معاقبة الشعب الفلسطيني على اختياراته

بقلم: أحمد شهاب

حسب آخر الإحصاءات الميدانية تجاوز عدد الشهداء في قطاع غزة منذ العدوان الإسرائيلي عليها ما يقارب الـ 1300 شهيد و5500 جريح، إضافة إلى تدمير مئات المنازل والمدارس والمساجد والمستشفيات وعشرات المنشآت الحيوية، ونقلت وسائل الإعلام صور جرف الدبابات الإسرائيلية مئات الدونمات من الأراضي الزراعية، وعشرات الآبار في المنطقة، ولم يستثن الحقد الإسرائيلي مقبرة الشيخ رضوان، شمال مدينة غزة، التي استهدفها الطيران بغارة جوية عنيفة، الأمر الذي تسبب في تدمير الكثير من القبور حيث تبعثرت عظام وجماجم الشهداء والموتى خارجها.
قيل كثيرا في الأسباب التي تقف خلف كل هذا العدوان الوحشي غير المسبوق على قطاع غزة، وأخذ فريق من المحللين والاستراتيجيين على حركة المقاومة الإسلامية «حماس» إصرارها على الاستمرار في إطلاق الصواريخ على التجمعات الاستيطانية اليهودية الواقعة إلى الشرق والشمال من قطاع غزة، وأنها أشعلت الحرب بيدها بهذا الإصرار، وحسب «ياكوف أميدرور» الجنرال السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، فإن إسرائيل مدعوة لاجتياح غزة بصورة حاسمة من أجل القضاء على مقدرات حماس فيها، بحيث تجعل حماس في وضع لا تستطيع فيه مهاجمة إسرائيل، حتى ولو أرادت ذلك.
بينما أرجع فريق آخر أسباب العدوان إلى استمرار أسر الجندي جلعاد شاليط الذي اختطفته المقاومة قبل عامين ونصف العام تقريبا، ومن وجهة نظر بعض المحللين الإسرائيليين فإن تفكير القادة في الميدان يجب أن ينصب خلال المعركة الدائرة في ضواحي القطاع على كيفية اعتقال أكبر عدد ممكن من قادة حماس ومناضليها للتمكن من مقايضتهم بإطلاق الجندي الإسرائيلي الأسير.
من المؤكد أن وقف الصواريخ وتحرير شاليط، من ضمن النقاط التي يستهدفها الجيش الإسرائيلي خلال الهجوم على قطاع غزة، والذي تبدى في أكثر صوره إجراماً وهمجية، لكن ما لا يريد قوله أحد، أن أبناء غزة لا يدفعون ثمن إطلاق الصواريخ، ولا أسر جلعاد شاليط فقط، وإنما يدفعون اليوم ثمن تصديقهم لدعاوى الولايات المتحدة من كونها تريد تعزيز الديمقراطية في المنطقة، وتسعى لتأكيد قيم المشاركة السياسية في الأراضي الفلسطينية. إن الفلسطينيين في غزة هم ضحايا كذبة نشر الديمقراطية.
آلاف القتلى والجرحى من الفلسطينيين يقدمون كُلفة اصطفافهم طوابير خلف صناديق الاقتراع العام 2006، ويعاقبون على اختيارهم لمرشحي حماس بدلا من فتح، لأنهم لم يدركوا أن الديمقراطية الأميركية لا تعني أكثر من أن يختار الناخبون من تريده الولايات المتحدة، لا ما يريده أبناء الشعب الفلسطيني، إنها ديمقراطية المقاسات الجاهزة التي لا تتيح لك التفكير في اختياراتك، بل تجبرك على تحقيق اختيارات الآخرين وتنفيذ إرادتهم.
معاقبة الشعب الفلسطيني على اختياراته الديمقراطية هي مقاربة فضائحية للمشروع الأميركي والمشروع «الشرق أوسطي» الكبير والجديد، الذي يراد تسويقه في المنطقة، ملخصها حرب إبادة شاملة تتولاها إسرائيل في غزة معززة بالسياسات الأميركية العنصرية، وصمت المجتمع الدولي، ومدعمة بآخر ما توصلت إليه التقنية الإعلامية لتضليل أكبر قدر ممكن من الجمهور.
لقد دفع أطفال العراق وأفغانستان ولبنان من قبل ثمن نشر الديمقراطية الأميركية من أرواحهم ووجودهم، وقيل وقتها إن نشر الديمقراطية يستحق ذلك وأكثر، فالديمقراطية لا تأتي على طبق من ذهب، وصدقهم أغلب العرب، وقالت وزيرة خارجية أميركا كوندوليزا رايس إن ما يجري في المنطقة هو مخاض ولادة الشرق الأوسط الجديد، بما فيه تعزيز حق الشعوب في الممارسة الديمقراطية والاختيار، والآن يدفع أطفال ونساء غزة ثمن إيجابيتهم ومشاركتهم بنسبة تصل إلى ( 77 % ) في الانتخابات، وثمن ممارستهم الحرة في اختيار الفريق المناهض للسياسات الأميركية والإسرائيلية.
هذا الموقف ليس جديدا، وليس من اكتشافات الحرب الأخيرة، فمنذ أعلن رسميا فوز حركة المقاومة حماس في الانتخابات التشريعية العام 2006، وجميع ردود الفعل الرسمية الصادرة من واشنطن تشير إلى أنها قررت معاقبة الشعب الفلسطيني على خياراته، وتأكد ذلك بعدما أوقفت الولايات المتحدة سائر المعونات الاقتصادية، ولجأت إلى تجويع الشعب الفلسطيني، وعملت من جهة على حجب المعونات المباشرة عن السلطة الفلسطينية الشرعية المتمثلة في «حماس»، ومن جهة أخرى سعت إلى تقييد المعونات الإنسانية التي تقدمها منظمات غير حكومية إلى الفلسطينيين.
الهدف من التضييق الأميركي- الإسرائيلي على السلطة الشرعية، هو دفع الفلسطينيين إلى الثورة على حماس، وإيجاد مبررات تغييرها، سواء من خلال المطالبة بإعادة الانتخابات، أم القبول بالتخلي عن صلاحيات رئيسة لمصلحة منظمة فتح، ولما لم تؤت المقاطعة ثمارها، تم الانقلاب الأول على حماس من قبل الرئيس محمود عباس، ثم فُرض حصار مطبق على قطاع غزة، وعلى رغم مساوئ الحصار وآثاره الإنسانية المرعبة، إلا أنه لم يؤد إلى إضعاف حماس، بل ظلت الأخيرة متمسكة بمواقفها ومقاومتها، وعلى رغم ظهور بعض الأصوات المتبرمة والناقدة، فقد ظل الجمهور الفلسطيني في غالبيته صابرا ومحتسبا، وهو ما دفع إلى استعجال شن الحرب الراهنة قبل انتهاء ولاية الرئيس الأميركي جورج بوش.
لقد حطمت الولايات المتحدة صورة الديمقراطية والمشاركة السياسية التي بشرت العالم بها، وهزت ممارساتها الخارجة على الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية، ثقة الشعوب بأهداف وثمرات الحرية والحداثة حينما قرنتها بكل هذا الحجم من الخراب والدمار والدماء، لقد سقطت كذبة نشر الديمقراطية وتعزيزها في الشرق الأوسط، وسقطت معها كل الشعارات الأميركية المعلنة والمبشرة بالتحرر من الخوف والإرهاب، فالولايات المتحدة تطبق ديمقراطية داخلية مختلفة كل الاختلاف عن الديمقراطية الخارجية، تطبق القانون في الداخل وتنتهكه في الخارج، وتتمسك بمبادئ حقوق الإنسان داخل أميركا وتنقضه خارج حدودها.
لم يعد أمام الشعوب العربية إلا أن تُعيد تقييم موقعها من جديد من الديمقراطية والمشاركة والإصلاح السياسي والتغيير، على اعتبار أن الإصلاح الداخلي أمر مطلوب لذاته، من أجل أن تمسك الشعوب بزمام القرار والمبادرة.
شعوبنا تحتاج إلى الديمقراطية، تحتاج إلى تدعيم الممارسة السياسية، وتعزيز مفاهيم المشاركة، ولكن وفق مفهومها الخاص ونسختها المحلية، وليس وفق أي نسخة أخرى لا تناسب مناخها الاجتماعي والحضاري. احمد شهاب، كاتب كويتي ahmed.shehab@awan.com

كاتب كويتي
ahmed.shehab@awan.com