من ملفات ما بعد الحرب

بقلم: احمد ملحم

مع صدور قرار "الكابينت" الصهيوني بوقف العدوان على قطاع غزة من طرف واحد، فأن المعركة التي تبدو انها الحلقة الثانية من ملف الحرب الذي بدء بالحرب على لبنان... انتهت الى حين قصير.
وقد انتهت هذه الجوله الصهيونية بفشل كبير كما يشير الواقع الميداني على ارض غزة. فلم يتحقق للصهاينة اي من اهدافهم المعلنه قبل بدء العدوان. وقد لاحظنا من حديث بعض القادة الصهاينة انهم يكسون كلامهم بشئ من الغموض عند الحديث عن اهداف العدوان، لخوفهم من تكرار سيناريو لبنان.
ومع ذلك وتحت الضغوط فقد صرحوا انهم يريدون تغيير المعادلة الامنية في قطاع غزة، واسقاط حكم حماس بالاضافة الى اضعاف امكانيات المقاومة. وكل ذلك لم يتحقق شيء منه.
واذا كان العدوان العسكري قد انتهى بعد 22 يوماً من الدمار والقصف والتخريب، فأنه ما زال امام فصائل المقاومة وعلى رأسها الحكومة الشرعية في غزة، والمتمثلة بحركة حماس ملفات مشتعلة لا تقل ضراوة عن الحرب.
اذن مع انتهاء العدوان الصهيوني وفشله، نستطيع ان نرفع رؤوسنا عالياً وان نفخر بنصر مقاومتنا الباسلة في قطاع غزة. فهذا النصر العظيم الذي تحقق في قطاع غزة بدماء الاف الشهداء والجرحى، جاء ليؤكد لنا ان اختيارنا وثقتنا التي اوليناها للمقاومة كانت صائبه، وأن تضحيات ابناء الشعب الفلسطيني هي التي ستنيرا لدرب لتحقيق حلم الحرية ودحر الاحتلال وطرده من الارض الفلسطينية بسواعد المقاومة.
ملف المقاومة سيكون احد الملفات المشتعلة ما بعد العدوان، وذلك لأن فكر المقاومة ومشروعها سيكونان في بؤرة الاستهداف الصهيوني والعربي والدولي، فما حققته المقاومة الفلسطينية من صمود اسطوري في قطاع غزة، ومنع الاحتلال وقواته من التقدم وتحقيق الاهداف التي يريدها، جعل كل من يراهن على الاله الصهيونية في تحطيم قوة المقاومة سواء من اطراف سلطوية اوسلويه، او من المعتدلين العرب، في مأزق اكثر صعوبة من مأزق حرب يوليو/تموز 2006. ولذلك ستحاول هذه الاطراف ان تعمل على المسار الديبلوماسي او السياسي الخياني لتعطيل مشروع المقاومة، والتضييق على مواردها من خلال المبادرات والحلول السياسية التي تسعى هذه الاطراف الى ايجادها بأسرع وقت ممكن.
المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة يجب ان تستمر، وان تظل لدى الشعب الفلسطيني وقيادته خياراً استراتيجياً، وأن تبقى قوية ما دام الاحتلال جاثماً على هذه الارض.
من هذا المنطلق يجب على فصائل المقاومة ان تكون حذرة ويقظه في التعامل مع جميع المبادرات والطروحات السياسية التي تعرض عليها، وان تصر كذلك على ان تكون هي صاحبة الكلمة الاولى في اي حل او تفاهم تسعى بعض الاطراف الى ايجاده.
على فصائل المقاومة ان تكون مدركة ان الشعب الفلسطيني، وامهات الشهداء والجرحى والمعتقلين، ومن خلفه الشعب العربي واحرار العالم واصحاب الضمائر الانسانية الحرة، يعلقون امالهم على فصائل المقاومة الفلسطينية، وان الشعب الفلسطيني وضع ثقته في خيار المقاومة كونها تمثل اخر امل لهم في تحقيق كل ما حلموا به.
الان يتوجب على الشعب الفلسطيني ان يمنح المقاومة اكثر من ثقته وامله، بل ان يحتضنها ويدافع عنها، لانها هي القادرة على الدفاع عن ارض الشعب الفلسطيني واحلامه ومقدساته، ومن الضروري ان تتجسد صور احتضان المقاومة في المشاركة في مسيرات التأييد، وتجديد الثقة لفصائل المقاومة، للمضي قدماً في سبيلها وتحقيق اهدافها واهداف شعبها.
المقاومة الفلسطينية التي خاضت اول معركة شرسة بهذا الحجم على الارض الفلسطينية لاول مرة، اثبتت من جديد قوتها، وصلابتها ومدى ايمانها بفكرها. ونلمس صلابة الفكر وصدق التصريحات لرجال المقاومة ومفكريها من خلال ما ترتب على نتائج العدوان، المقاومة الفلسطينية قالت انها ستدافع عن الشعب الفلسطيني ولن تسمح للصهاينة بدخول غزة الا على اشلاء المقاومين. وصدقت المقاومة ودونت اساطير من الصمود والتحدي ومنعت اله الدمار الصهيوني من الدخول لغزة. وكذلك كانت المقاومة صادقة مع جماهيرها التي وعدتها بالمفاجآت وتكبيد العدو خسائر كبيرة، الان، صواريخ المقاومة، والتي وصفها عباس المنتهية ولايته "بالعبثية"، اصبح يصل مداها اكثر من خمسين كم، وتطال مواقع حساسة وبالغة الاهمية للصهاينة كقاعدة مالاخيم وقاعدة حتسور العسكريتيين.
حققت المقاومة الفلسطينية بصمودها امام الة الاحتلال الصهيوني، وصلابتها وجرأتها، اهدافا بالغة الاهمية، بدأت تبدو ملامحها على ارض الواقع شيئاً ملموساً، بعد حرب غزة وانتصار المقاومة، ارتفعت شعبية حركة حماس ومعها فصائل المقاومة كثيرا، بل ان هذه الحرب زادت من جماهيريتها ليس في الشارع الفلسطيني، بل في الشارع العربي والدولي، ولاحظنا الحشد والدعم والتأييد الذي لاقته فصائل المقاومة الفلسطينية من مختلف اصقاع العالم. وهذا الامر قد اعاد للقضية الفلسطينية بريقها الذي اختفى اثر سلامهم الملعون في واشنطن.
المقاومة اكدت لكل من راهن على غير خيارها، بأنه كان مخدوعا وواهما. والسلطة الفلسطينية في مقدمه هؤلاء. فعباس وعصابة الاربعين حرامي الذين يشاركونه اغتصاب السلطة، باتوا منزعجين كثيراً من صمود المقاومة وانتصارها. لم يخرج اي منهم ليتحدث عن صمود المقاومة وصلابتها في الدفاع عن الشعب، وتطورها الهائل في الفكر والامكانيات... بل العكس خرج علينا في اول يوم من العدوان، مستشار عباس نمر حماد مدافعاً عن الكيان الصهيوني ومانحاً اياه براءة. ودحلان الذي شارك في اجتماعات مع جنرالات صهيونية في القاهرة ثالث ايام العدوان للتباحث ووضع الخطط اللازمة لضرب المقاومة، عبر عن فرحه الكبير للعدوان الصهيوني على غزة خلال مقابلة صحفية له مع صحيفة المانية، طالباً من اسرائيل القضاء على المقاومة وسحقها. هذه التصرفات تطول عباس المنتهية ولايته، الذي كان يعلم عن وجود قوات فلسطينية ترابط على معبر رفح المصري للدخول الى غزة متى نجحت اسرائيل في القضاء على المقاومة كما قالت صحيفة النهار اللبنانية.
على السلطة ان تكف عن مسلسل الانبطاح والهرولة الى الصهاينة، وان تدعم صمود هذا الشعب وتعزز امكانياته في مقاومة العدوان الصهيوني بكافة الاشكال. وهذا الامر يتطلب طرد الجنرال الفاشل دايتون من اقطاعية رام الله، ووقف التنسيق الامني من قبل رؤساء الاجهزة الامنية مع قوات الاحتلال، والكف عن تقديم المعلومات عن المقاومة ومطاردتها وملاحقتها ومصادرة اسلحتها، بل يجب على السلطة التي باتت الان غير شرعية وغير قانوينة ان تطلق سراح المئات من المقاومين، والمحتجزين في سجونها، واعطاءهم سلاحهم الذي صادرته السلطة، لأن احتجازهم استهزاء بكل الاحاديث عن الوحدة الوطنية، وعن القانون والشرعية.
المقاومة انتصرت واعادت لنا شيئاً من الكرامة المستلبة عبر متاهات اوسلو . والان المطلوب هو تقديم الدعم العربي الرسمي والشعبي للمقاومة، من اجل تطوير امكانياتها وعتادها لما هو آت. فالمقاومة اثبتت للقاصي والداني قدرتها على صد وافشال جميع المخططات التي يسعى الكيان الصهيوني الى تكريسها على ارض الواقع، اضافة الى المصداقية التي تمتع بها قادة المقاومة، والذين صدقوا حين قالوا انهم مشاريع شهادة، فها هو العالم والشيخ الكبير نزار ريان يضحي بنفسه وعائلته من اجل أن يصدق. اما الجماهير التي دعاها الى عدم الخروج من المنازل المهددة بالقصف، ومثله القائد الوطني الشهيد سعيد صيام الذي ما تخلى عن واجبه الوطني، وكان يتابع بكل وقت، الخطة الامنية الطارئة على ارض الواقع... فهؤلاء قادة لن يجد العالم بأسره رجالا بصدقهم ووطنيتهم. احمد ملحم