحلفائهم يتعاملون مع الأمر، مثلما يتعامل طبيب جاهل وفاشل عندما يركز جهده على ارتفاع درجة حرارة المريض بصفتها المرض وليس عارضاً أو مؤشراً على مرض موجود في بنية الجسد. أما تجاهل إسرائيل وعموم الغرب للتعامل مع المقاومة باعتبار أن ذلك، هو، شكل من أشكال الاعتراف بها، فإنهم يكررون هنا حماقات سابقة ارتكبت هناك من جهة، ويظهرون سذاجة ورعونة في التفكير السياسي عندهم من جهة ثانية. بينما هم يعرفون بأنهم يتفاهمون مواربة، مع فعل يريدونه مبني لمجهول، هو، بالضبط المقاومة، وفيما يبين الأمر كم أنهم يتحايلون على أنفسهم بتعاسة غير مجدية، فإنهم يتجنبون ما تقوله العبرة التاريخية، من إن إنكار المقاومات من طرف خصومها، لم يفضي إلا لتعزيزها.

على أن الدلالة الأهم في حرب غزة، والتي لا يرغب لفيف من المعنيين الاعتراف بها، تقول، بأن المقاومات في فلسطين ولبنان والعراق، تصل كل على نحوها وتباعاً، إلى نقطة حاسمة، هي نقطة اللاعودة إلى الانكسار والخيبة، فيما يصل خصومها بدورهم، لنقطة فاصلة، وهي عدم القدرة على تحقيق النصر والإنجاز والأهداف وفق مفهومهم لذلك.
إن هذا المتغير هو الأكثر أهمية في دلالات الحروب التي يشهدها الهلال الخصيب وبر الشام حيث تتلاقى مسارات المقاومات فيه عند مفترق واحد وحاسم، لم يسبق أن وصلت إليه منذ عدة قرون خلت. مفترق يشير إلى أن الأمر لم يعد مثلما كان. إننا بإزاء مقاومات لها قدرات ورهانات ممكنة وسط الصعوبات والأثمان الباهظة والعسر والكبد.

* * * *

في التراث اليهودي هناك مثل يقول "الكارثة تأتي من الشمال" والمثل فيه الكثير من الجغرافيا والكثير من المجاز أيضاً، غير أن "إسرائيل" ذاتها التي شغلت خيالاً جموحاً في إنتاج الكوارث للفلسطينيين ولشعوب المنطقة من كل صوب وحدب، لم تتوقف أمام النتائج الكارثية عليها، جراء استباحتها للآخرين. وإسرائيلي حصيف وكبير في قومه، هو، الذي قال يوماً "بأن الكارثة في الكارثة في الوعي الإسرائيلي أنها تمر بدون عبرة" لدولة دانت كثيراً في قيامها وتحولها من فرضية أسطورية لحقيقة مزلزلة، لقوة العقل والدهاء والحسابات، إلا أنها تقوم اليوم بتسليم كل ما أنجزته في هذا الصعيد، للجنون والغرائز المدمرة والخيارات البائسة. واللافت في السنوات الأخيرة، هو تحول الجنون في سلوك إسرائيل، لقيمة جوهرية لخيارات مليئة بالرعونة والانفصال عن الواقع والتكيفات المجدية معه ومع احتمالاته.

وعلى بسيط هذا الكلام يمكن أن يسأل المرء: هل كانت إسرائيل ومصالحها تتطلب حقاً الذهاب لحرب على غزة؟ وهل كانت مضطرة للعودة بكل هذا الوحل؟. إن العقل لا يستطيع الإجابة عن مثل هذه الأسئلة، لأن الجواب هو من صلاحية قيمة أخرى لا علاقة للعقل بها.. أما التاريخ فيا له من ماكر، لا يدخر أيما رحمة للأقوياء الغاشمين، عندما يتركهم وجها لوجه مع نتائج صنيعهم في أوحاله الشاقة.

محمد نعيم فرحات، كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين