الميكروباص.. وسيلة نقل تختزل 'جحيم' المصريين في عهد مبارك

بدأ محترما ثم تحول الى وسيلة نقل غير آدمية

القاهرة - في استعراضه البانورامي للطبقتين الوسطى والدنيا من المصريين ينجو حمدي عبد الرحيم من استسهال كثيرا ما يؤدي للوقوع في فخ نظرة استشراقية يلجأ اليها البعض في أعمال اجتماعية وابداعية تميل الى تسجيل ما يتمنى باحثون غربيون رؤيته والكتابة عنه باعتبار مصر جزءا من شرق لا وجود له الا في خيال بعض المستشرقين.

ولكن عبد الرحيم القادم من مجال النقد الأدبي يرى الأمر من زاوية أكثر اتساعا وعمقا في كتابه "فيصل.. تحرير" مسجلا أن سيارات النقل الجماعي (الميكروباص) التي يضطر من يستخدمها للانحناء مرتين على الاقل يوميا في الصعود والهبوط ليست مجرد سيارات صغيرة لكنها مجتمع "كامل الأركان" يمكن رصد بعض تجلياته للخروج بنتائج تدل على تحولات المصريين في السنوات الاخيرة.

ويحمل الكتاب عنوانا فرعيا هو "أيام الديسك والميكروباص" ويقع في 362 صفحة متوسطة القطع وصدر في القاهرة عن مكتبة مدبولي.

والديسك في الاصطلاح الصحفي المصري هو المطبخ الصحفي حيث تعد المواد الصحفية للنشر. وقبل عقود لم يكن موجودا الى أن راهن الاخوان مصطفى وعلي أمين في مؤسسة "أخبار اليوم" على امكانية أن يقوم أي قادر على جلب الخبر بهذه المهمة ثم يتولى "الديسك" اعادة الصياغة لكن الامر بمرور الوقت لم يعد يقتصر على اعداد الاخبار للنشر وانما امتد الى اعادة صياغة التحقيقات والمقابلات وأحيانا المقالات أيضا.

أما الميكروباص فلم يكن قبل سنوات يمثل ظاهرة ثم أصبح له وجود محدود كبديل للطبقة الوسطى عن ركوب الحافلات العامة التي صارت وسيلة غير آدمية في القاهرة وانتهى الامر بالميكروباص ليصير هو الاخر وسيلة غير آدمية بعد اختفاء الحافلات العامة تقريبا من شوارع القاهرة.

وتعمد المؤلف أن يكون عنوان الكتاب "فيصل.. تحرير" مقدرا أن شارع فيصل بمدينة الجيزة يقيم فيه نحو تسعة من بين كل عشرة من الصحفيين العاملين في مجال الديسك. أما التحرير فهو الميدان الاشهر في العاصمة المصرية وهو محاصر ببعض أهم المصالح الحكومية اضافة الى المتحف المصري وجامعة الدول العربية كما أنه نقطة التقاء معظم خطوط النقل في العاصمة.

وتدور من وقت لاخر مناورات ومناوشات بين جهاز الشرطة وسائقي الميكروباص الذين يتهمون بعض الضباط بابتزازهم أو ظلمهم بلا مبرر. وفي بداية شباط/فبرايرالجاري أعلن السائقون على خط (فيصل-التحرير) حالة العصيان ليوم واحد وأضربوا عن العمل وأصيبت حركة المواطنين بالشلل نظرا لعدم وجود بديل للميكروباص الذي أصبح داء لا يمكن الاستغناء عنه.

ويقول عبد الرحيم ان العبث هو ما يجمع بين الديسك والميكروباص مستشهدا على هذا العبث باهدار السلطة التنفيذية حديقة أثرية عمرها 130 عاما في منطقة حلوان جنوبي القاهرة واقتطاع جزء منها وتخصيصه مرأبا للميكروباص وهذا العبث أيضا هو "الذي يرغم الديسك على تحرير صفحات لا علاقة لكتابها بالكتابة... الديسك هذا الاختراع العاهر" حتى ان البعض شبه عمل الديسك بالخدمة في البيوت.

ويشدد على خطورة عمل الديسك وعلاقته بالصحافة "هنا تجد مهنة تنهار وجماعة بائسة تحاول اقامة السدود في وجه طوفان قادم" مضيفا أن الديسك والميكروباص وجهان لعملة واحدة وهما دليل على متغيرات سياسية واجتماعية وثقافية تعرض لها المجتمع المصري في السنوات الاخيرة.

ويقسم المؤلف سائقي الميكروباص الى ثمانية أنواع منها المتطرف الذي يعتقد أن "الراكب الطيب هو الراكب الميت" والمتدين الذي يحرص على قول "ان شاء الله" حتى لو كان الفعل ماضيا كأن يقول لاحدهم "ركبت ان شاء الله يا أخي.." ويرتدي جلبابا أبيض ويتجنب أن تركب معه امرأة غير محجبة و(الدجاج) ويعني من له سابقة جنائية ولا يبالي بالسجن بل يحن الى العودة اليه.

ويسجل أن واحدا من (الدجاج) تعرض يوما لمضايقات شرطي فتناول "قنينة بنزين يضعها تحت مقعده تحسبا للطوارئ وصبها على جسده وواجه المندهشين صارخا.. الباشا يريد أخذ فلوسي والنط على زوجتي. علي الطلاق سأحرق نفسي" فما كان من الشرطي الا أن هرب تفاديا لانتقام المواطنين الذين أبدوا تعاطفا مع السائق.

أما الركاب فليسوا أيضا كتلة صماء بل شعوبا وأقساما يصنفهم الى 13 نوعا معظمهم "الذاهلون" الذي لا يبالون بأي شيء ولا يفكرون الا في تدبير حياتهم بمواردهم المحدودة.

ويضيف المؤلف أن سيارات الاجرة "في العصر الميكروباص الاول" بدأت بداية "انسانية" قبل الوصول الى العصر الميكروباص الثاني الذي " تخلت" فيه الحكومة المصرية عن مهامها ومنها ضمان وسيلة نقل مقبولة للمواطنين.

أما الفرع الثاني مما يراه عبد الرحيم عبثا موازيا لظاهرة الميكروباص ومتداخلا معها فهو الديسك.

ويقول انه سأل كثيرين من محترفي هذا العمل فأخبروه أن "الديسك لم يعد عملا صحفيا. هو الآن يشبه قيامك بغسيل سراويل غيرك". ويضيف أن "انهيار التعليم (في مصر) يفرز صحفيين لا يتمتعون بالحد الادنى من المعرفة".

ويقسم العاملين في الديسك الى 13 نوعا يبدأ بمن يسميهم أصحاب الرسالة الذين لا يشكون أبدا ويرون عملهم حفظا لماء وجه الصحافة ومنهم خالد البلشي "الوحيد الذي يحب الديسك بل يعتبره رسالة مقدسة تحفظ للمهنة جلالها... لو خير بين رئاسة التحرير وبين الديسك لاختار الديسك". ويعمل البلشي حاليا رئيسا لتحرير صحيفة (البديل) اليومية اليسارية المستقلة.

ومن العاملين في هذا المجال أيضا المعذبون الذي يشعرون بالمرارة والغيرة على مهنة الصحافة ويشكون دائما من تدني مستوى ما يقدمه الصحفيون. ومنهم أيضا "الجهلاء" وبعضهم لا علاقة له بالكتابة لكن لهم صلة قوية برئيس التحرير أو ناشر الصحيفة وبعضهم "جاهل مسكين. سمح لين. هو في الديسك لان سنه تقدمت ولا يصح أن يظل محررا. هو من جيل رئيس التحرير (الذي) يجامله.. المسكين يكون حريصا على ألا يصطدم بأحد من المحررين أو الديسكاوية. يجلس على مكتبه ساعة أو ساعتين ثم يعود سالما الى بيته".

ويلخص عبد الرحيم ما يراه تدنيا في الذوق العام في بلاده من خلال ظاهرة الميكروباص وتراجع مستوى كثير من الصحفيين قائلا "نحن الآن نذوق ثمرة التعليم في عهد (الرئيس المصري حسني) مبارك" الذي يحكم البلاد منذ نهاية عام 1981.