المقاربة القطرية

بقلم: محمد نعيم فرحات

لم أسافر إلى قطر يوماً، ولم أمر حتى في أجوائها، ولم أعرف على نحو مباشر، أي قطري في حياتي، إلا، الأستاذ الجامعي محمد المسفر، وذلك على نحو طفيف جداً: اتصال واحد ورسالة واحدة ومشاهدة واحدة، في مؤتمر عن ثقافة الخوف، انعقد قبل نحو عامين، بجامعة فيلادلفيا الأردنية، ولم يفض بنا لقاء آخر على مائدة الأستاذ فايز الصَياغ وحرمه بعمان بعد عام وأكثر، لبناء علاقة تواصل حيوية. لقد ظل الأمر في نطاق مجاملات محدودة لأشخاص ذهب كل منهم في حالة سبيله دون أن يتلفت.
كما لم أتبادل أي عيش أو ملح، على مائدة أي قطري أو بالعكس، غير أن فرصة تضمنت كل هذه الإمكانيات وأكثر، قد أتيحت لي عام 2007. إذ تلقيت دعوة من قناة الجزيرة للأطفال والمجلس الأعلى للطفولة، الذي تترأسه على ما أعلم حرم الأمير السيدة موزة المسند، لحضور مؤتمر عن "الطفل بين اللغة الأم والتواصل مع العصر" لأقدم فيه ورقة علمية عن "دور اللغة في بناء الوعي الفلسطيني" ففعلت.
ولإجراءات التأشيرة ألح علىَ المنظمون وشددوا، عبر رسائل متلاحقة (وخصوصاً من المرزوقي، وهو تونسي مليء بالصحراء والأبيض والدلالات، يعمل في قناة الجزيرة للأطفال، أدين له على نحو خاص، لأنه أول من فكر في دعوتي) كي أرسل صورة عن جواز السفر ففعلت أيضا، إلا أنني الوحيد من ضيوف المؤتمر الذي وصلت ورقته ولم يصل هو، ولم تصدر تأشيرة دخوله لقطر حتى الآن، ولم يبلغه أحد بالسبب الحقيقي وماهيته، كما لم يسأل عن ذلك أحد. ومن باب المفارقة إذا جاز الوصف، فقد اقترحت على المنظمين للمؤتمر، دعوة الأستاذ محسن بوعزيزي، وهو أستاذ تونسي لامع وصاعد في علم الاجتماع، فاستحسنوا الفكرة، فدعوه، فحضر، وقد طلبت إليه أن يعرض ورقتي إلى المؤتمر نيابة عني فقبل، غير أن صديقا فلسطينيا من بيت الآغا المرموقين بخان يونس، هو الذي تلا مخلصاً للورقة. وبالأجمال فقد وضعت عدم تمكني من زيارة قطر في باب سوء الطالع ،وخسارة فرصة طيبة لزيارة بلد يستحق الزيارة ويسعى لذلك كثيرون.

إن هذه الإحداثيات المتواضعة، هي التي تربطني بقطر في المستوى الشخصي، وهذا بالضبط ما كان السرد السابق يرمي إليه.
* * *
أما قطر فهو بلد غير متعب لتعريفه: دولة تقوم في مساحة صغيرة، محمولة على فيض من الغاز، والقليل من النفط، والكثير من الرغبة في الحضور الاختلاف. وتقع في منطقة صراع وتجاذب، محلي وإقليمي ودولي، بين قبائل وكيانات ودول ومصالح وطموحات ورؤيات ومفترسين كثر. وهو بلد لا يصنف ضمن الدول المحورية في المنطقة، وليس إقليماً قاعدة: لا في الجغرافيا ولا في التاريخ، ولا هي دولة ثورية أو راديكالية باعتراف أولي الأمر فيها.
ولكنها (أيضا) دولة تبحث عن أقدارها وحضورها، بنجاح سياسي لافت، وبالحد الأدنى مما يسميه علم الاجتماع بتناقضات الدور، داخل منظومة علاقات وأوضاع شائكة ومركبة، مليئة بالتباسات السياسية والتأويلات، تمتد من السعودية حتى إيران فسوريا فحماس فحزب الله فإسرائيل فأميركا على الأقل، وتتحمل أوزار قناة الجزيرة ومزاياها معاً، وداخل هذا الحقل المركب في المنطقة، حيث تتعثر الأقاليم الأساسية أو المحسوبة كذلك، في إيجاد الصيغ الملائمة لمواقفها وحضورها وأدوارها، ينجح بلد صغير في بلورة مقاربة نشطه وفعالة ومختلفة ومميزة وغير مألوفة في محيطها على الأقل، للمشاكل والحلول والعلاقات. سواء من حيث تعبيراتها، أو من حيث قدرتها على التحرك الفاعل داخل وكر التباسات واشتباهات أقامت حدودها على كل الأطراف بعد، بما في ذلك قطر نفسها.
وبتأمل المعطيات التي تحكم قطر، وعلاقاتها والتزاماتها وما هي ملزمة به، فإنها تظهر لمن يعنيهم الأمر في عوالم السياسة العربية تحديداً، إمكانية وجود تعاطٍ مختلف مع المسائل، يستند لخطاب صريح وبسيط من جهة، ومعرفة دقيقة بحدود الذات من جهة أخرى، ولكنه يأخذ مساحة واسعة وحساسة من الدور والحضور الفعال يدين بالأساس لقدرة يوفرها الخيال السياسي، والقيام بالتزامات الدور الذي تطرحه على نفسها. إن الدور، أي دور، ولأي بلد كان، يتحول لفعل ماضي ناقص ومؤلم، وغير قابل للصرف، في الفعل السياسي المضارع، إذا ما افتقد لقدرتي: الخيال السياسي والقيام بالتزامات الدور، وهذا ما يفسر بصورة جوهرية أزمة البعض في المنطقة وحضور قطر مثلا، بما، يفوق طاقاتها الحقيقية.
* * *
هناك قاعدة كلاسيكية في علم الاجتماع السياسي، تقول بان العلاقات الخارجية للدول، تشكل أهم محكات قياس قوتها وقدرتها. ومن خلال هذا المنظور، فإن حضور قطر الراهن ودورها، يدعو الى لسؤال عناصر غير مادية أو موروثة لفهمه وتفسيره. أما انقسام المواقف بشأن الدور القطري والتأويلات التي يقدمها المساندون له أو المناهضون، فتصبح غير ذات جدوى، لأن من طبائع الدور أن يأخذ نفسه ويمضي ولا ينظر للخلف إلا كي يرى الأثر أو كي يلاقيه، وثمة أمر أهم من تقاطعات المؤيدين للدور القطري أو المعارضين له وهو فهمه وتفسيره. محمد نعيم فرحات، كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين