باشلاريات بوخليط تلتئم في كتاب

بوخليط، جهد متميز

الرباط - سلسلة "باشلاريات" لصاحبها سعيد بوخليط، بدءا من عمله الأول: "غاستون باشلار :عقلانية حالمة"(2002)، ثم الثاني: "غاستون باشلار : نحو أفق للحلم"(2006)، وصولا إلى الإصدار الثالث والحالي: "غاستون باشلار، بين ذكاء العلم وجمالية القصيدة" (2008). نقول، بأن المشروع في مجموع محدداته البيداغوجية، السجالية أو التأويلية، سعي مستمر لتمثل الآفاق والممكنات التي أرساها الفيلسوف غاستون باشلار، للمعرفة الإنسانية. مع اشتغالاته المفهومية الجذرية، على مستوى الثنائية القطبية الجوهرية لهذه المعرفة، نقصد بذلك التقسيم الكلاسيكي الفيصل بين : ثبوتية العلم ثم انسيابية الأدب.
وضع باشلار متنا نظريا تأمليا ضخما، مس كل مرامي التفكير. الموسوعية هنا، من الجدي أن تتفاعل جدليا في ذهن ذلك القارئ الذكي ـ كما أراده باشلار دائما ـ وفق سيرورة تمتد من نهم المضمون نظرا لكثافته وغناه عند باشلار، لتنتهي عند حداثة الخاصية الكيفية لآليات إدراك الذات الإنسانية. حيث، تغيرت المداخل والعتبات، وتبلورت منظورات أخرى في تشكيل الممارسة المعرفية.
نتحدث بكل وثوقية مع باشلار، عن فهم مغاير للعالم داخل المختبرات والمعامل الكيماوية. كما نقف في الآن ذاته، باندهاش لافت، عند صداقة الفيلسوف الكبيرة للشعر والشعراء. أو بتعبير "فرانسوا داغوني" : "علمي مع العلماء وشاعري مع الشعراء". راسما، وهو يرتحل من الرياضيات إلى القصيدة جمالية للذكاء وذكاء للحلم. أول الأسئلة التي قد تقفز بهذا الخصوص، تلك المتعلقة بتجليات الاختلاف والوصل، داخل المشروع الباشلاري، بينما ينتقل من تفكيك الأسس الإبستمولوجية لأعتى النظريات الفيزيائية، إلى الذوبان في مدائن الرحيل الدائم كما رممتها نصوص كبار الصنعة اللغوية ؟ على سبيل الذكر، يتعايش مع باشلار كل هؤلاء : ديكارت، رامبو، إينشتاين، بودلير، نيوتن، إدغاربو، هولدرلين، بلزاك، فلوبير، ريلكه، فاليري، سوينبرن، سانت بوف، تزارا، أفلاطون، برانشفيك، بوفون، كولريدج، ديدرو، ألبيربيغان، بوسكو، لوي غيوم، روني شار، فان غوغ، برجسون، كافكا، هيغو، جوبوسكي، جون هيبوليت، هنري ميشو، بلانشو، لوتريامون، نيتشه، بروتون... ! لا يتعلق الأمر فقط بتشكلات مفرطة لشره القراءة العذبة، كما حاول باشلار تفسير ذلك بتواضع العلماء الكبار، لكنه إنتاج فكري رصين ودؤوب انبنى على منطلقات منهجية متينة، بلورت نسقا مذهبيا قائما بذاته.
أخذت حلقات "باشلاريات" على عاتقها، منذ الإصدار الأول، التركيز خاصة على الرافد الثاني من كتابات باشلار، أي ما جعل منه رائدا من رواد الشعريات الحديثة، بمعنى باشلار/ الناقد الأدبي، الذي دشن ثورات متعددة للنص الأدبي، نتيجة توظيف منهجي لرؤية جمالية جديدة بناء ومفهوما، بخصوص علاقة الذات الحالمة بالعناصر والمكونات الكوسمولوجية الأربعة : النار، الماء، الأرض، الهواء.
لا يفسر الموقف، نوعية التكوين المؤسساتي ل سعيد بوخليط (أقسام الأدب)، أو اقتناعا بأن الإبستمولوجيا التاريخية الباشلارية، قد أضحت موضوعا شائعا متداولا، نظرا لتراكم الدراسات على هذا المستوى عند الفلاسفة ومؤرخي العلم. لكن، المسألة مرتبطة أساسا بالفقر الفظيع الذي يميز الخزانة المغربية ومعها العربية، فيما يهم الأبحاث المقاربة ترجمة أو فحصا لأهم الكتابات الجمالية كما صاغها باشلار، ومن خلالها آرائه المتعلقة بالأدب، الشعر، اللغة، الخيال، النحت، التشكيل، إلخ. ليس، بإمكاننا تأكيدا تبين معطيات خصائص القطيعة المعرفية داخل مسار النقد الأدبي الحديث دون فهم وتفسير مستمرين لأطروحات باشلار. ألم تخرج كل حمولة النظرية الشعرية الجديدة من لحية هذا الأستاذ الفذ ؟؟
أشارت الباحثة الأمريكية "تيريزا كاستيلاو ـ لاولس"، أستاذة فلسفة العلوم وتاريخ العلم بجامعة ميشيغان، في تقديمها للعمل الثاني من هذه السلسلة، إلى هذا الوضع الذي اختارته"باشلاريات" لنفسها، حينما كتبت: "إن قيمة اختيار الباحث سعيد بوخليط للنصوص التي ترجمها في عمله الحالي. تدخل في إطار مشروعه، وضع جمهور وكذا أكاديمي اللغة العربية ضمن سياق مختلف المنظورات الباشلارية مع تركيز خاص على الجزء الشعري" (غاستون باشلار : نحو أفق للحلم، ص 10).
يواصل العمل الحالي إذن، توسيع دائرة التعريف بالملامح الكبرى للدرس الباشلاري، وهو يتأرجح بين قطبي العلم والأدب مؤسسا لديكارتية جديدة بصدد التأريخ للعلم، كما قطع مع التجربة النقدية الكلاسيكية أو "النزعة العلموية" للقرن التاسع عشر فيما يخص الأدب.
سعيا، لإحاطة أخرى بفكر باشلار، مركزة ومتعددة الخلفيات. تم تقسيم المقاربة التي بين أيادينا، إلى أربعة فصول كبرى جاءت كالتالي : (1) مقاربات نظرية باشلارية (2) ترجمات باشلارية (3) قراءة باشلارية (4) حوارات باشلارية. إضافة، إلى مدخل تأطيري تفصيلي، تحت عنوان : مع السيد باشلار.
تناولت من هذا الجانب أو ذاك، بعض تضمينات النظرية الباشلارية وبنياتها المعرفية ثم الجمالية. انطلاقا، من الثورة الكوبرنيكية التي مست جذريا نظرية الخيال كما أسستها الميتافيزيقا الغربية، أو التحويرات الباشلارية لما وضع له هنا كعنوان ثنائية : شعر/علم. ثم الأبعاد الحلمية مثلا للدرس الخيميائي، مرورا بتمثلات باشلار لمجموعة من المفاهيم كعلاقته بالتحليل النفسي، تصوره للقصيدة، سجالاته الأنطولوجية مع برجسون حول نظرية الزمان....
أما باب الترجمات، فقد استحضر بدوره قضايا كثيرة، أهمها الوقوف على طبيعة التقييم المعرفي الممكن، لتناول الكتابات الباشلارية من قبل المترجمين العرب. نتلمس أيضا، من جهة أخرى وقائع حية عن باشلار، وثقتها آثار صادقة لبعض معاصريه. نشدد عنا، على حوار "أندريه بارينو" مع باشلار سنة 1951، إلى جانب شهادة"بيير رومو" الذي عاشر الفيلسوف لسنوات طويلة حينما كان يشتغل بمكتبة معهد الفلسفة التابع للسوربون. بالتالي، نفهم جانبا من الظروف والسياقات السوسيوـ معرفية، التي انتقلت بباشلار من موظف مؤقت بالبريد، إلى أحد الأعمدة المفصلية لتأسيسات الفكر الإنساني. حتى، لو وصل إلى عقده الرابع، فقد تعبأ لاجتياز إجازة في الرياضيات، ثم أكريكاسيون ودكتوراه في الفلسفة، يدرس أيضا الفيزياء الكيميائية بثانوية "بار -سو- اياوب"، قبل أن تتم دعوته لكلية ديجون ، بعدها انتقل عن سن 56 عاما للتدريس بالسوربون "أقدس مقدسات النظام التعليمي" بفرنسا على حد تعبير باتريس بولون. هذا الأخير، استبق حدوس القارئ، متسائلا عن تعدد الخاصيات التأملية عند باشلار إلى حد تبدو متباعدة ومنفصلة، فهو "مفكر العقلانية" و"ناقد التحليل الأدبي"، وصاحب كتاب مثير عن الشاعر العجائبي "لوتريامون"... . كم هي حيرة القارئ غير المنتبه ؟ حينما يجد، بأن باشلار الذي تتخلل كتاباته إحالات شتى على شعراء وكتاب نثر أمثال : شيلي/ بلاك/ نوفاليس/ نيرفال/ ميلفل/ هيسمنس/ فرجينا وولف/ شارل لوي فيليب... . هو، ذاته صاحب "الفكر العلمي الجديد"، أحد الأوائل تاريخيا ـ إلى جانب منافسه الأنكلوساكسوني "كارل بوبر" ـ الذي تمكن من استخلاص النتائج الفكرية، لظهور نظرية النسبية العامة.
تبنى الفصل الثالث ، تطبيقيا نموذج القراءة الباشلارية الحالمة، حينما فحص متواليات آخر الكتب التي أصدرها باشلار. نقصـد بـذلك، "شعلـة قنديـل" (1961) حاول من خلاله، مواصلة تبني المنهج الظاهراتي في قراءة الصورة الشعرية، بالوقوف عند أحلام اليقظة التي تتأتى للحالم وهو يجلس بالقرب من شعلة.
في حين، انطوى الفصل الرابع على حوارين، مع باحثين معاصرين، كل يشتغل فكريا من موقعه، استنادا على الثوابت الجمالية والفلسفية الباشلارية. فالكولومبية "باريرا كلوديا فيرناندا" ناقشت مؤخرا رسالتها لنيل الدكتوراه بجامعة باريس 8 تحت إشراف "آلان باديو" متناولة بموضوعها : فينومينولوجية الافتتان. الرافد الشعري عند باشلار، وبالضبط مقاربته الظاهراتية للخيال. معبرة أكثر من مرة، عن رغبة جامحة لتأسيس فلسفة خاصة بها، تتمحور دائما حول تصورها لفينومينولوجية الافتتان، بناء على الأفكار التي جاء بها باشلار، لكنه لم يطورها كثيرا.
أما الحوار الثاني، فقد توجه باستفساراته إلى باشلاري من رومانيا، هو الباحث "إيونيل بوز" رئيس مركز : ميرسيا إلياد ، للأبحاث في المتخيل والعقلانية، الذي يقيم علاقات تعاون علمية مع "مركز غاستون باشلار" التابع لجامعة ديجون. يختزل، "بوز" أسباب انفتاحه على فكر الفيلسوف الكبير، كونه يعتبر أحد الآباء المؤسسين لمفهوم المتخيل. دون نسيان بالطبع لصناديد آخرين كـ : غوستاف يونغ، جيلبير دوران، ميرسيا إلياد وهنري كوربان. مجلة فكر، الرباط