كيف نقف من جرائم الحرب الإسرائيلية؟

بقلم: جواد البشيتي

إنَّ أحداً من المنتمين إلى السياسة في عالمها الواقعي الحقيقي الذي لا مكان فيه للأوهام الإنسانية والأخلاقية الأفلاطونية لا يمكنه أن يقف، فكراً وممارسةً، ضد "الحرب" على وجه الإطلاق، فالحرب كالمطر نقف منها موقفاً إيجابياً إذا كانت لنا مصلحة حقيقية فيها، ونقف منها موقفاً سلبياً إذا كانت لنا مصلحة في ذلك.

على أنَّ هذا لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أن يتوقَّف، أو يضعف، السعي العالمي إلى "أنْسَنة"، الحرب، وإلى مزيدٍ من "أنْسَنتها"، وخفض منسوب الوحشية فيها، فالحرب يجب أن تكون "نظيفة"، تخلو من كل ما يجعل تمييزها من "الجريمة" أمراً في منتهى الصعوبة.
ولا ريب في أنَّ حرب إسرائيل على قطاع غزة قد شذَّت عن مفهوم الحرب الذي أنشأه وطوَّره كلاوزفيتس، وجاءت بما يقيم الدليل على أنَّ عُمْق وقوَّة العداء الإسرائيلي للفلسطينيين لا يسمحا للدولة اليهودية، التي هي النازية القصوى في لبوسها التلمودي، إلاَّ بجعل حربها (أو حروبها) ضد الفلسطينيين تضرب جذورها عميقاً ليس في "السياسة"، وإنَّما في "الجريمة".

لقد كنتُ أوَّل من تحدَّث عن هذه الحرب بوصفها "الحرب الحقيقية الأولى بين إسرائيل والفلسطينيين"، كاشفاً، في الوقت نفسه، عن قانون جديد للصراع، فكلَّما اشتدت وعَنُفَت وعَظُمَت مقاومة الفلسطينيين ظَهَر مزيدٌ من النازية الكامنة في إسرائيل؛ ولَكُم أن تقارنوا بين حرب إسرائيل على قطاع غزة وحرب حزيران 1967، لتقفوا على الأسباب التي سمحت لإسرائيل بأن تتَّخِذ من "الحرب النظيفة"، في حزيران 1967، طريقاً إلى إلحاق هزيمة كبرى بالعرب.
الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة واضحة جلية، لا يطلب دليلاً عليها إلاَّ مَنْ يشبه ذاك الذي يطلب دليلاً على وجود النهار، فهي حقيقة واقعة لا ريب فيها لدى كل من له عين تبصر، وأُذن تسمع، وعقل يعقل، أو لدى كل من ليس له مصلحة في إنكار وجود النهار نهاراً.
ولا بدَّ للفلسطينيين جميعاً، وإنْ تنازعوا، وللعرب جميعاً، وإنْ تنازعوا، وللعالم الحُرِّ حقَّاً، من أن يبذلوا الجهد لتوثيق كل تلك الجرائم، وبما يسمح بتذليل كل عقبة من طريق جعلها مستوفيةً معاني الجريمة، في القانون الدولي، نصَّاً وروحاً، فمقاومة الشعب الفلسطيني التي ستستمر وكأنَّها "بدأت" بعد، وبفضل، حرب إسرائيل النازية على قطاع غزة، تحتاج الآن، أو من الآن وصاعداً، إلى كل ما من شأنه أن يردع دولة مجرمي وجرائم الحرب عن المضي قُدُماً في استخدامها الجرائم سلاحاً في حروبها المقبلة على الشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه القومية.
لا بدَّ لهذا الجهد من أن ينتهي أوَّلاً إلى جعل العالم مؤمناً إيماناً لا يتزعزع بأنَّ إسرائيل قد ارتكبت كثيراً من الجرائم، ومن أكثرها بشاعةً، في قطاع غزة، وبأنَّ ما اقترفته من جرائم لا ريب فيها قد أظهر النازية القصوى التي كانت كامنة فيها، وما عاد ممكناً، بالتالي، أن ينظر إليها العالم إلاَّ على أنَّها الدولة الأولى لمجرمي وجرائم الحرب.
"الهدف النهائي"، وهو معاقبة مجرمي الحرب في إسرائيل عملاً بأحكام القانون الدولي، وبما يتناسب مع حجم انتهاكهم وخرقهم للقانون الدولي، ليس بذي أهمية الآن لجهة بلوغه والوصول إليه، فالحركة في هذا الاتِّجاه، وبصرف النظر عن نتيجتها النهائية، هي التي يجب أن تستأثر بالاهتمام الفلسطيني والعربي والعالمي.

وهذا إنَّما يعني أنَّ أقلَّ شيء يمكننا وينبغي لنا تحقيقه هو جعل العالم مؤمناً (كإيمانه بأنَّ نيويورك هي مقر الأمم المتحدة) بأنَّ حرب إسرائيل على قطاع غزة كانت حرباً في الشكل وجريمة في المحتوى، وبأنَّ الدولة اليهودية ما هي إلاَّ النازية القصوى في لبوسها التلمودي، والدولة الأولى لمجرمي وجرائم الحرب، وبأنَّ لهذه الدولة، مع ذلك، حُماة في الغرب، أي في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يَحُولون بينها وبين العقاب الذي تستحقه بموجب القانون الدولي، فعالمٌ يرى الجريمة والمجرم، ويرى المجرم محمياً من العقاب، أفضل بكثير من عالم نجحوا في جعله يشكُّ في حدوث تلك الجرائم، ويشكُّ في أنَّ إسرائيل دولة لمجرمي وجرائم الحرب.

على أنَّ السعي الفلسطيني والعربي في هذا الاتِّجاه، أي في اتِّجاه تجريم إسرائيل وقادتها، يَفْقِد معناه ومنطقه إنْ لم يقف الفلسطينيون والعرب مواقف من المجرم، دولةً وقادةً، تتَّفِق تماماً مع إيمانهم هُمْ بأنَّ الدولة اليهودية ليست سوى النازية القصوى في لبوسها التلمودي، وبأنَّها قد فعلت في قطاع غزة كل ما من شأنه أن يُثْبِت ويؤكِّد لهم، قبل غيرهم، أنَّها دولة لمجرمي وجرائم الحرب.
إنَّ كل دولة عربية مدعوة الآن إلى أن تُثْبِت بالقول والفعل أنَّها تفهم حرب إسرائيل على قطاع غزة على أنَّها جرائم لا ريب فيها من جرائم الحرب، ومن الجرائم في حق الإنسانية، ارتكبتها تلك الدولة وجيشها وقادتها هناك.

كل من وقف مع هذه الحرب، ولم يقف ضدها، من قادة إسرائيل، الرسميين وغير الرسميين، وكل من ارتكب تلك الجرائم، بأمره بارتكابها، أو بارتكابه لها تنفيذاً لهذا الأمر، أو من تلقاء نفسه، يجب أن يُعْلَن اسمه، وأن يصبح مطلوباً للعدالة في كل دولة عربية. وأحسب أنَّ كل برلمان عربي مدعوٌّ إلى أن يضع قائمة بأسماء هؤلاء المجرمين، وأن ينشرها في الصحف ووسائل الإعلام، وأن يسعى بالتعاون مع كل المناهضين لإسرائيل الآن بوصفها دولة لمجرمي وجرائم الحرب إلى جعل هؤلاء المجرمين مطلوبين للعدالة في بلده.

وغني عن البيان أنَّ تسمية هؤلاء المجرمين، مع جعلهم مطلوبين للعدالة في كل دولة عربية، تصبح أمراً عديم الأهمية إذا لم تقترن بمواقف فلسطينية وعربية من هؤلاء المجرمين تتَّفِق ومنطق تجريمهم، فلا مصافحة لهم من الفلسطينيين والعرب، ولا لقاء، أو اجتماع، أو حوار، أو تحادث، معهم.

أمَّا إسرائيل ذاتها فيجب أن تُعامَل، فلسطينياً وعربياً، كما يُعامَل هؤلاء المجرمين إلى أن تُثْبِت بالقول والفعل أنَّها ما عادت دولة لمجرمي وجرائم الحرب، وأنَّها إنْ حاربت الفلسطينيين والعرب مستقبلاً فلن تحاربهم كما حاربت قطاع غزة.

الفلسطينيون والعرب إنَّما يحتاجون إلى شيء واحد فحسب هو أن يتَّفِقوا ويتوافقوا على مُسلَّمة هي أنَّ إسرائيل قد ارتكبت في قطاع غزة كثيراً من جرائم الحرب، ومن الجرائم في حقِّ الإنسانية، وأنَّها مع المجرمين من قادتها يجب أن تُعامَل بما يؤكِّد إصرار الفلسطينيين والعرب على ضرورة وأهمية ألاَّ تبقى تلك الجرائم بلا عقاب.

إنَّ أحداً من الفلسطينيين والعرب لن يجرؤ على تبرئة كبار قادة إسرائيل السياسيين والعسكريين من تهمة ارتكاب جرائم كتلك في قطاع غزة، إذا ما دُعي إلى إجابة سؤال "هل ارتكبت إسرائيل جرائم حرب في قطاع غزة؟"؛ ولكنه قد يجرؤ على تفسير ارتكابها لتلك الجرائم على أنَّه نتيجة لأخطاء قتالية ارتكبتها المقاومة الفلسطينية، أو لأخطاء قتالية ارتكبها الجيش الإسرائيلي، أو لأخطاء ارتكبها أفراد من هذا الجيش، أو نتيجة لأسباب قتالية موضوعية، فالخواص الجغرافية والديمغرافية والقتالية لساحة الحرب في قطاع غزة تجعل "الحرب النظيفة" من الصعوبة بمكان.

قبل، ومن أجل، أن نُقْنِع العالم بأنَّ إسرائيل قد ارتكبت كثيراً من جرائم الحرب في قطاع غزة، وبأنَّ قادتها، أو بعضهم، يجب أن يعامَلوا دولياً على أنَّهم مجرمو حرب، لا بدَّ لنا من أن نُثْبِت بالقول والفعل أنَّنا مقتنعون نحن بذلك، أو نملك من الإرادة السياسية المستقلة والحرَّة ما يمكِّننا من النطق بهذه الحقيقة، والعمل بمقتضاها. جواد البشيتي