الاحزاب الطائفية في العراق تخسر ثقة الناخبين

بغداد
مرشحو الفساد الديمقراطي

حين أدلى العراقيون بأصواتهم في المرة الأخيرة عام 2005 خشي البعض في واشنطن من أن تسير تلك الدولة الإسلامية على نهج ايران التي يحكمها رجال دين اسلاميون بدلا من أن تصبح الديمقراطية المعتدلة التي تصوروها لعراق ما بعد الرئيس الراحل صدام حسين.
والسؤال الذي يطرح نفسه الان حين ينتخب العراقيون قيادات جديدة للمحافظات في 31 يناير/كانون الثاني سيكون ما اذا كانت الأحزاب الدينية التي تهيمن على الساحة السياسة منذ ذلك الحين تستطيع الاستمرار في الحكم على الرغم من المرارة التي يشعر بها الناخبون المحرومون من الخدمات والأمن.
وتقول صفاء كاظم وهي مدرسة في البصرة عاكسة الغضب الذي يجري التعبير عنه في أنحاء العراق تجاه الأحزاب الكبرى ومعظمها قامت على أسس طائفية وينظر اليها كثيرون على أنها فاسدة ولا تخدم الا مصالحها الخاصة "الأحزاب الدينية لم تف بوعودها. لقد استغلت مشاكلنا".
وأضافت "يجب أن يكون الناخب اكثر حرصا هذه المرة ويصوت لمن يستحق".
إن علامات الاستياء هذه هي تحذير لحزب الدعوة بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي والمجلس الأعلى الاسلامي العراقي ويمثلان الأغلبية الشيعية بالعراق وأيضا للحزب الاسلامي العراقي الذي هو اكبر تكتل للعرب السنة.
وتواجه جميع هذه الاحزاب تحديات من حركات عشائرية وقومية حديثة العهد بعد قرابة ستة أعوام من الغزو الاميركي وسنوات من أعمال العنف الطائفي المروعة التي أسفرت عن سقوط عشرات الآلاف من القتلى.
وفي استطلاع للرأي أجراه في نوفمبر/تشرين الثاني المركز الوطني للاعلام وهو هيئة حكومية رفض 68 في المئة ممن استطلعت آراؤهم استخدام الشعارات الدينية في الحملة وقال 42 في المئة إنهم يفضلون الأحزاب العلمانية بينما عبر 31 في المئة عن تأييدهم للأحزاب الدينية.
وصرح مسؤول اميركي ببغداد بأن التراجع الحاد في عنف الميليشيات والعنف الطائفي بين السنة والشيعة الذي بلغ ذروته عامي 2006 و2007 شجع على ابتعاد حذر عن السياسة الطائفية.
وقال المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه "امامنا طريق طويل لنقطعه لأن من الصعوبة الشديدة تفادي السياسة القائمة على الهوية حين يكون المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالأمان هو داخل طائفتك".
وعلق كاظم المقدادي المحلل السياسي في بغداد قائلا إن العراقيين الآن يريدون التصويت للمرشح الأفضل بغض النظر عن طائفته الدينية.
وعلى الرغم من هذا قد يكون من الصعب على الأحزاب الصغيرة كسب أرض من المنظمات الراسخة الممولة جيدا وربما لا تترجم هذه النوايا الى تغير كبير في السياسة العراقية.
وقال مايكل نايتس الذي يرأس برنامجا عن العراق بمعهد سياسة الشرق الأدنى في واشنطن "الأحزاب السياسية الكبرى افضل تنظيما وتمويلا وتسليحا وتسيطر على وسائل الإعلام...والوزارات التي توفر الوظائف والخدمات الاجتماعية".
وأضاف "العلمانيون منقسمون وتنظيمهم سيء...نتيجة لهذا ليس لدى الشعب العراقي حاليا بديل للإسلاميين له مصداقية في الكثير من المحافظات".
وكان العراق علمانيا الى حد كبير في ظل حكم حزب البعث الاستبدادي في عهد صدام وكثيرا ما تعرض الزعماء الدينيون من الشيعة لاعتداءات او اغتيالات. وذهب كثيرون منهم الى المنفى في ايران الشيعية.
وعلى الرغم من صعود الشيعة في العراق الآن الا انهم لم يحاولوا فرض اي نوع من الحكم الديني على الطراز الايراني. وقد نأى الزعيم الشيعي الإيراني الأصل آية الله علي السيستاني بنفسه عن هذه المسألة وأظهر أنه فوق السياسة الحزبية.
وقال فرج الحيدري رئيس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق في مؤتمر صحفي إنه تحدث مع السيستاني بهذا الشأن وإن الزعيم الشيعي أوضح له تماما أنه لا يدعم اي كيان سياسي او مرشح.
لكن الإغراء بجعل الناخبين يظنون أن الزعماء الدينيين يفضلون حزبا ما قوي.
وتحظر القوانين استخدام الرموز الدينية في الحملات الانتخابية لكن اللافتات السوداء التي تحمل شعارات شيعية ورموزا حزبية موجودة في كل مكان بشوارع مدينة النجف الشيعية.
ومن بين الأحزاب الشيعية كان المجلس الاعلى الاسلامي العراقي من بين اكثر الأحزاب صراحة في استخدام الدين في حملته الانتخابية. وهو يطبع اسماء النبي محمد ونسله على خلفية بطاقات الحملة الانتخابية حتى يضمن الا يتخلص منها الناخبون المتدينون.
وقال عمار الحكيم القيادي البارز بالمجلس الاعلى الاسلامي العراقي إن دستور العراق يعني أنه لا يمكن المقارنة بين بلاده وايران التي يحكمها رجال الدين لدى النظر الى دور الدين في السياسة.
وأضاف أن الدستور يعتبر العراق دولة متحضرة تحترم الاسلام في تناغم مع الهوية الدينية للشعب العراقي وتحترم مشاعرهم وشعائرهم.
وعبر عن غضبه من التلميح بأن العلمانيين قد يستفيدون من شعور الناس بعدم كفاءة الأحزاب الإسلامية.
وتابع أنه لا يرى أي تعارض بين التدين والخبرة وقال إن التجربة أظهرت أن هناك اشخاصا متدينين خدموا الجماهير وعلمانيين لم يفعلوا.
لكن هذا التفاني قد لا يكفي تماما لعلاج الاستياء الشعبي. فالعراق رغم انه أصبح اكثر امانا الا ان اعمال العنف مازالت تهزه بشكل روتيني ولا يزال الملايين يعيشون بلا كهرباء ولا وظائف.
ويقول بعض المراقبين إنه لهذا السبب عدلت الاحزاب السياسية الكبرى رسالتها وتخوض الانتخابات بمرشحين اكثر اعتدالا لتعكس اولويات العراقيين اليوم.
وقال اياد علاوي رئيس الوزراء المؤقت السابق الذي يرأس حزب الوفاق الوطني العراقي وهو اكبر حزب علماني بالبلاد إنه حين ينظر الآن الى ما تقوله الجماعات العلمانية الأخرى يجدها تقول ما كان حزبه يقوله قبل ستة اعوام. ويأمل علاوي الا تتكرر النتيجة المحبطة التي عانى منها حزبه في انتخابات عام 2005.
ولن يخوض واحد من اشهر الشخصيات الدينية بالعراق الانتخابات. فمقتدى الصدر الذي تحدث ذات يوم نيابة عن الملايين من فقراء الشيعة لن يرشح اي مرشحين من التيار الصدري الذي يتزعمه.
وتقول نوال حسين وهي ربة منزل من البصرة إن المؤهلات الدينية للمرشحين ثانوية. وأضافت "لا يهم إن كان غير مسلم. المهم أن يكون امينا".